مالك التريكي
في برهنة مشهودة على قوة الإرادة الشعبية وقدرتها على تحقيق نتائج ناجزة، أدت أربع ساعات من المظاهرات أمام مجلس النواب في داكار، الخميس، إلى حمل رئيس السنغال عبد الله واد على العدول عن مشروع قانون التعديل الدستوري الذي كان يريد تمريره عبر البرلمان ليحقق حلمه في إقامة ‘جملكية’، على الطريقة المباركية، تضمن لنجله كريم واد وراثة منصب الرئاسة الذي لما يشبع منه الأب بعد. ذلك أن عبد الله واد يعتزم الترشح لولاية ثالثة العام القادم، علـى أن يكون ابنه هو المرشح لمنصب نائب الرئيس. وقد بلغ الجشع السياسي برئيس السنغال، رغم أنه شيخ ‘يدق على التسعين بإلحاح’، حد تضمين مشروع قانون التعديل الدستوري بندا ينص على أن الحصول على مجرد 25 بالمائة من الأصوات في الدورة الأولى سوف يكون كافيا للفوز! لكن رغم مظاهر الخرف التي بدأت تظهر على عبد الله واد، فإنه لا يزال يتخذ في بعض الحالات مواقف تذكر بما كان يمتاز به من ذكاء وبعد نظر عندما كان عميدا لكلية الحقوق والاقتصاد في داكار وزعيما للمعارضة في عهد الرئيسين سنغور وعبدو ضيوف. فقد روى عبد الله واد أخيرا أنه تحادث هاتفيا مع القذافي، منذ بدء غارات التحالف الغربي في 19 آذار (مارس)، ثلاث مرات كان آخرها في ايار (مايو)، وأن القذافي قال له: ‘أخبر ساركوزي أنه إذا أوقف كل هذا، فسأشتري منه محطات نووية، وسأعطيه نفطا وكل ما يريد’. وقال عبد الله واد إنه هو الوحيد من جميع قادة دول الاتحاد الإفريقي الذي يستطيع مواجهة القذافي بالحقيقة ‘لأني أنا الوحيد الذي لست مدينا له بأي شىء’. ولهذا فقد نصحه مرارا بالتنازل عن السلطة قبل فوات الأوان وتولي المحكمة الجنائية الدولية أمره، لكن القذافي ‘لم يستجب لي البتة لأنه كان يعتقد دوما أن الاتحاد الإفريقي سوف يحميه’وحتى اليوم يظل عبد الله واد، الذي انتقد سلبية قادة الاتحاد الإفريقي وصمتهم المتواطىء مع القذافي، هو رئيس الدولة الوحيد الذي زار بنغازي، حيث اجتمع في التاسع من هذا الشهر مع أعضاء المجلس الوطني الانتقالي. وقال في خطاب هناك، موجها كلامه إلى القذافي: ‘لقد وصلت إلى السلطة بانقلاب قبل أكثر من أربعين سنة. ولم يحدث أن نظمت أي انتخابات. العالم بأسره يعرف أنك أقمت حكما دكتاتوريا. إني أقول لك، وأنا أنظر في عينيك، إن عليك أن تنسحب من السياسة. كلما عجلت بالانصراف كلما كان أفضل’. وقال عبد الله واد إنه اتصل بعلي عبد الله صالح، قبل يومين من تعرضه للإصابة في الهجوم الذي استهدف قصره، وعرض عليه اللجوء السياسي في السنغال. وأضاف أنه حاول الاتصال مرارا ببشار الأسد، لكن الرئيس السوري امتنع عن الرد على التلفون… الغريب أن عبد الله واد، الذي ينصح الحكام العرب بالنزول عند إرادة الشعب، قد صار هو الخطر الحقيقي على مستقبل شعب السنغال التي هي أكثر دول غرب إفريقيا استقرارا وليبرالية. إذ تتميز برسوخ تقاليد حرية الصحافة والتداول على السلطة، وقيم الاعتدال والتسامح، حيث يسود الوئام بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية وبين الأهالي ومختلف الجاليات الأجنبية. لكن عبد الله واد بدأ ينهج في السنوات الأخيرة نهج مبارك. فساد ومحاباة للأقارب وتقييد على الحريات وتصريحات استفزازية للأقلية المسيحية. يتوج ذلك كله عمل ممنهج على إرساء جمهورية وراثية. حيث أنه قد فرض ابنه، من زوجته الفرنسية، كريم واد في الحياة السياسية فرضا باتخاذه أول الأمر مستشارا ثم تعيينه وزيرا بحقيبة ضخمة تشمل التعاون الدولي والتنمية المحلية والنقل الجوي والبنى التحتية، وتتحكم في 46 بالمائة من ميزانية الدولة!
ورغم أن واد وابنه ممقوتان أشد المقت لدى الشعب السنغالي، فإن موقف الحكومة الفرنسية منهما يثبت ألا صحة لزعمها بأنها استخلصت العبرة الواجبة من الدرس التونسي. إذ إن ساركوزي لا يعارض مطامع عبد الله واد الجملكية. بل إنه يحابيه ويعينه على الإثم. حتى أنه عندما حنق واد على السفير الفرنسي في داكار، الكاتب المعروف جان ـ كريستوف روفن، لأنه انتقد رغبته في ولاية ثالثة، نزل ساركوزي عند طلب واد، فأقال السفير! بل إن ساركوزي عمد أثناء قمة الدول الثماني في دوفيل أوائل هذا الشهر إلى تقديم واد الابن إلى الرئيس أوباما… هذا ما يؤكد مجددا أن القوى الغربية لا تريد التعامل إلا مع حكام يكونون زبائن لديها وأنها لا تحترم إرادة شعوب الجنوب حقا إلا في حالات الاضطرار وانعدام البدائل.