تبدأ «قصة حصار لشبونة» من خطأ ارتكبه، عامدا، مصحّح مخطوط روائي يؤرخ لتلك الواقعة. رايموندو سيلبا وهذا اسمه، رأى في ما هو يتقدّم في القراءة، أن عليه أن يضع كلمة «لا» بدل «نعم»، بدعوى أن الكاتب أخطأ الحقيقة.
وبعد أن سلّم النسخة مصحّحةً انتظر أن يُتّصل به من دار للنشر لمعاقبته. وهو استُدعي إلى هناك صبيحة اليوم التالي، حيث سيجد أنهم نصّبوا امرأة هي ماريا سارة مسؤولة عن قسم المصحّحين. من لحظة التقائه بها ساورته مشاعر متضاربة حيالها، هي مزيج من الإعجاب برقّتها، والخوف من العقاب الذي ستصدره بحقّه. لكن، في اللقاء التالي معها، طلبت إليه أن يتعدى كونه مصحّحا ليصير كاتبا (وفي الرواية صفحات تفصّل الفارق بين المصحّح والكاتب)، بأن يكتب من وجهة نظره الرواية التي قام بتصحيحها، أي أن يقيم الرواية على قاعدة أن الصليبيين، الراسية سفنهم على الشواطئ هناك، رفضوا مساعدة البرتغاليين وليس العكس. ربما يعينه على الكتابة كونه يقيم في لشبونة، حيث جرت وقائع ذلك الحصار الذي انتهى بسقوط لشبونة المسلمة، وبالذات في الحي القديم من المدينة، المطل على ما بقي من الأسوار القديمة.
يتداخل في الرواية زمنان إذن، أولهما عام 1147، سنة سقوط لشبونة المسلمة في أيدي البرتغاليين، ثم أواخر القرن العشرين، حيث يُصحّح ذلك التاريخ، وحيث نتعرّف على شخصية المصحح رايموندو سيلبا، المتسائل دائما عن معنى وجوده وإحساسه بضآلته، ثم علاقته برئيسته التي تحوّلت في الرواية، من دون سوابق حدثيّة مفهومة، إلى علاقة غرامية. هما زمنان راح الروائي جوزيه ساراماغو يتنقّل بينهما، واصفا وقائع الحصار ثم عائدا إلى ما يعيشه المصحح سيلبا، مرة بعد مرة بعد مرة. كان على الروائي أن يبتكر ما لا حدّ له من المداخل إلى الزمن الآخر (الثاني)، كي لا يكون ذلك الانتقال نمطيا ومتكررا. وهو رأى، في كثير من المرّات، ألا ينتظر المسوّغ السردي ليقوم بذلك، تاركا لنفسة حرية تبديل الزمن من دون لجوء إلى ما يهيّئ لذلك.
لكن ما يميّز بين الزمنين، أو رواية الزمنين، هو اللغة التي كتب بها كلّ منهما. لغة كتابة التاريخ ينبغي لها أن توحي بقِدَمه ورسوخ أحداثه وجلالها، فيما لغة الراهن مماثلة له في نثريتها وقلّة بلاغتها. في الكتاب روايتان، لكل منهما لغتها وفضاؤها الوصفي والتصوري، ذلك يرجع ربما إلى أن الماضي تم إنجازه واكتمل، فيما الحاضر غارق في احتمالات التشكل المتناقضة، فيكون بذلك مشتتا خاليا من الرفعة الأدبية.
وفي كلتي الحالين لا يتوقف سرد ساراماغو هنا عن التهكم. من المفهوم أن شخصية بطله سيلبا تحتمل ذلك، إذ هي دائمة التساؤل عن وضاعتها وتهافت معناها. لكن أن تدخل السخرية في أساسات ذلك الحدث التاريخي، رغم كميات الدماء التي سالت فيه، والأرواح التي أزهقت، وكلها موصوفة في الرواية، سواء ما تعلّق بسقوط لشبونة أو بسقوط شنترين من قبْلها، فهذا ما احتاج من الكاتب إلى النيل من قيم النبالة الأخلاقية والقداسة الدينية والأخلاقية عامة، وليس في ما يختص فقط بسقوط لشبونة. فالصليبيون رفضوا الاشتراك في معركة إسقاط المسلمين، بعدما رأوا أن الأمير دون ألفونسو هنريكس، لن يجزيهم من المال ما يوازي خوض غمار تلك المواجهة، لكن من عاد منهم واستلحق الاصطفاف في القتال كانت أحاسيسه، من قبْل، متحجرة تجاه حب الوطن، وغير مكترث بمستقبل الأجيال «قد استفاقوا الآن بدافع الحب الشيطاني للربح، الذي أنهض هممهم، وقدح زناد تفكيرهم». أما المسلمون، عند استشعارهم بسقوط أسوار مدينتهم «حاولوا إنقاذ أبدانهم باللجوءإلى ما يدين أرواحهم المسلمة: اتخاذ القرار المتعجّل بالتعميد المسيحي».
كما يطال ذاك الانتقاد الساخر للقيم كلَّ ادعاء بحملها، وفي كل زمن «فالأمجاد التي لا تجد لسانا يلهج بها تفقد الكثير من الدوافع إليها». أما السخرية الأهم فنقرأها في الصفحات الأولى من الرواية، حيث التراوح بين «نعم» و»لا»، فكلاهما قد يكون هو الصحيح، أو على القدر ذاته من الصحة، في تلك الواقعة التاريخية. ولا يقتصر تناول التاريخ على إظهار الوجهين المتناقضين لواقعة لشبونة، إذ يحفّزنا ساراماغو على أن نحمل وقائع التاريخ كلها على طريقته في التناول. كما انه يشمل بذلك العلاقات الثنائية بين شخصين فردين، ومنها العلاقة الغرامية بين شخصيتي موجيمي (المحارب) وأوروانا (السبية)، حيث الرغبة العميقة ينقلها الكلام بلغة متهكمة ساخرة.
علي عبد الرؤوف البمبي، ناقل الرواية إلى العربية أرشدنا في مقدمته إلى ما ينبغي أن نتزود به قبيل قراءتنا لها، ذلك يشبه ما كتبه نقاد فسّروا مغاليق روايات منها، بل وفي طليعتها، رواية «عوليس» لجيمس جويس، التي ترجمها طه محمود طه. ما دعا البمبي إلى ذلك هو، قابلية نصوصها للتأويلات المختلفة وتعقد بنيتها وتداخل سردها، وخلوها من علامات التعجب والاستفهام، والعلامات المميزة للجمل الاعتراضية، كما العلامات الدالة على الاقتباس والتضمين، وكذلك إدخال الحوار بين الشخصيات بعضه ببعض إلخ.
«قصة حصار لشبونة» رواية جوزيه ساراماغو نقلها إلى العربية، بترجمة فذّة، علي عبد الرؤوف البمبي في 396 صفحة. صدرت عن منشورات الجمل – سنة 2020.
٭ روائي لبناني