يبدو أن الدرس التاريخي يظل أكثر حاجة للمنهج، وللقراءات المُعمَّقة، ليس باتجاه التأطير والتوصيف، بل باتجاه توسيع استعمالات المعرفة، وباتجاه تقريب ذلك الدرس من الهمِّ الفلسفي، فضلا عن تحريره من التهويمات التي جعلت من التاريخ صناعة مرعبة، أو مُضلِلة، وهذا ما دفع الكثيرون لالتماس الإجابة من المستشرقين، لاسيما الاستشراق المدرسي، أو الاستشراق التبشيري، أو من كتب السيرة، أو من بعض المرجعيات الفقهية، أو من بعض مرجعيات علم الكلام، أو علم الحديث، أو علم الرجال.
استعادة الحديث عن محمد أركون تعني استعادة الممارسة النقدية التي تحفر في التاريخ، في نقد الفكر التاريخي، بوصف هذه الاستعادة تتجاوز ما هو كورنولوجي الى ما يجعلها ممارسة في المراجعة النقدية، وفي علموية هذه المراجعة، التي تستند إلى جملةٍ من المفاهيم والمصطلحات والمقاربات، رغم أن دراساته واشتغالاته ليست بعيدة في جوهرها عن ذلك الدرس، ولا عن تصوراته الأساسية، التي وضعها حول مجالات متعددة تُعنى بموضوع التاريخ ونقده، أو الفكر الإسلامي، أو ما يتعلق بالنصوص التأسيسية، لكن تبقى خصوصية الاستعادة تحمل جدواها، عبر إبراز فاعلية النقد بالمعرفة، وبالاجتماع والتأويل، وبكلّ ما يعكس اختلاف اشتغالات أركون المنهجية، ومستوى نظره الفكري والمفهومي لتلك المعطيات، وللكثير من العاملين في هذا المجال.
اهتمام أركون بحفريات التاريخ قد تكون الميزة الأساسية في عمله، وفي تأصيل منهجه الذي أراد منه معرفة هذا التاريخ، والتفكير فيه، ونقده، بحثا عن طبائع مشكلاته العميقة، بما فيها المشكلات التي تتعلق بالنص والسلطة والمقدّس والجسد واللغة والهوية وغيرها، فضلا عن التعرّف عن تعالق هذه المشكلات مع الطابع الصراعي، الذي استغرق أحداثه وأصوله وجماعاته وتراثه الشفوي.
معرفة التاريخ بالنسبة لأركون تعني معرفة أنساقه المضمرة، والبحث في خفايا منظومته وتمثلاتها، على مستوى قراءاته القرآنية، بوصفه نصا تأسيسيا من جانب، أو على مستوى علاقة ذلك بالحديث والتاريخ والفقه والسلطة من جانب آخر، وفاعلية النقد والمراجعة تنطلق من الطبيعة المعرفية لهذا النقد ولجهازه المفاهيمي، ولتقاناته الحفرية، وتعاطيه مع ما يُثار من الأسئلة أولا، ومن المعرفة ثانيا، ومن مناقشة الآراء الخلافية التي تخص ما أفرزه الاستشراق أو المدارس الأصولية من مراجعات ثالثا. هذه المعرفة افترضت إجراءات نقدية ومنهجية، وجد أركون في المنهج الحفري مدخلا للمداخلة المعرفية معها، وللتعرّف على علاقتها باللغة، وبالمستوى السيميائي للغة، بوصف هذا التعرّف مجالا للكشف عن البنى العميقة في ذلك التــــاريخ، وعن الأنظــــمة الحاكمة فيـــه، بما فيها الأنظمة السيميائية واللسانية، التي وضعها أركون في سياق القراءة الإشكالية للتاريخ، ولعلاقة هذه القراءة بالمنهج.
التاريخ وأزمة القراءة
وسط صعود الأصوليات الإسلاموية، وأنموذجها الشعبوي، بات البحث عن المنهج أساسيا في تأصيل قيمة القراءة، وفي إخراجها من أزمتها، ولتيسير قبولها بالنقد بوصفه مجالا معرفيا، وممارسة لتحرير النص من مركزيات التفسير أو التأويل، لاسيما تلك التي ارتبطت بمركزية السلطة، أو مركزية الأيديولوجيا والطائفة والجماعة، أو مركزية الاستشراق، وهذا ما أعطى لمنهجة الحفر عند أركون قوة دافعة، ليس لطبيعة هذا المنهج بأصوله المرجعية الحادة عند فوكو وحسب، بل لكونه منهجا يستقرأ ما هو عميق في بنيات «المقموع والمسكوت عنه» وهي بنيات قاتلة في اللاوعي الجمعي الإسلاموي. وهذا التحديد أسهم الى حدٍ ما في استخلاص نتائج معرفية مهمة، لكنها للأسف لم تكن فاعلة في توسيع مديات المنهج، أو حتى في أنسنة القراءة، لأنّ الدرس التاريخي ظل محاصرا بالهاجس الديني والسيروي، ولم تكن مقاربته لعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنفس والفللوجيا فاعلة ومؤثرة، بما جعل هذه «الاستخلاصات» محصورة في إطارها الأكاديمي والنخبوي، وهو ما يعني تفريغ النقد من أهميته، والفلسفة من جدواها، والمنهج من ضرورته في التنظيم والتأطير.
إنّ نقد السلطة لا يقل أهمية عن نقد التاريخ، ونقد السياسة ليس بعيدا في ضرورته عن نقد الاجتماع، فكلا النقدين يتطلب وعيا بشروط التأسيس، وبأهمية معرفة العناصر الحاكمة للقوة والخطاب والمعرفة بمعناها الفقهي، فضلا عن معرفة المتغيرات الكبرى التي مسّت طبيعة المكان والمؤسسة الإسلامية، ومنها مؤسسة الحكم والفقه، فضلا عن المكان في سياقه الجغرافي، أو في سياقه المقدّس، فالتحولات التي حدثت في «الدولة الإسلامية» بما فيها الفتوحات أسهمت إلى حد كبير في تغيير مفهوم «الحيز» ومفهوم «الأمة» و»اللغة» وتغيير علاقة الاجتماع بالسلطة، وبقدرة هذه السلطة على فرض خطابه على الجميع بالقوة والصرامة والقدسية نفسها.
أركون واشتغالات فوكو
اهتمام أركون بمنهجية فوكو كانت محاولة لـ»علمنة» قراءة التاريخ، والتعاطي معه بوصفه منجزا، أو واقعا، أو مجالا للتفكير والحكم، فضلا عن كونه مجالا لسانيا، وخطابا تداوليا، وهذا ما أعطى للمنهج الحفري بُعدا وظائفيا في القراءة أولا، وفي البحث داخل الخطاب ثانيا، وفي إعادة مقاربة المفاهيم ونقدها، وبكلّ ما يخص «المسكوت عنه» لاسيما ما يتعلّق بالجنس والمقدس، وبالنص القرآني ذاته.
اشتغالات فوكو الحفرية أعطت لأركون حافزا نقديا لمواجهة النص وتاريخه، وكذلك السلطة وتاريخها، وعبر ترسيم خطوط واضحة للقراءة العلمية التي قوامها النقد، عبر علاقة تلك الاشتغالات بالمعطيات التي تخص إنتاج المعرفة، وعبر إمكانية إقامة الصلة بين المفاهيم بوصفها الفلسفي وطبيعة النص الخطابية، وتنمية الحسّ التأويلي عند القراء، وباتجاه إقامة الجدل حول طبيعة المعرفة، وتهيئة الأجواء المناسبة لإثارة أسئلة جديدة، أسئلة تخصّ الوعي، والحرية من عقدة الخوف اللاواعي، ومن عقدة المركز السلطوي والفقهي، والتي يمكن الخروج بها بوصفها مُخرجات للوعي، وللخروج من عصابية التاريخ ذاته، أي التاريخ المدرسي والسلطوي والفقهوي.
إن أهمية النقد في مشروع أركون تكمن في تلك المقاربة الفوكوية، وفي مساحة الجدل والنقاش والحوار، التي اتاحتهما لمواجهة رعب أزمة القراءة، ورعب مواجهة ما هو خفي في «السيميائيات الإسلاموية»، بما فيها الرمز والأيقونة والعلامة، التي بات العقل الشعبوي يبتكر لها «فضاءات» كبرى، تدخل عبر قراءات افتراضية للنصوص التأسيسية، أو عبر الشخصيات بدلالتها العقائدية أو الطائفية، أو الموروثة في اللاوعي الجمعي.
أركون والعقلنة العربية
إذا كانت مقاربة عمر مهيبل لأطروحات محمد أركون تقوم على رفض «البديهية العربية التي تزج به داخل الفضاء الثقافي العربي، دونما برهنة مقنعة عدا استغلال العنصر النوستاليجي في المسألة كونه جزائري المولد» فإنّ ذلك لا يعفيه من ممارسة خطابه النقدي، على أساس أنه فعل معرفي ذو مرجعيات غربية، ولا أحسب أن ذلك تهمة، فأغلب ما ورد في دراساتنا التاريخية ارتبط بالدراسات الاستشراقية، وبالمناهج الغربية، وحتى دراسات ما بعد الكولنيالية، والدراسات الثقافية والنقد الثقافي، لم تكن بعيدة عن هذا المجال، لاسيما تلك التي قاربها كثيرا أدوارد سعيد، وأن انخراطه في الممارسة النقدية الغربية، لا يعني عزله عن ممارسة دوره الفاعل في نقد العقل العربي، وفي التساؤل عن «أين هو الفكر العربي»، وإضاءة جوانب مهمة من القراءات القرآنية و»الإسلاميات التطبيقية» كما يترجمها مهيبل.
استعادة محمد أركون في مشغلنا النقدي والبحثي ليس سوى تنبيه إلى أهمية نقد التاريخ والمعرفة، وإبراز أهمية المراجعة الخطابية التي فرضت نفسها في التداول، وفي تقديس القوة، أو عزل التاريخ عن أي فعل نقدي، لاسيما النقد الذي يتعلق بالفكر الجماعوي، وبالتراث الشفهي الذي تحول إلى سلطة موازية، رغم لاوعيها، ورغم غلوها في السياق وفي إنتاج مظاهر للعنف المقدّس أو لـ»الجهل المقدّس».
٭ كاتب عراقي