رام الله ـ «القدس العربي»: لا يبدو واقع الضفة الغربية محسوما، وعلى عكس ما تظنه قيادات فلسطينية، فإن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع الفلسطينيين مع حرب على كل الجبهات، وهو ما يجعل من سؤال اليوم التالي مطروحا على الضفة الغربية مثلما على قطاع غزة، أن سلطات الاحتلال تجعل من سؤال اليوم التالي في غزة مماثلا للضفة الغربية، سؤال بلا جواب، فيما الميدان الذي يمتلك القدرة على تحديد نتيجة هذا السؤال، يحدده الاحتلال وحده.
فبعد جلسة تقدير موقف في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «إسرائيل موجودة في حرب قاسية في عدة جبهات، نحن نحارب في الشمال ونحارب في الجنوب وهنا في الضفة الغربية».
ويعلق الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة على هذه التصريحات بالقول: «إعلان نتنياهو أن ما يجري في الضفة الغربية حرب كما هي الحرب في الجنوب وفي الشمال، وإن ما كان لن يكون، هو إعلان حرب من جديد في الضفة الغربية، وتأكيد إطلاق يد الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية».
وجاءت تصريحات نتنياهو بعد تصريحات مماثلة لوزير المالية الإسرائيلي سموتريتش في مستوطنة «بت حيفر» القريبة من مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، حيث قال إنه على «إسرائيل أن تخرج لحرب دفاعية في الضفة الغربية».
وتابع: «كل من يتحدث عن إقامة دولة فلسطينية يهدر دم المستوطنين في منطقة الشارون ووسط البلاد، ويعرض وجود الدولة للخطر».
وعلى الفور تم إسناد هذه التصريحات حسب ما نشرته القناة السابعة الإسرائيلية بإن الجيش الإسرائيلي سيوزع مزيدا من الأسلحة في مستوطنات الضفة الغربية، حيث صدرت التعليمات بهذا الشأن من قائد المنطقة الوسطى بحجة تعزيز أمن المستوطنين والمستوطنات، والتوزيع سيكون أيضاً لمستوطنين ليسوا عناصر في وحدة الاستنفار في المستوطنات.
وحسب المحلل العسكري لهآرتس عاموس هارئيل فإن «إسرائيل تدفع الضفة الغربية نحو التصعيد.. فالضفة الغربية تعيش حالة هدوء محدودة، والتهديد باندلاع العنف يأتي هذه المرّة من إسرائيل». وذلك على خلفية عمليات إطلاق نار في منطقة طولكرم وعملية دهس بالقرب من مدينة نابلس.
في السياق، وردا على عمليتين محدودتين للمقاومة الفلسطينية، هدد سموتريتش بتحويل الضفة الغربية المحتلة إلى «خراب مثل قطاع غزة». كما شارك فيديو على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي يظهر مستوطنين يبنون سياجًا من الأسلاك الشائكة في الضفة الغربية. وقال: «إذا استمر الإرهاب ضد المستوطنات، فسنحول المناطق التي تعيشون فيها إلى خراب مثل غزة».
وأضاف سموتريتش قائلاً: «سنستمر في السيطرة على الضفة الغربية (يهوداه والسامرة)» معتبرا الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في شرقي القدس والضفة الغربية تعد «خط دفاع» لإسرائيل.
الضفة الغربية
تغلي على صفيح ساخن
مراقبون فلسطينيون أبدوا استغرابا للتصعيد الإسرائيلي على مستوى التصريحات السياسية وإجراءات الميدان، وتحدثوا عن أنها مؤشرات تحمل مبالغة وتضخيما إسرائيليا من دون أن ينفي ذلك أن الضفة الغربية تغلي على صفيح ساخن.
من هؤلاء أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية أيمن يوسف، الذي يرى أن هناك مماثلة في السلوك الإسرائيلي عند التعامل مع الضفة الغربية وتحديدا مخيمات شمال الضفة الغربية، وهو ما تعززه التصريحات بحرب التدمير والخراب مثل غزة.
وتابع يوسف: «ننظر للتصريحات الجديدة على أنها رسائل تتضمن بعدا نفسيا بهدف طمأنة المستوطنين في الضفة الغربية، وتحديدا في ظل زيادة محاولات وصول المقاومين للأهداف الإسرائيلية، ويضاف إلى ذلك تصاعد الحديث عن صفقة أو مسار سياسي مثمر لما يجري في قطاع غزة، هنا تحديدا نجد أن نتنياهو وأقطاب اليمين المتطرف يسعون إلى الهاء المجتمع اليميني بالحديث عن التسليح والعدو في الضفة لضمان استمرار الحكومة، فوقف الحرب يعني أكبر خطر على الحكومة اليمينية، حيث من المتوقع ان يقودها إلى التفكك».
وخلال الأسبوع الماضي عاد الحديث عن تسليح المستوطنين في الضفة الغربية بالصواريخ المضادة للدبابات، ويرى يوسف أن هذا الأمر فيه بعد انتخابي قادم، فهو يأتي في ظل الحديث عن تدمير بعض المناطق الفلسطينية شمال الضفة الغربية في محاولة لإرسال رسائل تقول إن الضفة الغربية ليست بعيدة عما جرى في غزة، «إنها محاولة لطمأنة المستوطنين ودفعهم ليكونوا جزءا من الحرب الدائرة».
ويختم يوسف: «ربما هناك حالة من الاستشراف لما يمكن أن يحدث في جبهة الشمال، ففي حال اشتعلت الجبهة مع حزب الله سيتم إرسال الجيش هناك وبالتالي من المتوقع أن يكون هناك فراغ في القوة العسكرية، وعليه يكون الاعتماد على المستوطنين وتسليحهم أكثر في الشهور المقبلة».
انهيار السلطة
في سياق مواز، طفت التسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن انهيار السلطة الفلسطينية على خلفية احتجاز أموال المقاصة (الضرائب) الفلسطينية، وهي تصريحات لا جديد فيها سوى انها مكررة وعلى لسان الجهة الإسرائيلية الأمنية الأولى.
لقد وجه جهاز المخابرات الإسرائيلية «الشاباك» تحذيرًا استراتيجيًا إلى المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية. هذا التحذير يشير إلى أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة ضد السلطة الفلسطينية قد تؤدي إلى انهيارها الاقتصادي، وتعزيز قوة حماس في الضفة الغربية، ووقوع سلسلة من الهجمات.
وحسب تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» فإن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتصرف علانية ضد السلطة الفلسطينية، وحذرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من عواقب هذا التصرف.
مقاربة الشاباك للوضع في الضفة تقوم على الخوف الإيراني حيث جاء أنه «في وقت تتدفق فيه الأموال من إيران إلى الضفة الغربية بهدف دعم الإرهاب وتنفيذ الهجمات». وأكد التحذير أن الخطوات التي اتخذت في السنوات الأخيرة قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي للسلطة الفلسطينية.
ومن وجهة نظر أمنية إسرائيلية، يشير التقرير إلى أن انهيار السلطة الفلسطينية يمكن أن يؤدي إلى فوضى على الأرض وزعزعة الاستقرار القائم، سواء على الصعيد الأمني أو في المنظومة المدنية.
وأضاف التقرير أن أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث هو توقف المستشفيات في الضفة الغربية، ما سيضطر إسرائيل لعلاج الفلسطينيين في مستشفياتها.
وحسب التحذير الذي قدمه الشاباك، فإن وقف إسرائيل تحويل أموال عائدات الضرائب واتخاذ خطوات إضافية ضد السلطة الفلسطينية سيضع السلطة على حافة الإفلاس المالي. هذا الإفلاس سيؤدي إلى عدم قدرتها على سداد ديونها، وتخفيض كبير في رواتب موظفيها والخدمات المقدمة لمواطنيها، ما أدى بالفعل إلى تخفيض الرواتب وإيقاف تحويل الموازنات للوزارات.
ويعقب المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة على تقرير «يديعوت أحرنوت» بإنه يقول إن الضفة الغربية أمام خيار، إما أموال المقاصة التي ستقود لاستقرار السلطة الفلسطينية والوضع الأمني فيها، وإما الأموال الإيرانية التي ستدفع لسيطرة حماس، واتساع العمليات، واندلاع انتفاضة ثالثة. في ظل أن إجراءات المستوى السياسي الإسرائيلي كلها تعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية، سواء في موضوع حجز أموال المقاصة، أو منع دخول العمال الفلسطينيين للداخل.
في نفس الإطار نشرت الوكالة الرسمية الفلسطينية «وفا» تقريرا مطولا حمل عنوانا يسير بذات الاتجاه: «الحصار المالي يدفع القطاع الصحي نحو حافة الانهيار».
وركز التقرير على أن مديونية وزارة الصحة التراكمية بلغت 2.7 مليار شيقل حتى نهاية أيار/مايو الماضي، وأن 13 في المئة من الأدوية الأساسية أصبح رصيدها صفرا في مستودعات الوزارة.
وتحتجز حكومة الاحتلال أكثر من 6 مليارات شيقل من أموال المقاصة، وهي ضرائب تجبيها المالية الإسرائيلية عن السلع الواردة شهريا، وتقوم بتحويلها إلى وزارة المالية الفلسطينية.
الأزمة المالية أثرت على تمويل موازنة وزارة الصحة، الأمر الذي انعكس سلبا على القطاع الصحي في فلسطين، وأثر على القدرة التشغيلية والتوريد وحتى على المخزون الأساسي للأدوية والمستهلكات الطبية في مستودعات الوزارة المركزية.
وجاء في التقرير أنه في حال استمرار إسرائيل باحتجاز عائدات الضرائب التي تشكّل 70 في المئة من إيرادات المالية العامة، فإن القطاعات الحيوية كافة معرضة للانهيار، وبخلاف الصحة هناك التعليم الذي شهد اضطرابات في العامين الدراسيين الماضي والحالي، لم يلتحق إثرها الطلبة بمقاعدهم الدراسية بشكل منتظم، بسبب عدم قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه موظفي وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، الذين تزيد نسبتهم عن 57 في المئة من إجمالي عدد الموظفين الكلي في الدوائر الحكومية، وفق إحصائية لديوان الموظفين العام، فيما بلغت نسبة العاملين في القطاع الصحي 15 في المئة.
مبادرات بلا التزامات
بدوره، علق نهاد أبو غوش، الباحث في مركز «تقدم» للسياسات، على ما تسرب من أوساط عربية لوثيقة أمريكية تشكل اقتراحا أمريكيا لبيان مشترك لاجتماع دول السداسية العربية الخاصة بفلسطين: السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية.
ويرى أبو غوش أن جوهر المبادرات الأمريكية، يخلو من أي التزام بوقف الحرب والانسحاب الشامل من قطاع غزة، ووقف تغول عصابات المستوطنين في الضفة الغربية، ويصب مباشرة في الإجابة العملية على سؤال اليوم التالي الذي يتمنع بنيامين نتنياهو عن الخوض فيه لأسباب داخلية، لكن الإدارة الأمريكية تتولى بنفسها الإجابة على هذا السؤال، إما عبر تصريحات متفرقة، ورسائل لإسرائيل وللسداسية العربية بما فيها السلطة الفلسطينية، أو عبر «أفكار» وخطط عملية لمستقبل المنطقة برمتها وليس غزة وحدها بعد الحرب.
وقال أبو غوش أنه باستعراض مجموعة الأفكار التي تقدمها الإدارة وتبدو كاقتراحات لبيان ختامي أو خريطة طريق مشتركة، في التخطيط لمستقبل غزة والضفة يُذكر الفلسطينيون كطرف يحتاج للتأهيل والإصلاح، ويغيب حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم عبر انتخابات تعبر عن إرادتهم الحرة.
ويرى أن السلطة الفلسطينية دائما في موقع المتهم بالفساد، وعليها تنفيذ خطط إصلاح شاملة تشمل مكافحة الفساد وإصلاح التعليم (مطلب إسرائيلي) مع تزيين هذه الشروط برتوش عن الرعاية الاجتماعية والشفافية والحكم الرشيد والرفاهية الاقتصادية.
فيديو يقول الكثير
قبل نحو خمسة أيام اقتحمت قوات الاحتلال ترافقها جرافة وآليات عسكرية للمنطقة الشرقية من مدينة نابلس، لتأمين دخول المستوطنين إلى «قبر يوسف» بذريعة أداء طقوس وصلوات تلمودية. لقد نشرت قوات الاحتلال قناصة على أسطح المنازل وعدة فرق مشاة في منطقة الضاحية المقابلة لمنطقة بلاطة البلد القريبة من الضريح شرقي نابلس، فيما وصلت عدة حافلات تقل مستوطنين بحراسة مشددة من آليات الاحتلال عبر حاجز بيت فوريك. غير أن الحدث الذي غاب عن وسائل الإعلام الفلسطينية هو ان جانبا من مجموعات المستوطنين وصلت إلى القبر مشيا.
ونقل المشهد في فيديو قصير تم تداوله على المنصات الاجتماعية لكنه لم ينل حظه في الاهتمام، رغم أنه يعكس تحولا في سلوك المستوطنين وفي نظرتهم إلى اقتحامهم لمدينة نابلس، وهي شارة تدلل على مدى قوة المستوطنين ولا سيما وأن الوصول إلى منطقة القبر تعني سيرهم مجموعة من الكيلومترات بين منازل الفلسطينيين وأحيائهم، وهذا تحول جديد، ومؤشر يقدم الكثير عن اليوم التالي للحرب الإسرائيلية في الضفة الغربية!