«من أنا، من كنت، ومن أريد أن أكون؟»، تلك أسئلة تطرح نفسها سرا، لكن من يجهر بها… هل يظل الإنسان نفسه بعد التقدم بالعمر، وبعد كل تجربة، ربما حتى بعد كل لحظة، يظل سؤال الهوية عالقا، تارة تتكفل به الفلسفة وتارة أخرى يحتضنه الدين، وفي أحيان كثيرة تتبناه الذاكرة الجمعية للإقرار بـ»نحن» بدل «أنا» ولو أن الكينونة تتجسد بقوة أينما احتشدت الجماهير، أين تقع الذاتية بالضبط؟ وهل يمكننا أن نفصلها عن أي معطى من المعطيات الإنسانية، سواء أكان الجسد، أو العقل، أو العالم الموضوعاتي .. سجالات تكاد لا تنتهي، تحتج دفعة واحدة لترحل بك من فكرة لأخرى في نسق متجدد في كل مرة .
في تصور محايد للعقل قدر ديكارت جوابا عن سؤال «من أنا» في الكوجيتو، الاعتبار الأكثر شعبية في موقف الفلسفة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، منظرا بذلك لتأليه العقل من دون وساطة الشعور أو التجربة، فالأنا التأسيسي في غنى عن الآخر في أي شكل من الأشكال، على الرغم من مرور أكثر من أربعة قرون على رحيل كانط ظل «نقد العقل الخالص» علامة مصدقة للبناء عليها فلسفيا، إما بالتأييد أو النقد، في جميع الحالات الفلسفة حالها حال التاريخ الإنساني برمته، نتاج تراكم وليس تجاوزا، كما هو الحال للعلم .
ربط كانط التفكير بالتنظيم والمدنية فضلا عن العقل الأخلاقي، وما قد ينتجه من جينالوجيا غير منقطعة النظير، تصور أبستيمولوجي انفرطت عليه المجتمعات الغربية في شكلها الحديث، تحررت به للوجود القانوني للفعل الإنساني، الإنسان المنشود الذي بشر به كانط، هو من يقرر الغايات من منطلق التركيب العقلاني المحض، في هذه الحالة يكون الوعي هو الطريق الأقرب للصواب، لكن هل الذات تستطيع ذلك، ألا يمكن أن يكون الإنسان Apolice مدفوعا بعوامل أخرى، على غرار الماضي أو المستقبل مثلا؟
في لحظات السهو، والعفوية المفرطة تنبثق عن الذات ردات فعلية جذرية غير مفهومة، لا كيف ولا من أين مصدرها، ما يجعل اليقين الديكارتي في مأزق حاد، ينفتح على إجابات جديدة. في موقف غير مسبوق، يحيد فرويد عن المألوف، مبررا ذلك بتعددية هذا الكائن، الذي أقل ما يقال عنه أنه «عاقل»، إذ يتمفصل في أعماقه بين ثلاثة إخوة غير أشقاء :»أنا، هو، الأنا الأعلى»، ترتيب غير اعتباطي يجعل المثال/ الأخلاقيات، إما أن تقف عائقا في وجه الغرائز أو العكس، فالأخلاقيات تطرح سوء فهم باستمرار، فإما محاربتها أو الخضوع لها في ردة فعل تتوقف على حدود تجربة ونشأة كل على حدة، بالتالي فاللاشعور (هو) يمارس تأثيرا من حيث ندري أو لا ندري، عبر إمكانية تصريف الليبدو، مهيكلا بذلك علاقات العداء. تكاثر للشر يوحي للوهلة الأولى بالديستوبيا الممكنة، نتاجا للكبت، فضلا عن إمكانية الإشباع وجدلية الحرمان، هذا يطرح معنيين متباينين هما الداخل والخارج.. بلغة أخرى: البرانية والجوانية، الحاضر والماضي، والمابعد… من أشد الأفكار ريبة: فكرة الرشد، هل نحن راشدون لمجرد بلوغ السن المقونن؟ الجواب يكاد يكون نفيا، إذ تظل التبعية نحو الماضي مفصلية عند كل تجربة… «كيف كنت، وكيف صرت، ربما كيف سأكون في ما بعد؟». صحيح نتغير بعد كل محطة إنسانية، لكن الثابت يفرض وجوده يخرج بأعتى تمظهراته من خلال: الذوق، المزاج، بل الميول، فالأيسكريم الذي كنت أفضله في الطفولة قد أقترحه على أطفالي لحظة ما، الذات ليست معجزة عقلية مجردة بقدر ما تحكمها براثين الميولات والغرائز الجنسية الحتمية، انتقال من الذات للمدلول الأصلي يفرض وساطة بنيات خارج الأنا التأسيسي، الذي يقابله الأنا المهزوم الخاضع للإرادة، التي يحركها النقص/المعاناة/ الألم، أصل كل الظواهر ومنبع الذاتية، بهذا الشكل يكون الإنسان مجسما من الغرائز والرغبات غير المحققة، ما يجعل أقرب الإمكانيات تحققا ربما العنف، على إثر رغبة طويلة العمر وإشباع قصير المدى أو مؤقت في أحسن الحالات، يتعيش الفردانية أزمتها بحدة، لحظة دخولها عالم الرغبة، وإفقار العالم من ماديته، فالإرادة قوة غامضة طائرة تحلق من دون طيار تلوح في الذات الإنسانية شذرات الاغتراب والكبت، ما يجعلها حملا من اللامعنى، هذا ما يبرر في عصرنا الحديث، موجة التفاهة، السلعنة، العروض الإشهارية المتكررة، إن عبّر ذلك عن شيء، فلن يكون إلا تصريحا عن موقف العدمية، الوهم الذي تصنعه الرغبة للهروب بحرية من الألم، قيدا لن يكون التخلص منه سهلا، لأنه رهين بتبصر حقيقة العالم بكل شجاعة، لن تنفك الإنسانية عن حتمياتها، إلا عبر الفن والإبداع بلغة جيل دولوز مقاومة الألم، من خلال صنع الجماليات، وتمظهرات السمو العقلاني في صورة ما .
فالفن هو المعطى الواحد دون سواه، الذي يتشكل خارج القواعد والعمليات الحسابية، بعيدا عن قواعد الضبط الأخلاقي لكل مجتمع، بالتالي يكون أبهى ردة فعل على مرارة الوجود، فالخيال لا يقل أهمية عن الواقع في صنع الفن، ما نتصوره وما نخفيه، وما نعلنه، تخلص من فكرة الموت ومن مقومات العقاب الموضوعي، بالأحرى الإبداع مقاومة للفناء، بلورة لذاكرة جمعية أو فردية لا يهم، طالما يوفر فرصة لتحطيم المعبد المسيج للذات الإنسانية (الشر)، في هذا الصدد يقول جاك لاكان: «لا قانون للخير إلا في الشر، ومن خلال الشر»، فالمحبة مخلدة إنسانويا والعداء كذلك، غير أن كلاهما معجز الانفصال عن الآخر، فليس غريبا أن يكون نداء المسيحية: «أحبو أعداءكم»، مادامت الذات مجبرة على أن تتموقع في تجمعات بشرية موحدة كل منها على حدة، الخيط الناظم بين الجماعات الإنسانية، ينطلق من مشاعر المحبة والكره، حتى التشكيلات السياسية تصير متينة أكثر بعد معارك الانتصار ومعاهدات الصلح والهدنة .اللذة هي محور الالتقاء بين الخير والشر إذن، إذا كنت أنا وأنت وهو، نتاج لحظة تلذذية ألسنا بذلك مجبرين على تنظيم الهشاشة؟
تكاثرت تلك السرديات التي تناقش الإنسان كإنسان ينتمي لحقل الموجودات، أو كمواطن/ حيوان قانون مدجن بالسياسية، أو في حالات أخرى مؤمن في حلقية المعتقدات الدينية.
يرد مشكل الهشاشة لإرث العنف المؤسس لجماعة/ شعب ما، داخل صيرورة سوء استعمال الذاكرة الجمعية، فالذاكرة نتاج حرب، عنف مشروع بفعل هاجس أمني، يحرص عليه عنصر «نحن»، فالحرب لا تعني إنسانا ضد إنسان، بل جنديا مقابل جندي، علما مضادا لعلم، عدوا ضد عدو، تنتهي تجربة العداء هذه برابح وخاسر، طالما أن كلا منهما أشهر قوته للنيل من نظيره في ما بعد تخلق الذكرى، احتفالا بالانتصار لجهة، وانكسارا بفعل الخسارة للجهة المقابلة، هذا التقابل كاف جدا لابتداع جروح شعبية مريرة تخزن رمزية التاريخ المعاش بمختلف الطرق: الثقافة، الأدب، المناسبات، الأحزان الجمعية.. إلخ، بهذا الشكل تكون الذات المقابلة تهديدا للأنا ليس كفرد ولا كإنسان، أو حتى كمواطن، بل ككائن شخصي جدا نتاج عيش طويل مع حميمية الألم والمعاناة في هذا الموقف، لا يحسن إلا أن تهيمن سلطة تسيطر على الاختلاف، وتمرير التطابق من أجل توحيد الصفوف ضد عدو الأمس، التماثل والتطابق ينتج جماعة قومية نعم، لكن ماذا لو كان كل العالم مجموع جماعات قومية، ألن يكون ذلك أخطر لغم قد ينفجر عند أول وطأة للأنا على أرضية الاختلاف، هل ستحتفظ الذات بتعقلها وتأملها نفسه لحظة انقلاب الاختلاف لحدود الخلاف؟
أول سؤال ستفرضة الهوية آنذاك، هو من أنا وماذا أتذكر؟ بما أن الأنا الحديثة وساطة التجربة والغير، هل يحق أن يطرح السؤال من نحن في تلك اللحظة ….
لحظة التذكر. تشكل الذاكرة خطرا بفعل تدخل الأيديولوجيا في محطة إنسانية فهي أولا وأخيرا مشروعة، تبرر النسق الكلي وتنفي الفرد خارج الخط الموحد للإثنيات، في هذه الفرضية تصير الأيديولوجيا الحارس الشخصي للهوية الشخصية، والطريق المؤدي لحرب محتملة في تسلسل سيريالي يودي في نهاية المطاف للتغافل عن الحياة الشخصية، لصالح الجماعة أو الشعب، ويتحول الفرد إما لرقم انتخابي في صناديق الاقتراع أو إنسان غريب يفتش بالكلاب خارج حدود إقليمه اللغوي والجغرافي .
تكاثرت تلك السرديات التي تناقش الإنسان كإنسان ينتمي لحقل الموجودات، أو كمواطن/ حيوان قانون مدجن بالسياسية، أو في حالات أخرى مؤمن في حلقية المعتقدات الدينية، الثابت في كل الفرضيات الأبستيمولوجية هو نمطية الذات والتذويت، التي يخضع ويخضع لها الأنا دائرة محيطه، في غياب أي إمكانية لعزل الإنسان عن غيره، بغية جعله استثناء، الأنا هو عين المواجهة بين الذات وحرية الاختيار من خلال ما يصوره الآخر من آمال وأحلام تتكفل السينما والمسرح والأدب ببثه في شرائط مصورة، وفق مؤثرات تقنية تخلص لنقل التثاقف من الخارج نحو الداخل، هذا ما تقره الهيرمونيطقيا، وما يبثه العلم بشكل آخر من خلال اكتشاف كل مرة عن الجينات الوراثية، التي تنتقل من جيل لجيل، في هذا المشهد يتحول الأنا من موقعه الفلسفي والسياسي والاقتصادي مباشرة نحو موطئه البيولوجي المحض، فالعقل logose نتاج لتجربة جسدية بالأساس، بنية تتشكل بفعل الأعصاب والرسائل الحسية الحركية، تحت تأثير العرق والجنس والعادات اليومية، بالتالي ليس غريبا أن تكون حركة الوصل مستمرة بين العلم والفلسفة، بل والأدب في تشكيل الذات الإنسانية .
لا