ساحل العاج ومخاطر الديمقراطية ‘الناقصة’

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) قد يندهش كثيرون أمام الإجماع الذي ساد العالم شرقه وغربه لدعم معارض مسلم ليتولى حكم بلد ظل منذ نشأته تحت حكم نخبة مسيحية موالية للغرب، وهو إجماع لم نشهد مثله منذ أن دعم الغرب مسلمي البوسنة ضد مناوئيهم من الصرب والكروات. فما هو يا ترى السر في هذا الإجماع الذي يوشك أن يكون مريباً؟(2)الإجابة تكمن في كلمة، وفي الحقيقة في اسم، الحسن وتارا، وهو تكنوقراطي دفعت به الأحداث إلى واجهة السياسة في أحرج ساعات ساحل العاج، وجعلت منه رمزاً حين فجرت المحاولات المتكررة لإقصائه من الانتخابات الحرب الأهلية التي مزقت ساحل العاج منذ عام 2002 بعد أن رأت غالبية من أهل البلاد أن الحملة على وتارا هي مرآة للإقصاء الذي ظلوا يتعرضون له.(3)في الانقسام الذي ساد افريقيا فيما بعد الاستقلال بين القادة الراديكاليين المؤيدين للوحدة الافريقية والمتشددين في معاداة الاستعمار (من أمثال نكروما في غانا وسيكوتوري في غينيا ونيريري في تنزانيا) ومنافسيهم ممن اختاروا التعاون مع المستعمرين السابقين، كانت ساحل العاج تحت هوفويه-بوانيي، مع كينيا جومو كنياتا تجسد نموذج التعاون الوثيق مع الغرب الذي رأى فيه خصومهم ما يشبه العمالة، إلا أنه أكسب تلك الدول مزايا اقتصادية جعلتها من أكثر دول افريقيا رفاهية واستقراراً. (4)ولكن الحكم الأوتوقراطي الأبوي والرفاهية الظاهرة كانا يخفيان تحت السطح مشاكل عميقة، تمثلت في الانقسامات العرقية والدينية التي شجعها هؤلاء الحكام سراً وناوروا بها. وكما في معظم دول افريقيا المجاورة، فإن الانقسام كان في ساحل العاج كان بين الجنوب الذي تعمقت فيه جذور المسيحية والتغريب، وشهد فوائد التنمية والازدهار الاقتصادي، والشمال الذي تمسك بهويته الإسلامية وعانى التهميش والإهمال من قبل الاستعمار الفرنسي ثم بعد ذلك من قبل الحكومات الوطنية.(5)ظل الحسن وتارا المولود في عام 1942 بعيداً عن كل هذه التوترات خلال الحقبة الأولى من حياته العملية التي قضى أكثرها خارج البلاد، حيث التحق بصندوق الدولي في عام 1968 بعد تخرجه في جامعة أمريكية، ثم انتقل للعمل في البنك المركزي لدول غرب افريقيا في عام 1973 وتولى رئاسة بعثته في فرنسا ثم تدرج حتى أصبح نائباً لحاكم المصرف في عام 1983، ثم حاكماً للمصرف في عام 1988 بعد أن قضى الفترة بين عامي 1984 و 1988 في منصب مديرالقسم الافريقي في صندوق النقد الدولي.(6)في نيسان/ ابريل 1990، عين وتارا رئيساً للجنة الوزارية المسؤولة عن سياسة التركيز الاقتصادي في ساحل العاج مع احتفاظه بمنصبه كحاكم مصرف دول غرب افريقيا، قبل أن يعين رئيساً للوزراء في تشرين الثاني /نوفمبر من ذلك العام، ويتولى أيضاً مهام الرئاسة بسبب غياب هوفييه-بوانيي للعلاج. وعقب وفاة الأخير في كانون الاول/ ديسمبر عام 1993، وتخطي وتارا لمنصب الرئاسة لصالح رئيس الجمعية الوطنية كونان بيدييه، استقال وتارا من رئاسة الوزارة وعاد للعمل في صندوق النقد الدولي حيث عمل نائباً للمدير حتى عام 1999.(7)ولكن يبدو أن خصوم وتارا كانوا يخشون شعبيته حتى وهو خارج البلاد، فقام بيدييه بتعديل قانون الانتخابات لحرمان وتارا من الترشح بدعوى أن والدته كانت تنحدر من بوركينا فاسو. ولكن حزباً معارضاً رشح وتارا للرئاسة برغم القانون ورغم غيابه. وعندما أعرب وتارا عن نيته العودة للبلاد في عام 1999، استصدر خصومه قراراً قضائياً بإلغاء شهادة جنسيته ومذكرة باعتقاله. ولكن انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس بيدييه في كانون الاول/ديسمبر، فعاد وتارا للبلاد.(8)إلا أن الحكومة العسكرية الجديدة استمرت في سياسة سابقتها حيث أجازت في عام 2000 دستوراً استخدمت نصوصه لحرمان وتارا من التنافس في انتخابات ذلك العام. هذا لم يمنع من إطاحة قائد الانقلاب الجنرال روبرت غوييه في انتفاضة شعبية-عسكرية لصالح منافسه لوران باغبو الذي تولى الرئاسة وسار على سياسة إقصاء وتارا. وقد أوشكت الانتفاضة العسكرية-المدنية التي تفجرت في ايلول/سبتمبر 2002 أن تطيح بباغبو لولا تدخل فرنسا المباشر. وفي هذه الاضطرابات تم اغتيال غوييه وأحرق منزل وتارا الذي لجأ إلى السفارة الفرنسية.(9)حرم وتارا كذلك من المنافسة في انتخابات 2005، ولكن الضغوط الدولية ووساطة من جنوب افريقيا فرضت على باغبو السماح لوتارا بالمنافسة في انتخابات 2010، وقد اتضح أن مخاوف خصوم وتارا من شعبيته كانت في محلها، حيث اكتسح الرجل الانتخابات الرئاسية رغم كل مناوراتهم، وألجأهم مرة أخرى إلى أساليبهم القديمة.(10)الدرس المهم من النزاع في ساحل العاج ليس هو أن الدكتاتورية زائلة لا محالة، بل هي أن الديمقراطية الانتخابية ليست هي الوسيلة الأمثل لحل النزاعات في المجتمعات التي تعاني الانقسامات العميقة والاستقطاب الحاد. فلكي تستقر الديمقراطيات لا بد من حسم القضايا التي تخلق الاستقطاب خارج إطار العملية الانتخابية، وذلك عبر ‘مواثيق وطنية’ وترتيبات أخرى تضمن مصالح كل طرف وتحترم قيمه وهويته. وبخلاف هذا فإن الانتخابات قد تكون أول مراحل الحرب، كما شهدنا في لبنان ويوغسلافيا ورواندا والسودان وغيرها.(11)من هنا فلعل حماس المجتمع الدولي لتنصيب وتارا بالقوة رئيساً لساحل العاج قد لا يكون موفقاً ما لم يسبقه جهد دولي وإقليمي للتغلب على مسائل الخلاف التي قسمت وتقسم البلاد. صحيح أن باغبو وأنصاره يمثلون، مثلهم في ذلك مثل متطرفي الهوتو في رواندا وأنصار ميلوسوفيتش في صربيا، وكثيرون غيرهم، أقبح تجليات الفكر والممارسات الإقصائية العنصرية، ولن يستقيم لساحل العاج شأن ما لم يتم تحجيم هذه التيارات. ولكن الأمر يحتاج إلى كثير من الحكمة من أجل إقناع الغالبية بالابتعاد عن هذه التيارات الهدامة. وربما يكون استخدام العنف مناسباً في بعض الأحيان، كما حدث في كوسوفو والبوسنة حين تضع هذه القوى العنصرية العالم امام خطر الإبادة الجماعية للأبرياء أو تدمير البلاد وتهديد السلم الإقليمي. ولكن العنف لا يكون بديلاً عن توافق سياسي يضمن الاستقرار على أساس التراضي وليس على أساس القوة العسكرية، خارجية كانت أم داخلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية