سأكون أنثي…

حجم الخط
0

سأكون أنثي…

وفاء مليحسأكون أنثي… عاشقة للأنا. عاشقة للإنسان وللحياة.. أكتبني بحروف ثائرة. أنهل من ينابيع الكلمة التي تسكن جهازي العصبي. تتورط فيه. تترجم حقيقة الوجود. نعم وجودي أنا الذي يرعبه السأم. الخواء واللامعني. أستجيب لانفلات الذات المبدعة من قبضة الذات التقليدية، فتصبح تلك الذات المغتربة عن المجتمع بنرجسيتها مالكة للروح، ذاتا متمردة. تعيش الكتابة كما تعيش الحياة. تعانق الوجود بل تصبح فعل وجود حين تتجاوز سلطة المجتمع والأسر التقليدي… تعلو علي السقوف الوطيئة للواقع اليومي الشرس فرحة فرحا عميقا بالتعالي عن صغائر الأمور. تترك وراءها بشاعة العالم. متجاوزة النفوس المريضة. الصغيرة…أغمض عيني وأفتحهما علي عالم جديد بإحساس صوفي. أعيش معه انتشاء وجدانيا وامتلاء تسمو به النفس.حين أستيقظ كل صباح أنظر في المرآة وأمعن النظر في كل تفاصيل وجهي وجسدي.. ليست تلك النظرات سوي جرعات متدفقة تشحنني لأستنشق الحياة والإنسان. فالذات إذا لم تعشق نفسها أولا لن تعشق الآخر. متشبعة بنرجسية مبدعة تحقن الذات بحقن الإبداع والاختلاف…قال بول فاليري: قليلا ما انشغلت عن رؤية ذاتي … الانشغال بالذات والاشتغال علي الذات يصالح الأنا مع نفسها ويمنحها مساحة كافية لتغدو مرآة تعكس صور وموجودات الكون. كان أبو نواس حين يجهر بنرجسيته، يجدد تواصله مع الحياة. أما المتنبي فكان يتغذي علي عشق الذات ورفعتها ليحتضن أناه والآخر ويوغل بها في الوجود.هذا التفاعل اللامحدود بين الأنا وموجودات الكون يشحن طاقة الإبداع ومن بينها الكتابة باعتبارها لونا من الألوان الإبداعية، اللون الذي يشدني أكثر من غيره.الكتابة هي علم متع اللغة. تجعل من اللغة أداة لإعادة الخلق… بول فاليري قال عن الشعر إنه خلق لعبة جديدة من اللغة المعروفة… أما سارتر فيقول: ما الشعر إلا إشعال الحرائق في هشيم اللغة . لنخلص إلي أن الأدب هو اللغة، بل هو ممارسة الحب مع اللغة… مع الكلمات… مع الحروف… حيث تأتيك ذات نشوة توقد فيك كل مشاعل فتنتها.. فرحها… ألقها… تراودك عن نفسك أينما وجدت. الأدب أيضا هو حرية الفكر والتصرف. مشروع وجود. المعني الذي يعطيه المبدع لكل لحظة من وجوده اليومي والتوقف عن ممارسته هو موت أكيد.أحيانا كثيرة يثقب السؤال رؤوسنا.. هل يمكن للكتابة أن تغير العالم؟؟… هل يمكن للمبدع بإنتاجه أن يؤثر في مجري التاريخ؟؟ أسئلة قديمة قدم الأدب لكنها تطرح الآن بحدة وبإلحاح في عالم أصبح فريسة للشكوك واللايقين.تتناسل الأسئلة ويجد المبدع نفسه متشبثا بالإبداع، سلاحه الوحيد لمواجهة العالم ومواجهة العراك السياسي والاجتماعي ومواجهة العدم. فلا خيار لديه سوي التمسك بأداته لتجديد القيم الإنسانية مهما صغرت المساحة التي يحتلها علي خريطة المجتمع.. يراهن المبدع الآن علي إبداعه في التغيير بوصفه أداة نبيلة تتجاوز أدوات السياسي التي تغوص في الوحل.وحين تكون الأنثي مبدعة يصبح الإبداع مرتبطا لديها بقدرتها علي وأد المرأة المقموعة داخلها لتحرر كتابتها وتناهض التصور التقليدي للمجتمع عنها. مرتبطا لديها كذلك بقدرتها علي انتزاع حريتها من واقع ذكوري لاختيار الكتابة مسارا.. فالحرية شرط أساسي لممارسة الإبداع.فمن هي الأنثي إذن؟؟… وماذا نعني بالأنوثة؟تتحدد صورة الأنثي الآن لدي الجنس الآخر بالإطار الذي تقدم به نفسها، فإذا قدمت نفسها أنثي بصفات الأنوثة الطبيعية التي تستكين للظلم والقمع فهي المسؤولة عن وضعها هذا. وإذا قدمت نفسها بكل ما تحمله من رقة الأنوثة، تسخر مواهبها في الحياة باعتبارها كائنا إنسانيا يشارك في العطاء والبناء ويجعل من الأنوثة اختلافا وإضافة وسلاحا للثورة ضد التبخيس والقمع، فتلك صورة أخري تجعل الآخر يعيد النظر في مفاهيمه وتصوراته.. حبا الخالق المرأة بصفات طبيعية جميلة مختلفة بيولوجيا عن الجنس الآخر/ الرجل وهو اختلاف طبيعي مطلوب ومحمود في الحياة.. وليس اختلافا يحسب ضد المرأة، فتعيش بذلك ضد نفسها. هاربة منها.الانسجام مع الذات والإيمان بها هو ما يقوي وضعها الاعتباري ويشحذ إرادتها للتحكم في مصيرها. الإنسان لا يأتي إلي الحياة امرأة ولكن يصنع ليكون امرأة …. أرادت سيمون ديبوفوار بقولها هذا إبعاد صورة الأنثي المقموعة الضعيفة عن فكر المجتمع الذكوري.عاشت الكاتبة حياتها كائنا حرا أولا وأنثي مبدعة. مارست انطلاقها وتحررها فنالت صيتها الأدبي الذي استحقته، حيث عاشت الإبداع كتابة وحياة إلي جانب الوجودي جان بول سارتر وجعلت الإبداع قضية حياتها… نسيت ديبوفوار تأكيدها أن المرأة لكي تمارس إبداعها عليها أن لا تقمع الأنثي المبدعة بداخلها، لأن بصمة الأنثي في الإبداع هي بصمة الاختلاف بين الجنسين.اللغة هي الأداة التي ستمنح المرأة مصالحتها مع ذاتها إن هي اغترفت من معجمها الأنثوي وأصبحت لغة مؤنثة… فإذا انغرست المرأة بوجودها اللغوي بواسطة الكتابة ستبتعد عن المرأة الرجل لتقترب أكثر من المرأة الأنثي وتسترجع بتلك اللغة أنوثتها… تجرأت المرأة إذن علي فحولة اللغة وأعلنت أنوثتها بتأنيثها لخطابها الأدبي، لكي لا تسترجل لتمارس فعل الكتابة… لذا فتأنيث الخطاب الأدبي لا يأتي فقط من تأنيث الذاكرة والرؤية بل من تأنيث لغتها.كيف تعلن اللغة أنوثتها؟اللغة مشتقة من اللغو. يحددها ابن منظور في معجم لسان العرب كالتالي: أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم . أما المعاجم الفرنسية ففي معجم Le Robert مثلا، كلمة Langage مشتقة من Lingria اللاتينية التي تعني الكلام واللسان. وتدل كلمة Logos الإغريقية عن الكلام والفكر والعقل.أما ديكارت فينتهي إلي أنه حيثما يوجد الفكر توجد اللغة. اللغة عموما هي وسيلة للتواصل والمعرفة لا تعكس فقط عادات وتقاليد المجتمع بل تطوره، فالمجتمع بتغيراته وطفراته يحقق وجوده عبر اللغة وينغرس فيها. فالتغيير الذي حدث في الذهنيات والسلوكات والفكر الجماعي لا بد أن يترك بصماته علي اللغة. وتعتبر اللغة هي الفضاء المثالي لسك القيم في الواقع. ما دامت المرأة قد أعادت اعتبارها لوضعها الاجتماعي، فلن يبقي المجتمع جامدا إزاء التأنيث، خصوصا وأن المرأة الآن تعمل في وظائف كثيرة كانت حكرا علي الرجل وأصبح تأنيث أسماء المهن يطرح بشدة في اللغات التي تعرف مجتمعاتها حضورا قويا لعمل المرأة. قطعت اللغة الفرنسية مثلا أشواطا في تأنيث المعجم رغم معارضة بعض الأكاديميين، حيث نجد مثلا Ecrivain-Ecrivaine /Senateur-Senatrice….إلي غير ذلك من المصطلحات التي ترجمت القيم الأنثوية في اللغة… هذا ما نرجوه في اللغة العربية، وجود معجم مؤنث إلي جانب المعجم الفحل الذي يتجسد في الصفات المشتركة مثل عجوز، طالق، عقيم، جموح، حرون، عضو…. إلي غيرها من المصطلحات.اللغة هي الأنا الفاعل في المجتمع، هي بدون شك الترمومتر الذي يقيس مدي تغير الذهنيات والفكر الجماعي.نقف الآن علي تخلف اللغة العربية عن مواكبة التطورات التي تحدث في مجالات الحياة، حيث توقف معجمها عند فترة تاريخية معينة وأضحي عاجزا عن ترجمة العلوم الدقيقة الجديدة، فامتدت الهوة بين اللغة العربية والإنسان الحديث.. فأصبحنا نجد صعوبة في تبني اللغة العربية لترجمة ما استجد من مصطلحات في استهلاكنا اليومي.. طبعا المسؤولية الكبيرة تتحملها الدولة والنخبة في هذا التخلف. العمل علي توفير مراكز للبحث العلمي يطرح بإلحاح كما أكد ذلك اللساني المغربي الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري لتسهيل إنتاج مجامع للغة العربية تساهم في تطويع اللغة وتجديد قواعدها ومختلف أدواتها… وما أحوجنا الآن لمشروع جاد تتبناه النخبة بتأطير من مؤسسات الدولة لإعادة الاعتبار للغة العربية من خلال الاجتهاد في تجديدها أكاديميا.اقتحمت المرأة مجالا تتطلب ممارسته تحررا، جرأة وشجاعة وهو الكتابة التي أداتها اللغة، فتأنيث اللغة يستدعي تأنيثا في المعاجم من أجل مواكبة التطور الحاصل في نسق القيم الاجتماعي.. وترجمة ثورة القيم الأنثوية التي تساهم إلي جانب القيم الذكورية في بناء نسق قيم إنساني جديد.. يواكب تطور الإنسانية. اللغة تحيا. تتطور. فهي كائن من لحم ودم… امرأة فاتنة تقطر أنوثة وسحرا إيروتيكيا… الكاتب عموما يحضر في لغته التي تترجم فكره. أحاسيسه. انفعالاته. عصبيته المزاجية. ثورته. انكساراته. خيالاته. الكاتب يحلق بلغته ليصل إلي المناطق الملتهبة من الحياة.فاللغة إذن هي الأسلوب. البصمة التي تميزه عن غيره. المرأة الكاتبة إن هي اغترفت من معجمها الأنثوي في اللغة فتلك بصمتها في الكتابة.هذا الاجتهاد سيحقق بالتأكيد ثورة في اللغة. الأداة الوحيدة التي يعطف نحوها المبدع ليستروح عن نفسه… فمن غيرها يسقي زهرة الروح؟؟… ويحيي أغنية الأمل؟؟… لهذا نجد اللغة تصر وتعلن: سأكون أنثي.المحمدية 31 كانون الاول/ ديسمبر 2006ہ كاتبة من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية