ساركوزي طعنهم في الظهر وروايال اخف الاضرار

حجم الخط
0

عرب ومسلمو فرنسا عشية الدور الثاني للرئاسيات

باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله:

اورد المعهد الفرنسي لسبر الآراء (C.S.A) ان المسلمين بفرنسا صوّتوا في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية للمرشحة الاشتراكية سيغولين روايال بنسبة 64 بالمئة، في حين لم يحصل فرانسوا بايرو مرشح الوسط سوي علي 19 بالمئة من اصواتهم رغم نداء اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، أحد أهم التنظيمات الإسلامية في هذا البلد، للتصويت له. وكما كان متوقعا، لم يصوت أكثر من 1 بالمائة من المسلمين للمرشح اليميني نيكولا ساركوزي.

الأسئلة التي تبادرت إلي الأذهان غداة الإعلان عن نتائج الدور الأول للرئاسيات الفرنسية وفشل فرانسوا بايرو في اجتياز الامتحان الأول، دارت حول جدوي القرار الذي اتخذه اتحاد المنظمات الإسلامية ومدي صواب تحليل مسؤوله السياسي الذي قادهم إلي المراهنة علي حصان خاسر، حسب العديد من الملاحظين.

في هذا السياق يري مصطفي الطوسة، المحلل السياسي والصحافي المغربي الأصل المقيم في باريس، أن اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا صوّت لبايرو وفق استراتيجية عقابية ضد ساركوزي بعد وقوف هذا الأخير في قضية المجلة الساخرة شارلي إيبدو إلي جانب رئيس تحريرها فيليب فال في الدعوي القضائية التي رفعها ضده الاتحاد والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. مما يوحي أن الرغبة في إفشال المرشح اليميني كانت أهم حافز في اتخاذ هذا القرار. وحسب مصطفي الطوسة، يعتقد مسؤولو الاتحاد و الدكتور دليل بوبكر رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، يقولون ان ساركوزي هو مَن حثهم علي رفع الدعوي القضائية ضد مجلة شارلي إيبدو ثم سارع إلي مساندة رئيس تحريرها علي حسابهم. نتيجة لما رأوا فيه نوعا من الخيانة والنفاق السياسي، دعوا إلي التصويت لبايرو لتصفية حساباتهم مع ساركوزي. ساركوزي أصلا قريب من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وهو الذي شجع علي تأسيسه. لكنه فضل مؤخرا فك ارتباطه، أو ما يمكن وصفه بتحالفه، في هذه المرحلة السياسية مع اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وغيرها من الهيئات التمثيلية للمسلمين في هذا البلد مفضلا التحالف مع المنظمات الممثلة للطائفة اليهودية في فرنسا. وكان من نتائج هذا التطور ان اليهود اختاروا ساركوزي حتي في إسرائيل حيث صوت له أغلب مزدوجي الجنسية الفرنسية ـ الإسرائيلية. أما المسلمون فتحولوا عنه بمنطق انتقامي لصالح اليسار والوسط. موقف يذكر المحلل المغربي مصطفي الطوسة كثيرا بما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات عندما صوّت الجزائريون للجبهة الإسلامية للإنقاذ انتقاما من جبهة التحرير الوطني. ويعتقد الطوسة ان هذا السلوك العقابي لم يكن مقتصرا علي المسلمين، بل كان الدافع الأساسي لتصويت العديد من بقية الفرنسيين لمرشح اليمين الوسط من أجل الخروج من الحلقة المفرغة لاحتكار اليمين واليسار للحياة السياسية، رغم أن أغلبهم لا يتصورون أن بايرو بإمكانه أن يصبح رئيسا. ويوضح الطوسة ان اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا لم يخطأ باتخاذه قرار دعم بايرو، بل كان موقفه رد فعل سليما، ولو لم يتخذ هذا الموقف لبدا الأمر غريبا، لأن ما قام به ساركوزي تجاهم وتنكره لهم في قضية المجلة كان يستوجب الرد. من جهته يري الدكتور محمد المستيري، مدير المعهد العالمي للفكر الإسلامي في باريس، أنه كان من الأفضل أن لا تأتي توصيات للانتخاب لأي طرف متسائلا هل يختلف بايرو عن الآخرين بالنسبة لمصالح الجالية العربية الإسلامية مما يستدعي التوصية بمنحه أصوات المسلمين؟. ويذكِّر المستيري، التونسي الأصل، بموقف بايرو من الحجاب، إذ كان وراء التعليمات الوزارية التي تمنع ارتداء الحجاب في المدارس في عام 1994 عندما كان وزيرا للتربية والتي ستتطور بعد ذلك إلي القانون الذي صدر في اذار/مارس 2004 ليمنع ارتداء الرموز الدينية في المدارس وأماكن العمل. كما أن موقفه في قضية محاكمة فيليب فال، رئيس تحرير شارلي إيبدو، لم يكن مختلفا عن موقف ساركوزي، بحسب المستيري. لذلك، يقول المستيري ان دواعي توصية اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا للمسلمين بالتصويت لبايرو لم تبد لي واضحة، وكان أجدر بهذه الهيئة الصمت وترك المسلمين والعرب أحرارا في اختيار مرشحيهم. وشدد علي أن المطلوب من مثل هذه الهيئات ومختلف المنظمات العربية والإسلامية، علي اختلاف إيديولوجياتها ومنطلقاتها العقائدية، تقديم التحليل السياسي والإعلامي للجالية فقط وتركها تقرر بنفسها. بالنسبة للدكتور المستيري، تعكس نسبة 64 بالمئة من أصوات المسلمين التي تحصلت عليها روايال في الدور الأول كما ورد في استطلاع الـCSA، أيضا الوزن الحقيقي لـ اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا الذي يعتبره أقلية حتي من الناحية الدينية علي حد تعبيره، مضيفا أن الجالية العربية والإسلامية في فرنسا لها أصوات أخري تؤثر في توجهاتها وهي أصوات دينية وحقوقية ونقابية وحتي حزبية منخرطة في الاحزاب الفرنسية. وأشار المستيري إلي وجود مؤشر آخر علي ما يقول، وهو تراجع الإقبال هذا العام علي التجمع السنوي الربيعي في ضاحية البُورْجِيه الباريسية الذي ينظمه الاتحاد كل سنة. في محاولاتها العديدة منذ فترة للاتصال بمسؤولي اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا للاستفسار عن دوافع اختيارهم لفرانسوا بايرو وارتدادات ذلك علي مصداقيتهم، لم تتحصل “القدس العربي” في كل مرة سوي علي وعود كاذبة بالرد علي أسئلتها لأسباب مجهولة.

وحاولت “القدس العربي” استطلاع رأي القائمين علي مسجد باريس من هذه القضية، الا انهم لم يبدوا رغبة في التعليق علي توصية التصويت لمرشح الوسط والسلوك الانتخابي الفعلي لمسلمي فرنسا في الدور الأول من الرئاسيات توخيا للحياد في الانتخابات، علي حد تعبير أحد مسؤولي المسجد.

وأعرب مصدر مقرب من عميد المسجد دليل بوبكر عن دهشته، ودهشة دليل بوبكر نفسه، من الأرقام التي قدمها معهد C.S.A لسبر الآراء، ولكيفية الحصول عليها وتوقيت نشرها في خضم سريان الانتخابات. غير أن مسجد باريس يحتفظ بحقه في إثارة هذه التساؤلات بعد مرور الانتخابات.

غير ان جوليان غواران، مسؤول الدراسات في معهد CSA، دافع عن معهده وما توصل اليه من نتائج. وابلغ صحيفة لاكروا إن العملية لا تشوبها شائبة قانونية لان القانون الفرنسي يبيح أن نستطلع رأي الناخب بعد قيامه بالتصويت وحتي بسؤاله عن معتقده الديني.

واوضح جوليان ان الاستطلاع الذي قامت به مؤسسته مسّ 5001 شخص من مختلف المعتقدات وليس المسلمين فقط، أجابوا علي حوالي 50 سؤالا من بينها أسئلة موحّدة حول الدين. أما عدد المسلمين الذين شكلوا العينة التي انبثقت عنها الأرقام التي نشرتها يومية لاكروا فهو 100 شخص، حسب نفس المصدر. هل يعكس استجواب 100 شخص الاتجاه الموجود علي أرض الواقع؟ بالنسبة لجوليان غواران، الجواب ايجابي: بطبيعة الحال ليس بالشكل الأمثل، لكنه يقدم نسبا علي قدر كاف من الوضوح، و في الحالة التي نتحدث عنها كانت النسب المتوصل إليها مماثلة لنسب رئاسيات 2002 حول توزع أصوات الجالية المسلمة بين المرشحين.

مهما كانت النتائج، يري المحلل مصطفي الطوسة ان المسلمين ساهموا في نجاح بايرو بنسبة تفوق 18 بالمئة. كما أوصلوا رسالة مهمة إلي بقية المرشحين ليُطوّروا سلوكهم تجاه الجالية المسلمة في المستقبل، اضافة الي ان هذه الانتخابات عكست بداية لتنظيم الجالية العربية الإسلامية في فرنسا لنفسها، وأعتبرها بداية ناجحة رغم كل ما قد يقال عنها. واضاف الطوسة ان كل المؤشرات تؤكد ان العرب والمسلمين بشكل عام من جهة، والأفارقة من جهة أخري، يتجهون نحو تنظيم أنفسهم سياسيا في هياكل علي شاكلة التنظيمات اليهودية التي أصبح لها تأثير قوي في الحياة السياسية الفرنسية علي غرار المجلس الـتمثيلي للطائفة اليهودية المعروف اختصارا بـ كريف. وقال: هذه الظاهرة نعتبرها إحدي المميزات الخاصة برئاسيات 2007 في فرنسا، إذ تؤشر علي أن الأقليات مرشحة للعب دور أكبر في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

بالنسبة لمصطفي الطوسة كما لمحمد المستيري، كل المؤشرات تدل علي أن برنامج روايال أقرب إلي مصالح الجالية العربية الإسلامية في فرنسا، بل أن لا خيار للمسلمين في هذا البلد في الظرف الحالي غير التصويت للاشتراكيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية