د . علي الشمري مرت الثورة المصرية منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011 بمنعطفات حادة، تمثلت في ممانعة المجلس العسكري الحاكم في المضي قدما في إستكمال خطوات إرساء الديمقراطية، فلقد كان المجلس العسكري مترددا في التعجيل بوتيرة الاجراءات الفعلية للإنتقال الى المراحل التالية من العملية الديمقراطية وصولا الى تسليم السلطة الى هيئة مدنية منتخبة، ويعزى ذلك في بداية الامر الى التخوف مما ستؤول إليه الامور في نهاية المطاف!، وكذلك الى رغبة المجلس العسكري في استقراء طبيعة التركيبة البرلمانية القادمة، وكيف سيحقق المجلس العسكري التوازن بين مفهوم ومتطلبات المصالح القومية العليا ‘كما يراها المجلس’ وبين إستحقاقات الثورة؟ من هذه المنطلقات تريث المجلس العسكري قليلا في المضي قدما في اجراءات العملية الديمقراطية حتى تتكشف له على أرض الواقع ثقل الكتل السياسية التي ستشارك في الانتخابات وربما تقود زمام المبادرة في المستقبل. كما أيقن المجلس إستحالة بقائه في مقاليد السلطة لفترة طويلة، لذا كان لابد من القبول بمبدأ ‘السياسة فن الممكن’، ومن هنا بدأ المجلس في مغازلة القوى السياسية بعيدا عن الثوار الحقيقيين، وشمل ذلك الاخوان المسلمين والسلفيين وليبرالي مبارك وكيانات الاحزاب القديمة وشخصيات فاعلة في عهد ما قبل الثورة، كما أدرك المجلس أنه لابد من القبول بمبدأ ‘خصم الامس حليف اليوم’، لذلك فتح الباب لعلاقة براغماتية حميمة مع الاخوان المسلمين؛ وهم الذين لم يلتحقوا بالثورة من بدايتها ولكنهم أدركوا القطار في عرباته الاخيرة، وها هم يصلون اليوم لمقدمته وربما مستقبلا لقيادته! لقد نجح الاخوان المسلمون في الاستحواذ على40 ‘ من مقاعد الجولة الاولى للإنتخابات المصرية، وجاء السلفيون والليبراليون في المرتبة الثانية والثالثة بالتبادل حسب المحافظات، وحل تجمع شباب الثورة الحقيقيون في مراكز متأخرة نسبيا في بعض المحافظات، وهنا يتضح وكقراءة أولية لنتائج الجولة الاولى من الانتخابات عدة أمور منها: أولا أن الاحزاب المنظمة تنظيما جيدا كالاخوان المسلمين قد حققت السبق، ثانيا: عملت الانتخابات في توقيتها القريب نسبيا في الضغط على الكتل السياسية المتنافسة او المتناقضة للمشاركة أو ترتيب أوراقها بسرعة كما حدث مع السلفيين الذين كانوا في البداية يحرمون المشاركة في الانتخابات، ثالثا: تآلفت أو تحالفت الكتل ذات الأفكار المتقاربة كما حدث مع الليبراليين في بوتقة واحدة لمواجهة إستحقاقات صعبة قادمة، رابعا: خسارة بعض رموز الثورة الحقيقيون أمثال جورج إسحاق لمقاعدهم المستحقة؛ وهذا يدل على عدم خبرة شباب الثورة في الاعداد والمشاركة في معركة كسر عظم، خامسا: منيت المرأة بخسارة فادحة على الرغم من دورها البارز في الثورة؛ حيث لم تستطع أيقونات ثورية مثل جميلة اسماعيل ومنال عهدي من الفوز أو اجتياز العتبة النسبية المقررة من الاصوات للدخول في جولة الاعادة، سادسا: لوحظ إقبال الاقباط على التصويت بشكل لافت خوفا من مستقبل مجهول، سابعا: يمكن اعتبار نتائج الجولة الاولى نموذجا تحاكى به نتائج بقية الجولات القادمة؛ مما قد يكون وسيلة ضغط على الناخب لإستقطابه أو أن الامر سيؤدى الى شحذ همم الكتل ذات المراكز المتقدمة لتحقيق مزيد من الانجازات، ثامنا: منيت أحزاب تاريخية كالوفد بخسارة كبيرة لإرتكابها أخطاء فادحة، تاسعا: حققت نتائج الجولة الاولى نسب تصويت غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث بعيدا عن التزوير والتكتلات الحزبية المدعومة من السلطة والبلطجية والفتوات وغيرهم، عاشرا: أجريت الانتخابات بإشراف قضائي كامل لأول مرة في تاريخ مصر الحديث وحققت إشادة واسعة من مراقبين دوليين. إلا أنها كشفت عن ملاحظات سلبية: أولا هشاشة البنية التحتية وضعف الدعم اللوجستي، ثانيا: إعتماد كثير من القوائم على الاشاعات ودغدغة عواطف الناخب طمعا بصوته، ثالثا: صعوبة متابعة الحملة الانتخابية على عدة مراحل وعدة أيام مما يتطلب كثير من القضاة والمستشارين وعناصر المحافظة على الامن والنظام. الخلاصة: يتضح أن طريق الديمقراطية طويل وأن تحقيق مدنية الدولة تكتنفه صعوبات شائكة وجمة، كما أن اصحاب الثورة الحقيقيون لن يصلوا للسلطة، وهذا يذكرنا بمقولة لنجيب محفوظ ‘يقوم الشجعان بالثورة ويقودها المغامرون ويستفيد منها الإنتهازيون’.’ كاتب عراقي