ساركوزي صديق فرنسا لا غير

حجم الخط
0

د. دهام محمد العزاوي اثار فوز مرشح اليمين الفرنسي نيكولا ساركوزي بانتخابات الرئاسة الفرنسية قبيل ايام حفيظة الكثير من النقاد والمحللين العرب حول المستقبل الذي ستؤول اليه السياسة الفرنسية حيال العالم العربي في عهد الرئيس الجديد للاليزيه، لا سيما وان هؤلاء النقاد قد اخذوا علي ساركوزي وهو يقود حملته الانتخابية جملة من الملاحظات التي ربما ستكون ضمن اولوياته الرئيسة عند تمركزه في القصر الباريسي ولعل اهمها:

ـ علاقته الحميمة مع الولايات المتحدة واعجابه بالنموذج الامريكي في الديمقراطية وتاكيده اثناء خطاب الفوز ان علاقته مع الولايات المتحدة ستكون علاقة تحالف استراتيجي، مما دفع بالرئيس الامريكي جورج بوش الي ان يكون اول المهنئين لساركوزي بالفوز الرئاسي.

ـ ميله الي اسرائيل فقد عرف عنه زياراته المتكررة لاسرائيل وقيامه ببناء علاقات سياسية واجتماعية مع عدد كبير من سياسييها وابرزهم رئيس الوزراء السابق شارون الذي اطلق اسم ساركوزي علي احد الطوابع البريدية تقديرا لعلاقات الصداقة والجهود التي بذلها ساركوزي حيال اسرائيل، وقد شكلت عبارات الثناء التي اطلقها ساركوزي علي اسرائيل احد مصادر الدعم القوي الذي تلقاه من الجالية اليهودية في فرنسا والتي اعطت غالبية اصواتها للمرشح الصديق. كما شكلت عبارات الهتاف والتاييد التي ابداها كثير من الاسرائيليين حيال فوز ساركوزي دليلا علي مقدار القوة والمتانة التي ستكون عليها العلاقات الفرنسية ـ الاسرائيلية.

ـ ينظر الكثير الي ان سياسية فرنسا حيال العالم العربي ستتغير في عهد ساركوزي نظرا للسجل الحافل لهذا الرجل في كثير من القضايا حينما كان وزيرا للداخلية واهمها استخدام وسائل القمع والعنف ضد اعمال الشغب التي قام بها المهاجرون واغلبهم من اصول عربية وافريقية حيث وصفهم ساركوزي بالرعاع، فضلا عن موقفه من قضية الحجاب في فرنسا حيث كان المهندس الاول لقانون منع الحجاب في المدارس الفرنسية، كما انه من الداعين باستمرار الي اقامة ما يسميه بالاسلام الفرنسي الذي يعطي للمسلمين الفرنسيين خصوصية فرنسية تؤهلهم للاندماج في المجتمع الفرنسي بعيدا عن حواضنهم الاسلامية.

ان هذه الملاحظات وغيرها يبديها المتشككون في ساركوزي، وهو لم يطأ بعد باقدامه قصر الاليزيه، ولذلك لن يكون من الانصاف ان نحاجج الرجل في قضايا كانت لها ظروفها المتعلقة باجواء الانتخابات والرغبة الملحة في كسب تاييد نصيب اكبر من الاصوات، كما ان الكثير من تصريحات ساركوزي حيال امريكا واسرائيل قد جردت من مضمونها الرئيس او احيانا قطعت بعض عباراتها المتممة وعلي طريقة لا تقربوا الصلاة، فتصريحاته التي ايد فيها الولايات المتحدة اكد فيها انه معجب بطريقة الحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة واعجابه الشخصي شيء وتنفيذه لسياسة دولة كبري مثل فرنسا شي اخر، فمن المعروف ان فرنسا تعد منذ منتصف الستينات منافسا سياسيا للولايات المتحدة في كثير من مناطق العالم سواء في اوروبا او افريقيا او العالم العربي، ولهذا لن يكون بمقدور ساركوزي ان يحرف السياسة الفرنسية عن مسارها المتعارف عليه سابقا في تصديها للكثير من السياسات الامريكية التي لا تتوافق مع مصالحها العالمية، وفي مقدمتها استقلالية السياسة الاوروبية عن النفوذ الامريكي والموقف من الهيمنة الامريكية علي الامم المتحدة وعلي منظمة التجارة العالمية، فضلا عن الموقف من الحرب الامريكية ضد العراق والتي دعا ساركوزي الولايات المتحدة الي سحب قواتها من هذا البلد. اما عن اسرائيل فمثلما ايد ساركوزي اسرائيل فانه ايد كذلك الشعب الفلسطيني وأيد حقه في دولة مستقلة وهو ربما في موقفه هذا اكثر فلسطينية من كثير من الفلسطينيين والعرب الذين يتآمرون علي القضية الفلسطينية ويتحالفون مع اسرائيل لبناء الجدران والعوازل ويرفضون فك الحصار عن السلطة الفلسطينية لعوامل ايديولوجية وخلافات سياسية مما زاد من معاناة اخواننا في فسطين وعمق من ازماتهم المتواصلة، ما نود تأكيده ان ساركوزي وغيره ممن يتسلمون مقاليد بلدانهم سيجدون انفسهم مرتهنين بثوابت سياسية لدولهم لن يكون بمقدورهم تغييرها بسهولة ولا سيما في الدول ذات التاريخ الدستوري والسياسي العريق كفرنسا التي عرفت بعلاقاتها القوية بالعالم العربي كما عرفت كذلك بعلاقاتها الحميمة باسرائيل، فهي التي اعترفت باسرائيل حال قيامها عام 1948، وهي التي شاركت معها في عدوان 1956 ضد مصر، وهي بنت اول مفاعل نووي لها في ديمونة عام 1958، ولكنها هي ايضا من وقفت الي جانب حقوق الشعب الفلسطيني ونضالاته المستمرة وهي التي اقرت بحقوق الشعب الجزائري في الاستقلال فانسحبت واعترفت بالجزائر دولة مستقلة، وهي التي ساهمت في بناء مفاعل تموز النووي العراقي في عهد صديق اسرائيل ميتران كما انها هي التي زودت العراق باسلحة متطورة في حربه مع ايران واهمها طائرات السوبر اتيندر البحرية التي كان لها دور مؤثر في تلك الحرب، وهي نفسها التي وقفت لاحقا ضد العراق عام 1991 وساندت الولايات المتحدة في حصارها العراق ولاربعة عشر عاما راح ضحيته اكثر من مليون عراقي. هكذا هي فرنسا الدولة الباحثة عن المصالح في كل زمان ومكان فهي تتعامل بواقعية السياسة التي تفترض ان لا صديق دائما ولا عدو دائما انما مصالح دائمة وهذه المصالح هي مسؤولية سياسية واخلاقية في عنق من يتولي ادارة ا لحكم، ولهذا فنحن نعتقد ان ساركوزي لن يكون صديقا إلا لفرنسا التي احبها ولن يفي إلا الي الشعب الفرنسي الذي اعطاه ثقته وهو لا ينظر الا الي مصالح شعبه حيثما كانت ولا يهمه فيما اذا وافقت مصالح العرب ام عارضتها وهو في هذا التوجه يوافق غيره من رؤساء فرنسا الكبار من امثال شارل ديغول وبومبيدو وديستان وميتران وشيراك، ربما سيكون للعامل الشخصي ولمؤهلات ساركوزي دور في صبغ السياسة الفرنسية ببعض بصماته الشخصية ولكنها في كل حال لن تكون شبيهة بالبصمات التي يتركها حكامنا العرب علي سياسات بلدانهم. ہ باحث واكاديمي عراقي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية