سأرحل مع الغجر

حجم الخط
0

احمد اليوسفجمعونا في ساحة عامة. كنا جميعا نرتدي نفس الزي. بدأنا صباحنا نردد هتافا لا نعي مضامينه. كان اكبرهم يصرخ فينا قائلا: الحمار الي هونيك صف وراء من هو اقصر منك. ادخلونا بعدها الى صالات مغلقة قيل لنا فيها اننا لسنا في بيوتنا. حاولت ان اسأل الشخص الذي بجانبي عن اسمه فنهرني من كان يشرف على ضبطنا داخل القاعة. كان هناك شخص منا يعاقب بالوقوف بجانب الباب ويداه مرفوعتان بالهواء قيل انه لم يراع قواعد الانضباط. حالة الرعب جعلت شخصا بيننا ينهار فبال على نفسه. هتافاتنا كانت واحدة وزينا كان واحدا وصمتنا وخوفنا كانت كلها واحدة. هكذا كانت مسيرة قتل الاختلاف والتميز. وهكذا كان يومي الاول في المدرسة ويومي الاول في معتقل منظمة طلائع البعث. قال خالي ردا على اسئلتي: اذا قامت القيامة فلن يبق مدرسة ولا حتى مدرسين. وقامت القيامة مرتين في اليوم الواحد في قريتي. كان هذا في سنة ثمانين من القرن المنصرم. ومع كل هذه القيامات وعلى الرغم من هتاف المتظاهرين في قريتي في جبل الزاوية بأنه لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس، بقيت المدرسة ومعسكرات التدريس قائمة على قدم وساق. المدرسة بيت علم وعلى كل الاطفال الذهاب اليها، هكذا كانت تبرر امي خدمتنا الالزامية في معسكرات طلائع البعث. وحدهم اطفال الغجر من نجا من الزامية التدجين. كانوا يأتون الى قريتنا في كل ربيع ليستقروا في ارض البيدر بدون استئذان من احد وكأن الارض ارضهم. لم ار في طفولتي الغنية بالعجائب من هو امهر من الغجر. كانوا يحوّلون قطع الحديد الى مناجل للحصاد وسكاكين والى ادواة لدرس القمح ويبيضون طناجر اسودت لكثرة الاستعمال ويزينون اسنان العجز بأسنان قيل انها ذهبية. وليس هناك من هو امهر منهم برسم الوشم او اشكال الفن على جسد النساء وحتى على اكثر الاماكن المخفية من ذلك الجسد. قيل ان أم أحمد رسمت في صباها وشما على مكان لم يره إلا زوجها في ليلة عرسه. وحدهم الغجر من حول فنهم اجساد البشر. كان اهل القرية يزورونهم في الصباح وفي الغداء والمساء والى آخر الليل وحسب. كل يحمل لهم شيئا ما يحتاج للتصليح وبريقا من الشاي او بعضا من السكر. وللغجر موهبة في قراءة الكف والفنجان تغوي كل من يريد ان يهرب او يتهرب من بؤس حاضره. ولم يكن اطفالهم يدخلون المدرسة او يغادرون بيوتهم للعمل بل يبقون في بيوتهم يلعبون طوال النهار ويستسلمون لقصص الكبار في الليل. كانوا يستيقظون متأخرين في صباحهم ولا يعيرون اهتماما كبيرا لقواعد النظافة من حمام وغسل وغسيل. هكذا يعيشون على فطرة الطبيعة الاولى. كنت اقضي اغلب وقتي عندهم مما جعل امي تلجأ للحيلة كي تخيفني منهم. قالت لي بان نساءهم تخطف الاطفال من سني وترحل بهم بعيدا عن اهلهم. اغواني قصة خطف الاطفال فاخترت امرأة غجرية قيل لي انها لم ترزق بأطفال رغم انها متزوجة منذ اكثر من سنة. رحت ألاحقها اينما ذهبت لتجدني على يمينها طورا وطورا على يسارها. وأخذت احدق بها كلما تأملت نظراتي وكأنني اقول لها: اخطفيني. قالت لي هي بكرم من يقرأ المستقبل بالمجان: والله انت يا اسمر لتجنن البنات بس تكبر!اخبرت ابن خالي بمخطط هروبي مع الغجر وأسهبت في ثنائي على تحررهم بالقول: لا شغل ولا دراسة ولا حمام ولا هم يحزنون. اخذ ابن خالي يجلدني بأسئلة ميتافيزيقية ترفية حول من سيسرح بالعنزات اذا هربت معهم ومن سيشتري ربطات الخبز لأهلي ومن ومن، الى ان وصل الى جملة: وكيف ستترك المدرسة؟ ان تركتها فما رح يتركوك هني، هي الدولة بتوصلك وين ما كنت. هكذا ختم ابن خالي حديثه العقلاني الرصين الذي اثار سخطي وانفعالي. فكنت جالسا فوقفت واستعرت جملة لأبي، كان يكررها كلما ذكرت الدولة، لضحالة مفاهيمي الاحتجاجية. هكذا دونما خجل او وجل ودونما خوف وبكل ما لدي من كره للمدرسة وللدولة معا صرخت قائلا: رح اهرب مع الغجر وخليهن يخروها. qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية