عمان ـ لندن- “القدس العربي”:
يعلم كبار المسؤولين الأردنيين فقط ما الذي يعنيه تقدم جنرال أمريكي متقاعد بصفة مذيع استضاف الملك عبد الله الثاني بسؤال له علاقة بتقييم العلاقات الأمريكية الإماراتية.
بدا السؤال غريبا للغاية فالجنرال المذيع يستفسر من أحد أهم أصدقاء الإمارات بصورة توحي ضمنيا بوجود أزمة في محور أبو ظبي – واشنطن.
الجواب الملكي الأردني على السؤال مفعم بالإشارات أيضا ولم يكن بهيئة جواب دبلوماسي يحاول الإفلات من إجابة مباشرة على سؤال ملغوم.
قال ملك الأردن بأن الإمارات دولة أمضت عقودا وهي إلى جانب الولايات المتحدة وهي دولة غنية لها استثمارات في العالم، داعيا إلى تجنب وضع العلاقة معها في إطار معين وقائلا بأنه من المهم فهم العلاقات بين البلدين.
الجواب الملكي الأردني على السؤال مفعم بالإشارات ولم يكن بهيئة جواب دبلوماسي يحاول الإفلات من إجابة مباشرة على سؤال ملغوم.
تفكيك ألغاز السؤال والجواب يؤشر ضمنا على إدراك الأردن على الأقل أن الأزمة عميقة بين طاقم الإدارة الأمريكية الحالي وأداء دولة مثل الإمارات، فالإشارة إلى استثمارات أبو ظبي العالمية تحاول لفت نظر الأمريكيين وحسب شروحات تقدم بها لـ”القدس العربي” دبلوماسي غربي مطلع إلى أن مسألة التعاون مع الروبل الروسي إماراتيا ومساعدة كبار رؤوس الأموال الروس هي مسألة مصلحة بالمقام الأول.
والإشارة أيضا إلى أن الإمارات أمضت عقودا إلى جانب الولايات المتحدة محاولة من الحليف الأردني للتذكير بضرورة وجود هامش أحيانا لبعض الدول.
لكن بكل حال ما كشف عنه السؤال والجواب هو أن الأزمة فيما يبدو عميقة لأن المصادر المطلعة تشير إلى أن واحدة من أهم ملاحظات لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأمريكي على الأردن هي تلك المرتبطة برغبة واشنطن بأن ترى أبو ظبي في قضايا المنطقة خلف عمان وليس العكس.
انزعج الأمريكيون بشدة من المساعدات اللوجستية والتسهيلات التي يقدمها الإماراتيون لمجموعة نافذة من المستثمرين الروس بعد العقوبات على موسكو.
ويزعجهم أيضا ظهور مؤشرات على أبو ظبي أحيانا تحجب المعلومات عن البيت الأبيض خصوصا بعد الزيارة المثيرة التي قام بها لطهران الشيخ طحنون بن زايد قبل أسابيع، وليس من قبيل المبالغة القول بأن واشنطن لا تبدو راضية بالكامل عن التسارع الكبير في علاقات أبو ظبي مع اليمين الإسرائيلي بدون ترتيبات معها.
وقد سمع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي على الأرجح انطباعات في الخارجية الأمريكية بهذا المعنى.
الأهم سياسيا أن عمان ولأسباب مفهومة سعت لترطيب الأجواء وتقديم بعض الشروحات في الجواب الملكي على سؤال الجنرال المذيع.
لكن بين نخبة عمان من يعتقد ويتصور اليوم بأن بعض الأدوار في المعادلة الفلسطينية تحديدا وأيضا في المعادلة العراقية وكذلك في اللبنانية يريدها الأمريكيون للأردن وليس لأبوظبي، الأمر الذي يشكل ملاحظة مستمرة تصل إلى عمان فيما الأردنيون خلف الستارة يحاولون القفز بين مساحات الألغام لتأمين مصالحهم وسط القلق من تأطير وتنميط علاقاتهم من أبو ظبي في نطاق التبعية بنفس الوقت وليس على أساس منطق الشراكة.
طبعا يمكن للمراقب الحصيف فقط أن يلتقط مثل هذه الإشارة في ثاني أهم تصريح تضمنته مقابلة الملك عبد الله الثاني، فمحاولة تهدئة الأمور لا بل إصلاحها بين واشنطن وأبو ظبي ترافقت مع ما يمكن وصفه بأول أبرز إشارة ملكية علنية لاعتراض الأردن وتحفظه على منطوق السلام الإبراهيمي الذي قادته عمليا الحليفة والشريكة والصديقة أبو ظبي، لا بل تتصدره مجازفة بالمصالح الحيوية الأردنية.
هنا برز التحفظ الملكي الأردني في مسألة تطبيع العلاقات للدول العربية مع الإسرائيليين قائلا بأن من يخطو خطوتين للأمام يخطو مثلهما للخلف ما لم تحل القضية الفلسطينية.
هنا جملة أردنية نقدية مباشرة لسلسلة الإبراهيميات ما كان لأبو ظبي أن تستوعبها وتستفيد منها طوال الوقت لولا أن القيادة الأردنية تحاول تخفيف حدة الخلاف بين واشنطن وأبو ظبي.
وهو بكل حال خلاف ما كان يمكن أن يظهر أصلا أو يصبح عرضة للنقاش العام لولا لعبة السؤال والجواب مع المذيع الأمريكي الجنرال.