نقّاد وشعراء طرحوا السؤال وفكّروا في تبعات الهجرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي:
الدارالبيضاء ـ ‘القدس العربي’ ـ من عبد اللطيف الوراري: في خضمّ التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، من طفرات حاصلة في تقنيّات الاتصال، وأزمات إقتصادية تصيب البنيات المجتمعية بالخلل، وديناميات سياسية تطرح سؤال التعاقد الاجتماعي، يعود إلى الواجهة سؤال: دور الأدب وفعاليته وتفاعلاته، وسؤال الأجناس الأدبية ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن صرنا نرى الأدباء، ولاسيّما من الشباب والأجيال الجديدة، يهاجرون إلى مواقع التواصل الاجتماعي مُيمّمين إبداعهم ـ بحقّ أو دونه ـ شطر الشبكة العنكبوتية التي فتحت لهم مجالاً خصباُ ورحيماً يحتضنهم ويبرز طاقاتهم ورؤاهم وحساسيّاتهم؛ وهو ما كرّس ما يُعرف اليوم بالأدب الرقمي أو الإلكتروني. سؤال الأدب الرقمي ووسائطه: طُرحت تلك الأسئلة في الندوة التي انعقدت بمناسبة الدورة الثامنة عشر للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء 2012م، حيث تحلّق حولها نقّاد وشعراء مهتمّون بالأدب الرقمي وضعوا نصب أعينهم مفهومه وطبيعته ووظائفه وأنواعه، بقدرما فكّروا في تبعات هجرته إلى مواقع التواصل الاجتماعي ( فيس بوك، تويتر، مدوّنات شخصية، منتديات..). وكان الناقد سعيد يقطين أوّل المتدخّلين بورقة في ‘الأدب وإشكالية التواصل’، فمهّد لمداخلته بالقول إنّ الأدب باعتباره إنتاجاً يتكيّف مع مختلف الوسائط التي أنتجها أو ينتجها الإنسان، وهو ‘ما يُمكّننا من أن نقدّم رؤية جديدة لتطوُّر الأدب العربي بحسب الوسائط التي استعملها عبر مراحله المتنوِّعة (الشفاهية، الكتابية، الطباعية، الرقمية)’، بما في ذلك إعادة كتابة مدوَّنة السرد العربي وفق هذه الوسائط ودورها في الإنتاج والتلقّي. ولفت صاحب ‘من النص إلى النص المترابط: من أجل نظرية للإبداع التفاعلي’ إلى أنّ كُلّ وسيطٍ له خصوصياته وإكراهاته التي يفرضها على المبدع، كما يُنشئ نوعاً معيّناً من الإنتاج والتلقّي الذي يتفاعل مع الأدب، وبالتالي يلعب دوراً كبيراً في تكوُّن الأنواع الأدبية الجديدة؛ فـ’تاريخ الأدب هو تاريخ الأنواع الأدبية في علاقتها بالوسائط التي يستخدمها’، مستشهداً باستحالة وجود فنّ المقامة في القرن الواحد والعشرين، وبالمقابل تُمثّل الرسوم المتحرّكة نوعاً جديداً في علاقته بالتلفزيون. وأشار يقطين إلى غياب تنظيرٍ مُوازٍ لما يعرفه الأدب الرقمي ـ أو الرِّقامي بتعبيره ـ من نموّ وانتشار، ورأى أن نظريّةً في جمالية التلقي يمكن أن تُحدِّد لنا ملامح المتلقي الجديد الذي انتقل من صفة القارئ إلى صفة الزائر. وبخصوص الوسائط الجديدة التي يتحقّق فيها البعد الرقمي، فقد أجملها في المدوّنات والمنتديات والمواقع الشخصية، ثمّ باقي مواقع التواصل الاجتماعي، ورأى أنّ من أهمّ ميزاتها، عدا تحصيل المعلومة، هو في تجاوب الأدباء الشباب معها وانخراطهم فيها بحماسة، في مقابل لم يستطع الشيوخ منهم ممّن راكموا خبرة كتابيّة أن يُجاروها، فانصرفوا أو دخلوها متأخّرين، وقال: ‘وجد الشباب في هذه الوسائط فرصة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة: تحقيق الذات، والترويج، ثُمّ التعويض عن عدم حصوله أو امتلاكه للمنابر التقليدية (الجرائد، المجلّات والملاحق الثقافية) التي لم تعد لها مصداقيّة’. وألحّ سعيد يقطين، في ختام مداخلته التي حبست أنفاس المتتبّعين بالقاعة، على وجوب الاهتمام بالظاهرة تربويّاً وأكاديميّاً، واستثمار هذه الوسائط الجديدة والاستفادة منها وعدم تركها لرجال المال، مما يُمكّن الجيل الجديد من الأدباء من أن ينفتح على العالم، وأن يُلمّ باللغات والثقافات والآداب العالمية وينخرط فيها، وأن يكون له تكوينٌ تُراثيّ رفيع، حتّى يستطيع أن يعيد قراءة أدبنا الحديث، وينتج أدباً يساهم في خلق تجربةٍ جديدة، رابطاً الجسور بين الورقي والرقمي بسلاسة، داخل المرحلة الوسائطية. من جهتها أشارت الروائية والناقدة الأدبية زهور كرام إلى أن مفهوم ‘الهجرة’، هنا، مثير ومُغْرٍ، ويطرح حالة جديدة من التفكير والتأمُّل في الوسائط الحديثة، مع ما يصاحب ذلك من مغامرة، لأنّ مؤسسة الأدب التقليدية ما تزال تشتغل بقوّة في غياب المفاهيم الجديدة أو عدم وضوحها، وهو ما يخلق اصطداماً بين المفاهيم القديمة وهذه المفاهيم المتولّدة من رحم الوسائط الجديدة؛ وقالت: ‘إنّنا نعمل بدون سندٍ نظريٍّ، ولم نُراكم النتظير بخصوص الوسائط الجديدة، وبالتالي فإيقاع تعاملها معها أبطأ من سرعة تطوُّر هذه الوسائط نفسها’. وهكذا، ألحّت على وجوب التفكير في طبيعة الأدب اليوم وعلاقته بالوسائط الجديدة التي لا تعني أنّه قطع مع ما سبقها، مثلما التفكير في الوظائف التي أصبحت للأدب الإلكتروني الذي يتطوّر وينتشر ويروّج الأفكار بشكل بالغ الأهمية، حتّى أنّ الكاتب عندما ينشر إلكترونيّاً فهو يُقْرأ بطريقة متفاعلة تساعده على تطوير إنتاجه وشكل كتابته ومعرفة صدى أفكاره لدى الزائر وفق إيقاع سريع للغاية. وعن سؤال: ماذا يمكن أن يستفيد الورقي من الوسائط الجديدة؟ أشارت صاحبة ‘الأدب الرقمي أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية’ إلى أنّ الوسائط المعلوماتية أفادت الأدب بشكل كبير، إذ تساعد في تجاوز صعوبة توزيع الكتب الورقية ونقلها إلى أبعد مدى، وهو ما يُحقّق وقعاً إيجابيّاً مزدوجاً، إذ إنّه ‘يولد الأمل لدى الكاتب وينمي رغبته في الإبداع’ ويسهم في ‘الحد من أزمة القراءة’ علاوة على خدمته لهدف التواصل الحضاري بين الشرق والغرب. وأنهت مداخلتها بأنّ الأدب الرقمي واقعة علمية وجمالية تدعونا إلى تأمّلها وتدبير فهمنا لها، بقدرما تدعونا للتفكير في التحوُّل الذي تُحدثه الوسائط الجديدة على مستوى المفاهيم ودلالاتها، سواء تعلّق الأمر بالكاتب والكتابة، والقارئ والقراءة، وهويّة الأدب ووضعيّة اللغة.
فيس بوك، تسكُّع وخلود رمزي:
وأمّا الشاعر التونسي صلاح بن عياد فقد تحدّث عن ‘الحيطان الفيسبوكيّة بوصفها محملاً من محامل الأدب’، قائلاً إنّ مفهوم الكتابة لا يكفّ عن التغيّر شكلاً ومعنى، وإنّ هناك تغيُّراً يطال معالم الكتابة ابتداء من أدواتها وصولاً إلى عمقها، بحيث نستطيع أن نلمح انقراضاً شبه كلّي للشكل الكلاسيكي للكتابة اليدوية بواسطة قلم على محمل ورقيّ لتتضح معالم أخرى لكتابة باتت تعرّف بـ’الكتابة الرّقميّة’. فبعد التدوين، مثّل الفيس بوك واجهة زجاجية لعرض الإبداع الأدبي خاصة من طرف ما نصطلح عليه ب’المبدع الشاب’، فيها ينشر ويطلع ويتطلّع ويناقش ويناقش، ممّا خلق حركيّة ربّما ستتعارض مع إعلانات محبطة لموت الأدب بأنواعه التي لا نكفّ عن ترديدها. على الفيس بوك، وبلا إيداع قانونيّ، يرمي المبدع بمنتجه ليشفع على الفور بالتعاليق والتفاعلات، ممّا قد يؤثّر على المادّة المكتوبة وحتى كاتبها. أمّا إمكانية أن نرفق ما نكتب بصورة أو فيديو أو مقطوعة موسيقية نخالها في صالح النص أو نصّاً على نصّنا لم نخيّر إيراده أو هو من قبيل الاستعارة التي ستزيد منتجنا تأثيراً وتميّزاً قائماً على مصاحبة السمعي للبصري والمكتوب، وها هنا تتسع الكتابة الأدبيّة لتتزاوج مع الفنون الأخرى بعيداً عن كلّ ناقد محبط.
وعن سؤال: هل من الممكن أن نسلّم بأن أدباً ما بصدد التشكّل أو تشكّلت ملامح له على حيطان ‘الفيس بوك’؟ لفت صلاح بن عياد إلى هذا الموقع الاجتماعي أصبح جامعاً لكلّ الشرائح البشريّة على اختلافاتها، بمن في ذلك الكتاب والشعراء وغيرهم من ممارسي مهنة الكتابة، الذين لم يتأخّروا عن استغلاله كقناة مفتوحة تجمعهم بقرّاء وكتّاب آخرين، ولاسيما بعد الثقة التي تكوّنت لدى كثيرين على إثر قيادة ‘الفيس بوك’ لما يسمى بـ’ربيع الوطن العربي’. وأضاف ‘تعتبر صفحة الكاتب على الفيس بوك صفحة عملية إذ تلعب دوراً دعائيّاً بلا نظير لمنتوجه، ففيها يتاح له الالتقاء بلا صعوبة تذكر بقراء وكتاب وناشرين. فعلى الفيس بوك يصبح الكاتب أكثر حضوراً ونشاطاً مما هو عليه في مواقع اجتماعية أخرى عبر سرعة الالتقاء؛ وعليه يلمس حميمية وجدوى أكبر، بل ومساحة أكبر لاحتواء هزّاته وهذياناته. ففيه يمكن أن يمارس ما يشبه كتابة السيرة اليومية، وأن يورد مختلف مواقفه في جمل قصيرة متقطعة لا تملك رابطاً حقيقيّاً بينها وبين التي تلحقها أو تسبقها، وهو ما اصطلح عليه بـ’أدب البروفايل’. وعبر مفهوم مركزي هو ‘الستاتو statut ‘، ناقش بن عياد وضعيّة وسيط الفيس بوك وشعبه المتناحر، مشيراً إلى أنّ كلمة ‘ستاتو’ في الفيس بوك تتّخذ معاني متغيّرة أحياناً لمرّات عديدة وفق تغير تلك الجملة شكلاً ومضموناً، إذ هي الركن الذي يتيح للكتّاب أن يصبّوا جمّ أفكارهم و’قلعاتهم’ وممارساتهم المباغتة من أجل جني أكثر ما يمكن من ‘أحب’ و’لايكات’، إذ هي تعبيرات متنوعة عن القراءة المتبوعة بردّ فعل فوريّ إيجابيّ وتعليقات تُمثّل اعترافاً حميماً ببراعة الكاتب أو ذاك. وإذن، لم يعد الكاتب لينتظر ردود فعل في الصّحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية إن تسنّت له ردود الفعل تلك عمّا يكتبه وينتجه. لذلك سنجد كُتّاباً يقيمون رسميّاً في صفحتهم على ‘الفيس بوك’ وكأنما يقيمون في دار ترفيه على السّاحل. على صفحته يمكن له أن يقوم بإشهار مجانيّ لكتبه وأن يتقبّل التهاني من مخلوقات افتراضيّة تشترك في كسر الامتداد الجغرافيّ. وأضاف: ‘إذا ما جلنا في ‘حيطان’ الكتّاب والشعراء قارئين تلك ‘الستاتيوات’ ، فإننا حتما نحصل على ملامح ما قد تؤسس أو هي أسست فعلاً لنوع جديد من الأدب الخاضع لقوانين وشروط تحكمها طبيعة الكتابة في موقع مثل موقع ‘الفيس بوك’، وطبيعة القارئ الذي هو دائما على عجل تتجاذبه صور وفيديوهات ومعطيات أخرى غير الأدب كالسياسة والمجتمع، ولا ننسى علاقاته الخاصة مع قائمة من أصدقائه’. ويلاحظ أنّ أكثر ‘الستاتوات’ تتميزّ بنفس ساخر ولا جديّ أحياناً، وكأنّ الغالبية مقتنعة بغياب الجدية على هذا الموقع، أو أن الإضحاك والجرأة التي يقلّ نظيرها ما سوف يشكّلان أحد السمات الرئيسيّة لـ’أدب البروفايل’. ومن ناحية أخرى، تُمثّل ‘الإيروتيكا’ الجانب الذي لا يقلّ أهمية عن سمة الإضحاك، في شبه ثورة على التحفّظ الغريب الذي يميّز المجتمعات العربية.
وفي أثناء مداخلته، أشار الشاعر التونسي إلى أنّ المغاربيّين فيسبوكيُّون وعلاقتهم بـ’تويتر’ ضعيفة، مثلما أشاد بالوسائط المعلوماتية للأدب ولاسيما بالفيس بوك الذي أبرز مواهب بلاده التي عانت من الإقصاء في غياب النشر الورقي وساهم في تحرير الشأن الثقافي من سيطرة ‘النظام الاستبدادي السابق’ بقدرما دحض الصورة التي كان تروج عن مرتاديه من كونهم مجرّد ‘شباب طائش، لا همّ لهم ولا شغل’. ونبّه الكاتب والباحث السوسيولوجي أحمد شراك الحاضرين إلى ضرورة توخي الحذر في استعمال المفاهيم والمصطلحات، وعنون مداخلته بـ’الكاتب المتسكّع’، الذي عنى به ـ بعد تطويعه سوسيولوجيّاً ـ ذلك الذي يتجول عبر الأزمنة والمدارات والأمكنة باحثاً له عن بيت ومأوى، شأنه شأن المتلقي، كلٌّ بطريقته الخاصة. فالتسكع ـ بعيداً عن أن يحمل معانيَ قدحية ـ يحيل على دلالة إبستيمولوجية مغايرة، وهو ليس الهجرة التي تتمّ داخل إبستيمولوجيا الكتابة (مثل هجرة الأدب المغربي إلى الفرنسية). وكيف كان الوسيط الذي يستعمله، يبقى الكاتب كاتباً، سواء تعامل مع الورق، أو مع الأنترنيت، أو مع أي وسيط آخر، فالمهمّ عنده هو المأوي الذي يضمن له مجداً ولو كان وهميّاً، أو يرغب من وراء هذا المأوى في تحقيق خلودٍ رمزيّ، وهو بالتالي لا يفقد إلّا شقاءه. ورأى صاحب ‘فسحة المثقف’ و’الكتابة على الجدران المدرسية: مقدمات في سوسيولوجيا الشباب والهامش والمنع والكتابة’ أنّ الحديث عن وسائط مختلفة إنّما يدخل في إطار ‘التطوُّر المنفصل’، سواء بالنسبة للورقية أو الإلكترونية، ومثّل بذلك أن صفحات الفيس بوك، أثناء اندلاع الثورة التونسية وما تلاها من ثوراتٍ في مصر وسواها، لم تُلْغِ المنشور أو الخربشات على الجدران (الغرافيتي): من الحائط الإسمنتي إلى الحائط الافتراضي. وهو رأي الناقد محمد الداهي نفسه، عندما رأى أننا نعيش مرحلة انتقالية من الورقي إلى الإلكتروني، دون أن يكون هناك قطْعٌ بينهما. فالإلكتروني ضمن لنا قارئاً فاعلاً من خلال تفاعله المباشر والآني مع ما يُكتب ويُنشر، ممثّلاً بذلك على موقع (أمازون) الذي يُساهم في ترويج الكتب الورقية، كما كشف لنا كوكبةً من الأدباء الشباب الذين تحوّلوا من كائناتٍ إلكترونية إلى حقيقيّة. وأرجع الداهي هجرة الادب إلى مواقع التواصل الالكتروني إلى دكتاتورية النشر الورقي الذي ليست لدوره أيّ سياسة استراتيجية تستثمر المجال الثقافي وتدعم الكتّاب الجدد داخله، ووجد أنّ للنشر الإلكتروني إيجابيّاتٍ لا تخفى بفضل ما تتيحه المدوّنات والمنتديات والمواقع الاجتماعية من إمكاناتٍ هائلة، بحيث أصبح النشر متاحاً وسريعاً وبدون رقابة، وصار النص الرقمي بطبيعته متحوّلاً وقابلاً للتعديل والحذف والإضافة بحسب أهواء المتلقين، وهو ما مكّن من دمقرطة الثقافة. ووقف الداهي، في ختام مداخلته، على أهمّ السلبيّات المشينة التي يفرضها واقع النشر الإلكتروني، من قبل الاعتداء على الحقوق المادية للمؤلفين (القرصنة، التزوير..)، والاعتداء المعنوي للكتاب بعد ذكر أسمائهم مع نصوصهم الأصلية، وتصوير الكتب بصورة مشوّهة، ومعاناة اللغة العربية وتعرُّضها لانتهاكات جسيمة (أخطاء لغوية، كتابة الحروف لاتينيّاً..). مستقبل الأدب في ظل الثورة الرقمية:
في حين ركّز الكاتب والمترجم محمد أسليم في مداخلته على ‘مستقبل الأدب في ظل الثورة الرقمية’، ومهّد لها بالقول إن المجتمعات البشرية قاطبة تعيش اليوم فترة تحول عميقة جدّاً لا يسلم منها أي قطاع من قطاعات الحياة المادية في بعديها الطبيعي والاصطناعي (أو الرمزي)، وبالمثل لا ينجو منها أي صعيد من أصعدة الفكر والعلم والثقافة. ولقد أفرزت الثورة الرقمية ثقافتها ممتثلة في الثقافة الرقمية التي تشكل الثقافة سوى أحد مكونات سبع لا يمكن الحديث عن أي منها بمعزل عن الآخر، وهي: التكنولوجيا، والثقافة، والمجتمع، والاقتصاد، والقانون، والجيوسياسة. وفي سياق ذلك، يعيش الأدب اليوم حصاراً رُباعيّاً قد يؤشر على نهايته، أو يؤشر على الأقل على دخوله مرحلة قطيعة على غرار ما يجري في العلم عندما يشهد ثورة كبرى تُنعتُ عادة بـ’إبدال جديد’. هذا الحصار تمارسه أداة الإنتاج، والنهاية الوشيكة للورق، واحتمالان آخران، هما: نهاية الكتابة ونهاية الإنسان الحالي نفسه على إثر ترقيته أو تحسينه أو الزيادة فيه في غضون العقود المقبلة. وانطلق محمد أسليم من أطروحة مركزية تتمثّل في أنَّ الأدب على نحو ما نعرفه اليوم، ووصلنا منذ قرون، سواء من حيث تمثله أو القيمة التي يحظى بها أو إنتاجه وتداوله، إنما هو حصيلة تراكم يدخل اليومَ في طور قطيعة جراء الاختلاف الجوهري بين سائر الأدوات التي تمَّ بها حفظه ونقله وتداوله منذ ظهوره إلى اليوم والأداة الجديدة المتمثلة في جهاز الحاسوب. ورأى أنّ من الصعب حصر كافة وجوه الثورة التي أحدثتها المطبعة، لأنها ساهمت، وبشكل حاسم، في تشكيل العالم الذي نعيش اليوم، من ثورتين صناعيتين أولى وثانية، وتوسعات استعمارية، وجر شعوب العالم قاطبة إلى الزمن الحديث. فالعولمة التي تطرق اليومَ أبواب سائر بقاع المعمور، الخ.
، على غرار ما تساهم، وبشكل حاسم أيضاً، الثورة الرقمية في تشكيل العالم الذي نحن بصدد الدخول إليه. فمع الثورة الرقمية ستشهد المؤسسة الأدبية اهتزازاً عميقاً يُشبه زلزالا؛ فمن جهة، عبر أداة الحاسوب، تواصلتْ بأعداد هائلة وبإيقاع خيالي عملية الإنتاج الكثيف للنصوص والأعمال المكتوبة التي كانت قد انطلقت مع اختراع المطبعة، حيثُ بات بإمكان العمل الأدبي أن يخترق الحدود المادية والزمانية وإكراهات السحب، فيُستنسخ في الأرجاء الأربعة للكوكب على مدار الساعة. وما يميز الحاسوب عن جميع الوسائط السابقة كونه جهاز يؤدي وظائف خمس في آن واحد، هي: الكتابة والقراءة والتخزين والبث والاستقبال. ومع شبكة الأنترنت، تشهد اليوم المكتبات الورقية هجرة ضخمة إلى الرفوف الافتراضية، ما أفضى إلى تشييد معالم هامة من الموارد الفكرية والأدبية إما للتسويق، كما في حالة خزانة قوقل، أو للعرض بغاية التصفح والتنزيل المجانيين. من أشهر المشاريع في المجالات الأنجليزية والعربية والفرنسية وحدها: مشروع جتنبرغ، ومكتبة غاليكا، وقاعدة بيانات فرانتيكست، والموسوعة الشاملة، والموسوعة العالمية للشعر العربي، ومكتبة الإسكندرية، وموقع اتحاد كتاب العرب، وموقع المصطفى، ومواقع رفع الملفات التي تحوي عشرات آلاف الكتب العربية التي يقوم أفراد مجهولون بمسحها ضوئيا ووضعها رهن إشارة التنزيل المجاني. لكن من جهة أخرى، ثمة ما يُشبه عودة إلى مرحلة ما قبل مأسسة الأدب، أو بالأحرى، ثمة عملية تفكيك للمؤسسة الأدبية وعودة إلى أزمنة المشافهة الأولى، حيث لم يعد بإمكان من يكتبُ أدباً حقيقيّاً كان أم مزعوماً في حاجة إلى الحصول على تأشيرة أي سلطة أو وسيط للمرور إلى القارئ عدى وساطة جهاز حاسوب متصل بشبكة الأنترنت، وهو متطلب يتيسر الوصول إليه يوما بعد يوم بفعل التطور الحاصل في مجال تصنيع الحواسيب والتشبيك الذي تخضع له كافة أقطار المعمور اليوم في سياق العولمة واقتصاد السوق.
ويعود محمد أسليم إلى سنة 2004م التي تُشكّل ـ في نظره ـ نقطة حاسمة في هذا التحول. فقبل هذا التاريخ كان السبيل الوحيد للوصول إلى الشبكة هو بناء موقع شخصي، إما عبر اقتناء اسم نطاق وكراء مساحة مؤدى عنهما أو عبر الاستفادة من الخدمة المجانية التي تقدمها مجموعة من الشركات متمثلة في منح المستخدمين مساحة واسم نطاق فرعيين، وفي الحالتين معاً لم يكن في متناول أي كان أن يقوم بهذا البناء ما لم يتوفر على حد أدنى من إحدى لغات تصميم المواقع. لكن في السنة المذكورة، ظهر ما يُسمى ب: المدونات، والمنتديات، واليوتوب، ومواقع التواصل الاجتماعي. وبذلك صارت أداة الإنتاج في متناول الجميع، ما أزال علميّاً عن الأدب هالته؛ فصار الأدب إنتاجا لحظيّاً استهلاكيّاً، واختفت الحواجز بين الكاتب والقارئ، إذ بإمكان الجميع أن يكتب نصوصاً أدبية ويُدرجها في الجنس الذي يشاء دون استئذان أحد، مثلما اختفت القيم الجمالية الكبرى المشتركة لفائدة قيم جماعات صغيرة، يُسميها البعضُ بالقبلية الجديدة. واستطراداً على ذلك، يرى أسليم أنّ هناك سيراً حثيثاً نحو نهاية الكتاب الورقي، وأنّ الرقمية قد حرّرت الكتابة من الحامل المادي، فصار النص المكتوب بمثابة سائل قابل للسكب في أي وعاء: يمكن التدخل في إعدادات صفحاته الأصلية، كما يمكن تكبير حروفه أو تصغيرها، إعادة ضم فصول أو فقرات منه إلى نصوص أخرى إلى ما لا نهاية في نسق يذكر بلعبة الشطرنج. ويتجلى هذا بشكل أكبر في المواقع التي تتوفر على قواعد بيانات وتخزن عددا هائلا من الكتب، حيث لا يتأتى عموما للقارئ غير النبيه مَوْضَعَة هذه الفقرة أو تلك، هذا الفصل أو ذاك في سياقه الأصلي الذي قد يكون كتابا، بل وحتى مصنفا يتألف من عدة مجلدات. بهذا المعنى تكون النصية الإلكترونية بصدد إنهاء الكتاب باعتباره سندا لنص واحد مكتمل ومتكامل. ومن ثمّة، فإنّ هناك من يتوقع نهاية الكتابة نفسها اعتباراً للتطورات الحاصلة في صناعة بعض البرمجيات، إذا ما لم نحتسب التجارب الجارية منذ بضعة أعوام لإدراج مجموعة من الوسائط في جسد الإنسان. وقد يكون أهمّ ما في هذا التوقع، من زاوية اهتمامنا، هو الآثارُ التي ستترتب عن الكتابة الأدبية. إذا أمكن للجميع أن يكتب نصوصاً على نحو ما صار عليه الأمر منذ إطلاق شبكة الأنترنت، فإنَّ متعلقات الأدب قد تختفي، ما سيكون له أثرٌ بليغ على اللغة نفسها التي ستشهد تحوُّلا ًجذريّاً: فالنحو والتفسير والبلاغة والنقد وسائر علوم التأويل هي مدينة بنشأتها لوجود نصوص مكتوبة ثابتة، فماذا سيحصل عندما ستختفي هذه النصوص؟ غير أنّ ذلك لا يعني ـ كما يذهب أسليم نفسه ـ أنَّ الأدب سينتهي غداً؛ فسوف نقرأ لحقبة قد تطول، لكن إذا صعب التكهن بما سيكون عليه الأدب إن كان سيبقى هناك أدب، فالأكيد أننا في غضون عقد على الأكثر سوف لن نقرأ ما نقرأ اليوم، ولن نكتبَ ما نكتب اليوم. ثمة من يرى أن المستقبل سيكون لهذا الأدب الناشئ الذي يُسمى بالأدب الرقمي، والذي لازال اليوم حبيس الجامعات ونخبة صغيرة من النقاد والمبدعين.