منتصر حمادة
ماذا يريد تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي من دول المنطقة؟ سؤال واحد فقط من الاسئلة الكبيرة التي لا نجرؤ علي طرحها كلما صدر شريط لاتباع اسامة بن لادن في المنطقة، يتوعدون فيه بشن اعتداءات ضد مراكز وتجمعات الكفار والمرتدين الرسمية والامنية من جيش ودرك وشرطة وحرس بلدي كما جاء ـ نموذجا ـ في البيان المنسوب لـ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، والمؤرخ في 23/7/2007. يمكننا تفريخ اسئلة كبري من السؤال سالف الذكر، من قبيل: ماذا يريد تنظيم القاعدة من دول الخليج العربي، او من باقي الدول العربية والاسلامية، الممتدة من اندونيسيا الي المغرب. (ولن نتطرق بالمرة للاعتداءات التي عصفت بالدول الغربية، فهذا موضوع آخر، ويتخذه اغلب المعلقين العرب والمسلمين والاسلاميين شماعة او ذريعة جاهزة لتبرير ما يجري اليوم، ولذلك نحن نقتصر علي الاعتداءات التي عصفت بالدول العربية والاسلامية). وفوق كل هذه الاسئلة وغيرها طبعا، يبرز لنا ام الاسئلة، او السؤال الحرام في الواقع: ما هو مشروع تنظيم القاعدة بالضبط، حتي نكون صريحين اكثر.
استبشرنا خيرا ونحن نطلع علي تساؤل من هذا العيار جاء في مقال للكاتب اليمني عبد الاله حيدر شائع تحت عنوان: تفجيرات مأرب: ماذا تريد القاعدة من اليمن؟
، وكنا نتوقع ان يحفر الكاتب قليلا في ماهية مشروع تنظيم القاعدة، سواء في اليمن او في اندونيسيا، والكويت والمغرب والسعودية وتركيا.. واللائحة تطول، لانه ببساطة، تبقي العديد من الدول العربية والاسلامية مهددة بشكل او بآخر بتلقي ضربات دموية من طرف اتباع اسامة بن لادن وايمن الظواهري، ولا يبدو ان البيان الاخير لـ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي سيكون آخر هذه التهديدات.
لم يرتحل الكاتب في مقاله الهام ـ حتي لا نبخس الناس اجتهاداتهم ـ مع هذه الاسئلة شبه المحرمة، او الحكايات الصغري بتعبير اهل التشظي و اللامعني و النسبية المطلقة و ما بعد الحداثة وكل ذلك الكلام الكبير والمقرف، وانما ارتحل اكثر مع تفاصيل حروب الكر والفر القائمة بين اتباع تنظيم القاعدة في اليمن والاجهزة الامنية واليمنية، مستنتجا في نهاية المطاف مجموعة من الخلاصات الهامة.
هناك ملاحظتان دقيقتان تستوقف المتتبع في هذا الصدد، وقد استخلصهما الكاتب بناء علي تقييم ادبيات وخطابات القاعدة وعملياتها العسكرية والامنية:
ـ تتعلق الاولي بحديث الكاتب عما وصفه بـ ثلاثة محفزات تدفع القاعدة لان تهتم باليمن، وتعتمد كلها علي بشارات نبوية: الاولي، انها ارض المدد، ونَفَس الرحمن. والثانية، انها جنوب جزيرة العرب، وجزء هام منها، ويجب وفق النبوءات من اخراج اليهود والنصاري من جزيرة العرب، واخراج المشركين من جزيرة العرب، ولا يجتمع دينان في جزيرة العرب. والثالثة، وهي محور عام، ومرتكز لتنظيم القاعدة في كل مكان في العالم، كون تحقيق العدالة والحرية للناس لا يمكن تحقيقه الا بان يكون الدين كله لله، ووسائلهم في ذلك جميع ما يرونه من وسائل مشروعة في الدعوة بما فيها القتال.
وهذا عين ما سنطلع عليه في نتائج استطلاع راي مقلق للغاية اُنْجِزَ مؤخرا في المغرب، هذا دون الحديث عن مبررات شرعية، او تأصيل شرعي للقيام باعتداءات في اي بقعة من بقاع المعمور العربي الاسلامي، من جاكارتا الي الدار البيضاء، ويكفينا تأمل العناوين التالية، وهي محسوبة علي ادبيات تنظيم القاعدة طبعا: التأصيل لمشروعية ما حصل لامريكا من تدمير و ارشاد الحياري في اباحة دماء النصاري في جزيرة العرب و الحرب الصليبية المعاصرة و الاعداد للجهاد وجوب الاعداد للاعداء و هكذا نري الجهاد ونريده و خُرِّبَت امريكا و انتقاض الاعتراض علي تفجيرات الرياض و انكار غزوتي نيويورك وواشنطن و امريكا فرعون اليوم و الحق واليقين في عداوة الطغاة و غزوة بدر الرياض و وقف العمليات في الاندلس و المرتدون العدو الاول والاخطر وحكم الاسلام في قتال الطائفة الممتنعة و منكرات العسكرية المرتدة و رسالة الي جنود الطاغوت و دروس وعبر مستخلصة من غزو الصليبيين للعراق و الرد علي الشبهات في حكم قتال المدنيين في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.. وغيرها كثير.
ـ تتعلق الملاحظة الثانية بتاكيد الكاتب علي انه لدي تنظيم القاعدة رؤية، واستراتيجية، وخطة ينفذها علي مراحل؛ هكذا تقول عملياته من مدريد الي لندن، ومن بغداد الي مارب، ضرباته ليست عفوية ولا عبثية او عشوائية، بدليل استمراريته، وتحقيق تقدمه من مرحلة الجماعة الي التنظيم، ومن التنظيم الي المنظومة الفكرية التي اصبحت تنتشر بقوة، بالاضافة الي افتتاح فروع رسمية للتنظيم، والالتحام بالحاضنة الجماهيرية التي يعمل فيها؛ كما في العراق، وافغانستان، وباكستان خصوصا مناطق القبائل. (عبد الاله حيدر شائع. تفجيرات مارب: ماذا تريد القاعدة من اليمن؟ “القدس العربي” 5/7/2007). مهم جدا التاكيد علي ان تنظيم القاعدة يملك ويتبني منظومة فكرية اصبحت تنتشر بقوة، افرزت، ومن منطق تحصيل حاصل، فان التنظيم يفرز العديد من الفروع الرسمية، وقد يكون شعار تطبيق الشريعة، كما تم تطبيقه يوما من طرف جعفر النميري السوداني/السُنِّي والخميني الايراني/الشيعي، ابرز معالم هذه المنظومة الفكرية التي اصبحت تنتشر بقوة، من منطلق ان نفس الشعار، يبقي علي راس الشعارات اللصيقة بادبيات الحركات الاسلامية، وفي مقدمتها الحركات الاسلامية الجهادية التي تعرف ماذا تريد وكيف تعمل، وتفهم الامور كلها بطريقة ناجزة وتامة. صحيح انه فهم سطحي ومجانب لحقائق الامور، الا انه فهم منجز في نهاية الامر، ثم انه يمثل اطارا ذهنيا يستوعب الاحداث والمتغيرات، مهما بلغت ضخامتها، وصولا الي مصب النهر الاصولي وقبلته: دولة طالبان، (مشاري الذايدي. كلمات بين الهامش والمتن. الشرق الاوسط 8/6/2004). ومن حقنا الشرعي ان نسائل موقف الراي العام المغربي ـ علي سبيل المثال لا الحصر ـ من هكذا شعار، ومن حقنا كذلك التذكير بان الاطلاع علي نتائج العديد من استطلاعات الراي التي انجزت في الساحة المغربية، بما فيها استطلاع راي انجزته مؤسسة امريكية، بخصوص حظوظ الاحزاب السياسية في الاستحقاق الانتخابي القادم (ليوم 7/9/2007)، تصب في تاكيد صعود نجم حزب العدالة والتنمية، دون سواه، اي الحزب الاسلامي الابرز في الساحة.
وحزب العدالة والتنمية بالمناسبة، ومن منطلق انه حزب اسلامي (او حزب سياسي ذو مرجعية اسلامية )، يدعو الي تطبيق الشريعة الاسلامية، ولكن بشكل مُلَطَّف، او بشكل سلمي ان صح التعبير، ومن عاشر كواليس حركة التوحيد والاصلاح ( النواة الدعوية الصلبة التي تتحكم اليوم في الحزب، كما اكدنا علي ذلك في اكثر من مناسبة، وكما افصح عن هذا المعطي بكثير من التدقيق والتفصيل الداعية والقيادي السابق في الحركة، فريد الانصاري، في مؤلفه القيم الاخطاء الستة للحركات الاسلامية بالمغرب ) يتذكر جيدا ان شعار ممارسة الدعوة في البرلمان (كذا)، كان الشعار الابرز في تلك الجلسات، وفي النقاشات السرية التي تمت بين بعض صقور الحزب مع وزير الداخلية الاسبق، ادريس البصري.
انقلبت الامور اليوم، وتحولت ممارسة الدعوة في البرلمان وقبله شعار تطبيق الشريعة، الي اسلمة للصفقات والمزايدة علي اسلام السلطة واسلام المغاربة واستثمار الورقة الدينية في الاستحقاقات الانتخابية في المفاوضات مع صناع القرار السياسي في الرباط وواشنطن.
ثمة تقاطع مثير يجمع بين ما جاء في ثنايا استطلاع آخر بخصوص موقع ومكانة الاسلاميين (السياسيين والجهاديين) وبين الشعارات التي يرفعها اتباع بن لادن في المنطقة.
قبل الاطلاع علي نتائج هذا الاستطلاع، نُعَرِّج في عجالة علي بعض الشعارات التي روج لها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي كما جاءت في آخر بيان له، حيث الحديث عن مجاهدين تمكنوا.. من اعادة تنظيم انفسهم ورص صفوفهم وضبط خططهم وهم يخبئون لاعداء الله ببلاد المغرب الاسلامي مفاجآت كثيرة ستاتي في سياق متسلسل وِفق خط تصاعدي، كما حذرت الجماعة من انها ستشن مزيدا من التفجيرات الانتحارية ودعت المسلمين للانضمام الي صفوفها. وهي للتذكير، ذات الجماعة التي اعلنت مسؤوليتها عن تفجير انتحاري ثلاثي في العاصمة الجزائر في 11/4/2007 واسفر عن مقتل 33 شخصا. كما اعلنت مسؤوليتها عن هجوم انتحاري وقع في 11/7/2007 شرقي العاصمة اسفر عن مقتل ثمانية جنود.
جاء في استطلاع راي اجرته جامعة ماريلاند الامريكية ما مفاده ان 71 بالمئة من المغاربة يعربون عن تاييدهم لهدف تنظيم القاعدة: اقامة خلافة اسلامية، وهو الهدف الذي اجمع عليه ايضا حوالي 67 بالمئة من المستجوبين.
كما اوضحت النتائج ان 76 بالمئة من المستجوبين في المغرب يؤيدون تطبيق الشريعة الاسلامية، بينما قال 35 بالمئة ان تنظيم القاعدة لاسامة بن لادن يقف وراء تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 . ( نشرت نتائج الاستطلاع في يومية المساء المغربية 10/7/2007)يهمنا تقييم ثلثي المستجوبين المغاربة لاداء التجربة الجهادية في نسختها الجزائرية، ما دامت ذات النسبة (76 بالمئة) تؤيد تطبيق الشريعة، وما دام حوالي 71 بالمئة يعربون عن تاييدهم لهدف تنظيم القاعدة: اقامة خلافة اسلامية، وسوف نترك جانبا هنا ما يشبه الاجماع الاكاديمي الاسلامي/العربي علي ان كثيرا من تلك التنظيمات التي تمارس العنف والقتل، وتدعي انها تتحدي العالم وتحارب الامبريالية والاستعمار والمستكبرين الطغاة، لا يعرف اغلبية المسلمين البسطاء عم تتحدث، ومن تقاتل؟ ولماذا؟ وماذا ستسفر عنه تلك الحرب الدون كيشوتية؟ وما هو مشروعها لانقاذهم من التخلف او الجهل او القهر او الفساد؟ (هالة صدقي. افتتاحية العدد الاخير لمجلة الديمقراطية القاهرية. السنة السابعة. العدد 26 نيسان (ابريل) 2007)……. ونترك جانبا ايضا جراة بعض المحللين المسلمين، في معرض تقييم الاداء الحركي لابرز التنظيمات الجهادية اليوم: تنظيم القاعدة دون سواه، والحركات الاسلامية الجهادية الموالية له فكريا او تنظيميا، وضمن هذه القراءات النقدية، نتوقف عند ما حرره الباحث الفلسطيني بشير موسي نافع ـ في جراة قلما نصطدم بها في ثنايا مقالات العديد من المحللين الاستراتيجيين العرب والمسلمين علي وجه التحديد ـ بخصوص معالم هذا الاداء القاعدي حتي منتصف هذا العام، وجاءت هذه المعالم مُجَسَّدَة في فشل عمليات التفجير في بريطانيا، مقابل نجاح اخري في موقع مارب اليمني، مودية بحياة عدد من السائحين الاسبان ومواطن يمني. وفي العراق، تخوض الوحدات التابعة للقاعدة منذ زمن حربا ضد عموم الشعب العراقي، شيعة وسنة، علماء وعشائر. وقد تطورت هذه الحرب مؤخرا الي مواجهة استئصالية مع كافة قوي المقاومة الرئيسية الاخري. مرتبطون بالقاعدة يرتهنون مخيم نهر البارد في الشمال اللبناني، وفي صراع دموي بينهم وبين الجيش، يتحول المخيم الي ركام. وفي فلسطين، تقوم عناصر مماثلة اخري باختطاف صحافي بريطاني، عرف بتقاريره الاكثر انسانية عن الحياة الفلسطينية، لشهور طوال.
وبدهي ان حظ الصحافي البريطاني المعني في هذه النازلة، آلان جونسون، كان احسن بكثير مقارنة مع مصير الصحافي الايطالي انزو بالدوني الذي عمل مراسلا في افقر بلدان العالم، وكان احد اشد المعارضين لشن الحرب الامريكية علي العراق، كما ان المجلة التي نشر بها (دياريو)، هي من اكثر الصحف الايطالية معارضة للحرب ولسياسة برلسكوني الخارجية، وكان مصيره الخطف والاعتقال والذبح في العراق.
تقييم موسي نافع لهذا الاداء كان صريحا وجريئا وواضحا، ولا يحمل بين ثناياه اي ازدواجية او تقية او تلفيق او شيء من هذا القبيل: هذه بالتاكيد ـ والتقييم للكاتب دائما ـ مؤشرات علي وضع ماساوي، يُقتل فيه البشر من كافة الخلفيات الدينية، بلا حساب؛ يخطفون فيه بلا مسوغ ولا مبرر ولا معني؛ يُطاح فيه بامن وسلامة واستقرار اقليات اسلامية تقدر بعشرات الملايين؛ تُؤَجَّج فيه الانقسامات الطائفية بلا نظر الي العواقب والمآلات؛ ويُقَوَّض فيه حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الاجنبي. ولكن هذه ايضا ـ بيت القصيد في التقييم ـ مؤشرات علي مستوي العبث الذي انحدرت اليه العقلية المؤسسة لهذا الوضع. كما النموذج الخارجي في القرون الاسلامية الاولي، ما بدا راديكالية سياسية، واستدعاء تبسيطيا للنصوص الاسلامية، ينتهي الي حالة من العبث الماساوي، فكرا وسياسة، ليخلص الي ان هذه العقلية باتت وباء مدمرا لا ينبغي السكوت عليه (بشير موسي نافع. من اعادة انتاج العقل الخارجي الي العبث الماساوي. “القدس العربي” 12/7/2007)صراحة موسي نافع امتدت الي الحديث عن الثقافة العدمية التي تميز الاداء الحركي لتنظيم القاعدة، وهذا عين ما صدر عن المفكر الفرنسي، واحد رموز تيار الفلاسفة الجدد، اندريه غلوكسمان الذي صنف المسؤولين عن اعتداءات نيويورك وواشنطن ضمن خانة الاسلاميين العدميين كما جاء في كتابه الشهير دوستويفسكي في مانهاتن، وهنا مربط الفرس.
لقد تعمدنا الاستشهاد براي بشير موسي نافع، ويمكننا سرد لائحة طويلة من آراء كتاب لا يمكن باي حال ـ من وجهة نظرنا المتواضعة علي الاقل ـ ان يصنفوا ضمن خانة الكتاب العرب المتامركين او عرب البيت الابيض بتعبير المفكر الباكستاني طارق علي في كتابه الممتع الامبراطورية والمقاومة، ويقصد تلك الاقلام التي تريد ان تصبح امريكية اكثر من الامريكيين وتلك الشخصيات التي تحتاجها الامبراطورية الامريكية من طينة فؤاد عجمي وكنعان مكية، ممن يسعون الي ارضاء الامبراطورية وخدمة حاجاتها وهم ـ في حالة عجمي ـ عديمو الحياء تماما في كيفية اذلال انفسهم امام الامبراطورية.
سهل جدا توجيه النقد والنقض للنزعة الفكرانية (الايديولوجية) لاندريه غلوكسمان وامثاله، ولكن يصعب بالمرة التشكيك في اخلاص بشير موسي نافع الفلسطيني وامثاله في معرض تبني الدفاع عن قضايا الوطن العربي والعالم الاسلامي (ونضيف معه، علي سبيل المثال لا الحصر، عبد الوهاب الافندي السوداني وعبد الوهاب المسيري المصري والمهدي المنجرة المغربي وعلاء الاعرجي العراقي ورضوان السيد اللبناني وخالص جلبي السوري وغيرهم كثير..)، وبالنتيجة، لا يمكننا المزايدة علي اخلاصهم لهموم ذلك الوطن (الاورويلي للاسف الشديد) وتلك الامة.
بالرغم من ذلك، سوف نترك جانبا ما يمكن ان يصدر عن علماء المؤسسة او رموز التامرك العربي، وحتي بعض الفقهاء الاسلاميين المحسوبين علي التيار الحركي المعتدل. وسوف نترك جانبا ايضا ما الذي صدر عن بشير موسي نافع وامثاله، لنقف عند شهادة واحدة فقط صدرت في كتاب مختصر شهادتي علي الجهاد في الجزائر لابي مصعب السوري.
يري ابو مصعب السوري ان التجربة الجهادية في الجزائر من اهم تجارب التيار الجهادي في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن اكثر تجارب الصحوة الاسلامية المعاصرة دروسا وعبرة، وعلي راس هذه الدروس والعبر، كون قيادة الجماعة المسلحة (اتباع بن لادن اليوم في الجزائر) كانت مجموعة من المنحرفين بذاتهم، وتولت الاستخبارات الجزائرية اكمال الانحراف وتوظيفه. وتم التبين من هذا الانحراف بعد ان استطاع بعض المجاهدين من الجماعة الاسلامية المقاتلة بليبيا من الفرار من بين مخالب الجماعة المسلحة وكمائن الامن الجزائري، حيث وصلوا الي لندن، وكشفوا الحقيقة المرعبة المفزعة الفاجعة! وفي نفس الوقت وصل بعض الفارين من اعضاء الجماعة المسلحة ذاتها الي بعض دول اوروبا فارين من قيادتهم المجرمة، وكانت الخلاصة المؤلمة لدي المؤلف ان قيادة الجماعة المسلحة وعصابة ابو عبد الرحمن امين قتلت الشيخ محمد السعيد غيلة بدون محاكمة ولا هم يحزنون، مع عشرات من مرافقيه لانه جاء يناقشهم في مصائبهم وضلالهم، كما قتلوا من قدروا عليه من المجاهدين الافغان العرب وغيرهم بدعوي البدعة وتبني الفكر وعدم صحة العقيدة السلفية! ولمعارضتهم اياهم في اعمالهم، كما قتلوا معظم المجاهدين الليبيين غدرا بدعوي بدعتهم وبيعتهم لجماعتهم واميرهم رغم وجودهم في سلطان الجماعة واميرها الشرعي! ونفذوا اهوالا من المجازر في القرويين والمواطنين الجزائريين بدعاوي ممالأتهم للدولة وحملهم السلاح. وانتهكوا الاعراض ومارسوا الزنا والاغتصاب بدعوي سبي نساء الطواغيت! الي آخر تلك الفظائع المهولة! وبعد فترة وجيزة قُتِلَ ابو عبد الرحمن امين، وسجد الاكثرون شكرا لله، لان الامة استراحت من جزار الدجاج العنيد، ولاننا برئنا منه قبل موته.
تذكروا جيدا اننا بصدد الاستشهاد بما صدر عن ابي مصعب السوري، وليس احد رموز عرب البيت الابيض، او احد فقهاء المؤسسات الدينية في المزارع الاسلامية والعربية.
وما حصل فيما بعد ان تولي بعده سفاح اسوأ منه، سرعان ما جاهر بالضلال والاجرام، وصار امير الجماعة المدعو عنتر الزوابري، كما تولي الشيخ ابو حمزة المصري المرجعية في دعم الجماعة الموحِّدة في الجزائر، حيث اشرف علي اصدار البيانات في تاييد الجماعة المسلحة والدفاع عن بياناتها واعمالها. و لم يطل المقام بالشيخ الثالث، اذ اصدر الزوابري بيانا يكفر فيه الشعب الجزائري برمته صراحة ويشتمهم باقذع الفاظ السباب والفحش والفجور. فتراجع ابو حمزة المصري عن تاييدهم ونعتهم بالخوارج والتكفير. وهكذا انفض الجميع عن دعم ذلك الكابوس.
اما اهم خلاصات تجربة الجهاديين الجزائريين، فنوجزها في نقاط ثلاث:
ـ لقد كان الاسلاميون المعتدلون قد حددوا موقفهم من الجهاديين، وهو المنابذة، واتخذوه وسيلة لتبرئة انفسهم من تهمة الارهاب والتطرف امام الحكومات وامام الاجهزة الغربية، هذا فضلا عن الخلاف العقدي الحقيقي حول مسالة الديمقراطية التي ولغوا بها عمليا. وكانت سياسة الغرب كما اعلنها الرئيس الفرنسي الاسبق فرانسوا ميتران تقوم علي ضرب الاسلاميين المتطرفين بالاسلاميين المعتدلين، وقد فهم زعماء الصحوة الاسلامية اللعبة واستغلوها لصالحهم، وباع كثير منهم دينهم بدنياهم وآثروا السلامة والمكاسب باسم مصلحة الدعوة. (وهذه خلاصة دقيقة وبراغماتية تكشف الوجه الآخر لبدعة الاحتكار الفكراني للاسلام في المجالس النيابية لدول مسلمة من طرف احزاب اسلامية)، خدمة لاغراض سياسية اولا واخيرا.
ـ التاكيد علي رفض افكار الغلو والعدوان علي شعوب المسلمين وتهمتهم في دينهم وعقيدتهم وتكفيرهم ظلما وعدوانا، كما حصل من اولئك الاوباش المنحرفين في الجزائر.
ـ كانت الامور علي احسن ما يرام بين المؤلف و ابي قتادة الفلسطيني ومعاونيه، ومن نصر الجماعة الاسلامية المسلحة من عموم الجهاديين في لندن، من الليبيين والمصريين والجهاديين القادمين من شمال افريقيا وغيرهم، واتفق جميع هؤلاء علي نصرة الجهاد في الجزائر، وحاملة رايته الرئيسية، اي الجماعة الاسلامية المسلحة، وتغيرت الامور بالكلية منذ تولي ابو عبد الرحمن امين ومجموعته المنحرفة قيادة الجماعة مطلع 1995، حيث دب الخلاف الشديد بين جهاديي لندن منذ وقت مبكر حول الموقف من انحرافات الجماعة الذي بدأ بالبيانات المنحرفة وانتهي بالجرائم المرعبة. فكان ابو قتادة ومعاونه ابو الوليد الفلسطيني وادارة الانصار من الجزائريين في اتجاه مبرر مسوغ لافعال الجماعة وبياناتها بناء علي منطلقاتهم التي يعتبرونها سلفية في جهة، بينما كان المؤلف و قدماء الجهاديين من الجماعة المقاتلة الليبية وبعض المقربين من جماعة الجهاد المصرية في اتجاه آخر رافض لذلك. كما انقسم باقي الجمهور المطلع علي ذلك الخلاف، واكثرهم من جهاديي شمال افريقيا، بين الفريقين، علي ان الاكثرية منهم كانت مع ابي قتادة بحكم ما وصفه المؤلف بـ هيلمان المشيخة واجواء مصلي القاعة، والخطب النارية ومزاعم العقيدة السلفية، بالاضافة للحماس والجهل بحقائق الامور وعواقبها.
انتهت الشهادة التي نوجهها للمعنيين باستطلاع الراي سالف الذكر، ممن اعربوا عن تاييدهم لهدف تنظيم القاعدة: اقامة خلافة اسلامية.
وما دامت انتقادات ابي مصعب السوري صدرت منذ سنين خلت، سوف نعرج علي انتقادات حديثة التاريخ، وحررها عضو اسلامي (واسمه ابو احمد) في موقع تنظيم التجديد الاسلامي، في مقال نقدي يحمل عنوان ضد القاعدة في جزيرة العرب منهجا وليس فكرا، وقد توقف الناقد الاسلامي عند ما وصفه بـ الامراض المتفشيه والمنتشرة في اوساط الاخوة عموما وابناء البادية علي وجه الخصوص، ومنها:1 ـ التعصب بجميع الوانه وانواعه. 2 ـ ضيق الافق. 3 ـ سطحية النظر للامور. 4 ـ قلة الثقافة والعلم الشرعي القائم علي منهج صحيح من الكتاب والسنة واصول سليمة. 5 ـ العجلة والحماس والتسرع في الاحكام. 6 ـ سوء الظن في الآخرين. 7 ـ التحاكم للعاطفة وعدم ميل النفس الي الكتاب والسنة. 8 ـ عدم الرد العلمي الموضوعي المدعم بالحجج والبراهين العقلية او النقلية. 9 ـ عدم الالمام والاحاطة والشمول عند النظر او دراسة موضوع. (ابو احمد. ضد القاعدة في جزيرة العرب منهجا وليس فكرا. موقع تنظيم التجديد الاسلامي علي شبكة الانترنت، ومقره لندن. والمقال مؤرخ في 6/3/2007)وعلي غرار الانتقادات التي تعودنا علي قراءتها في المنابر الاعلامية المحسوبة علي حركات واحزاب الاسلام السياسي (17 ـ ولا نقصد بها التذكير بالحركات الاسلامية الدعوية او الجهادية، وانما الحركات الاسلامية التي انخرطت في اللعبة السياسية، من قبيل موجة العدالة والتنمية في المغرب وتركيا وماليزيا)، لا يمكن الاجهاز علي تمرير مثل الانتقالات الا عبر التقزيم او التخوين او الاتهام بالعمالة، ونقتبس اهم الردود التي صدرت في حق محرر المقال، من خلال اتهامه بانه مصاب بـ فصام في الشخصية. وكفي الله شر انتقادات ابي مصعب السوري وامثاله، وليس انتقادات بشير موسي نافع وامثاله.
نجدد طرح السؤال الحرام في تهديدات تنظيم القاعدة، ونقولها صراحة عندما نسائل رموز التدين الجديد واقطاب الدعاة الجدد، وفقهاء البلاط وفقهاء القصور الجمهورية وفقهاء البيت الابيض والبنتاغون وفقهاء الحيض والنفاس وفوق هؤلاء، فقهاء الحركات الاسلامية الدعوية والسياسية والجهادية.. افتونا من فضلكم: ما هو مشروع تنظيم القاعدة بالضبط؟8