أحيانا تغيب عني برائتي وتحضرني فراسة المؤمن ومنهج ‘ديكارت’ معا فأتساءل أسئلة تتعبني وتقض مضجعي لأنني لا أجد لها أجوبة إلا بعد جهد جهيد أستعين فيه بالبيان والتبيين للجاحظ وبمبدأ ‘البينة على من إدعى.. واليمين على من أنكر’ لأن الفكرة أو الموقف أو الرؤية هي بالضرورة إدعاء وجب إثباته بحجج ومبررات منطقية حتى يجد قبولا لدى من نرغب إبلاغه، ومنذ أيام قريبة شاهدت الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في نشرة الأخبار عند زيارتهما ليبيا وتابعت المؤتمر الصحافي بإهتمام، فرأيت ما لم أستغربه من الرجلين:- وأكثر ما أضحكني في وقت يعز فيه الضحك هو تدخل الرئيس الفرنسي وهو يجيب أحد الصّحافييّن قائلا ‘إن تدخل فرنسا في ليبيا كان بدواعي إنسانية وأن ما يُردد حول إبرام عقود تفاضلية لفائدة الشركات الفرنسيّة أمر لاأساس له من الصّحة، فالرّجل وهو يقول ذلك إرتفع حاجباه وقام بحركة لا إرادية بيده بالإضافة إلى إلتفاتة ذات اليمين وذات الشمال ثم صدح بما أسلفنا بطريقة مسترسلة توحي بأنه يحفظ تلك السمفونية عن ظهـــــر قلب بل أنه قالها إستـــــطرادا وليس إجابة على سؤال وهو ما يدل على أنّه مصر عل قول تلك الفكرة منذ أن كان في الشان زيليزي، المهم أن الرجل تنقصه حنكة في الدراما وجب عليه تلقي دروس فيها من الممثل البارع بشار الأسد الذي لا يرتبك عن الإدلاء بإفادة من ذلك النّوع. الحقيقة أن ساركوزي هذا مضحك جدا عندما يهم بالكذب فملامحه تخونه فيبدو ‘كّذابا فاشلا’ بمعنى أنّه سياسي فاشل لأنّ السّياسة بالمفهوم الحديث هي فنّ الكذب، فساركوزي هذا لو لم تسعفه اللّوبيات للوصول إلى الحكم حتما كان سيعيش فقيرا لأنّه ببساطة غبيّ في السّياسة فاشل في التّمثيل ولا يمتلك بنية رياضي بارع وهي في عالمنا اليوم المواهب الثلاث السحرية لتكون غنيّا. لذلك ومن الأخير كما يقولون نقول لساركوزي كلمات ليست كالكلمات قد تجعله يراجع بعض المسلّمات عن الشعوب في شمال إفريقيا.
يا سيّد ساركوزي ‘إن كنت تظنّ أن تلك الشعارات التي إستنبطها من بوش سوف تخدعنا فأنت واهم لأننا سلفا نعلم بأنّ تدخل فرنسا في ليبيا لم يكن له علاقة بالعواطف الجيّاشة وكلام العشاق الذي تردده على مسامعنا ونعلم أنّ الثّمن سيكون منطقا مفاضلة على المستوى الإقتصادي لفائدة فرنسا مقايضة للتخلّص من جبروت حاكم ظالم أبتلي به الشعب الليبي ونعلمك يا سيّد ساركوزي بأن شعوب هذه المنطقة بارعة في الإختيار بين أمرين أحلاهما مرّ وبالطّبع بعد المقارنة تبيّن أنّ تدخل الناتو في تلك الضرفية بالذات كان أقل مرارة على الشعب الليبي من توجه قوات القذافي إلى بنغازي لسحقها، بالإضافة إلى ذلك فإن الدّواعي الإنسانية التي كانت سببا في تدخل فرنسا لم تكن تساوي شيئا أمام مشاعر التضامن والأخوة التي كانت لدى الشعوب العربية تجاه الشعب الليبي لكنها للأسف لا تملك الترسانة التي تملكون فكان التّعبير عن تضامنها مع الشعب الليبي الثائر بطرق أخرى مستمدّة من قول سيّد الخلق عليه الصلاة والسّلام’ (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة). وكما يقول المثل العربي’لست بالخِبّ وليس الخبُّ يخدعني’ لذلك نرجو من كل السّاسة في العالم أن يتخلّصوا من كلمة ‘دواعي إنسانية’ لأن التّقادم فعل فعله فيها بحيث أنّ قيمتها أصبحت تساوي صفرا.
وختاما أقول أنّه بقدر ما كان ساركوزي موغلا في الكذب فإنّ السّيد عبد الجليل كان موغلا في الصدق والطّيبة لدرجة تجعلنا نتأكد من أنّه فعلا يمثّل إستثناء في عالم السّاسة اليوم الذين يعملون بمأثور مستشار هتلر الذي يقول له ‘إكذب ثم إكذب ثم إكذب.. لا بد أن يعلق شيء’. فرحات طويل[email protected]