سبع ساعات في مدينة مشهد

الطريق إلى شواطئ بحر قزوين ليس مستقيماً. عليك أن تمرّ بمدينة مشهد، وتمكث فيها سبع ساعات، ثم ترتحل بعد ذلك عبر طائرة أخرى إلى مدينة جالوس، على شاطئ البحر. هكذا وجدتُ نفسي في الليل المتأخر من يوم الاثنين، العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني (2019)، في المدينة المقدّسة.
هل ستكون ذراعي الوسادة على كراسي الانتظار في صالة المطار؟
قلت آخذ طريقي إلى المدينة، حيث ضريح «إمام رضا». لا أعرف شيئاً عن هذه النقود الورقية المليئة بالأصفار، تحمل جميعها صورة الخميني المعمم. الشاب سائق التاكسي طلب مني خمسين ألفا، أو خمسة آلاف، أو خمسمئة ألف، فالأصفار هنا تتطاير مثل الغبار، تومان، أو خميني، مثلما يقولون، وهو ما يعادل دولاراً واحداً وربع الدولار، أجرة للنقل، وصبّ لي في كوب ورقيّ شاياً لذيذاً من ترمس يحمله في سيارته البيجو القديمة.
مدينة مشهد ليست مثل النجف أو كربلاء، العمارة هنا حديثة والحدائق في كل مكان، ورغم الإنارة القوية في الشوارع كان الليلُ الكثيفُ يصبغُ بالبنفسج وجوه الناس والأشجار والمباني. استغرقتُ في التجوال في السوق كي أشغل نفسي. النجوم في السماء البعيدة شحيحة والقمر غائب. الساعة جاوزت الثالثة صباحاً والوقت يمرّ بطيئاً، وليس هناك من يكلمني، كما أنني لا أريد الكلام مع أحد. المدينة ليست بشوارعها وحدائقها والمباني والمعابد. المدينة المأمولة هي الناس. في المقاهي والمطاعم والحانات والساحات.
كان الليلُ نائماً والمدينة صاحية، وحشود الزوار يتزاحمون على الأرصفة، في الأسواق، وفي كل مكان. الدكاكين كلها مفتوحة حتى التي تبيع المصاحف وبقية الكتب. في مكتبة قريبة من ضريح «إمام رضا» لم أجد الصراصيرَ على أغلفةٍ مغبرّةٍ، بل كانت هناك روايات مترجمة إلى الفارسية من كل بقاع الأرض.. «قصة مدينتين».. «موبي ديك».. أناتول فرانس.. كافكا.. فلوبير، «التربية العاطفية» و»سالامبو» و»مدام بوفاري»، إلى جوار الكتب المقدسة والدينية. القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد بالعربية. لباس الناس هنا عادي، الرجال بالبنطال والقميص والنساء محجبات، عدا الوجوه، بالعباءات السود، وبعضهنّ يختبئن خلف خمار. الجوُّ حارٌّ والنسمةُ العذبة المقبلة من الجبال لا تكاد ترطب القيظ المهيمن على الميدان، وأنا أشعر بعلامات غثيان سببه على الأرجح وجبة العشاء التي قدمتها لي المضيّفة السمراء في الطائرة. ثم أخذتُ أتعرق، وأشعر شيئاً فشيئاً بانقباض في بطني وأنا أسير وسط الزحمة. هل كانت تبدو أوجاعي على وجهي؟ لا يهمّ، فالناس هنا لا ينتبهون إلى ما يدور حولهم. التقطتُ هاتفي النقال. ولكن بمن أتصل، فأنا لا أعرف أحداً هنا. بقيت ممسكاً بالهاتف وأحدق في الفراغ، ثم كتبتُ رسالة قصيرة وبعثتها إلى لا أحد. يمكن للكلمات اجتراح العجائب. هل بإمكانها الآن تخفيف اضطرابات الهضم عندي؟
ثم بدأت أحس بجدية الأمر، وقرّرت البحث عن علاج. كنت أنساق مدفوعاً بضغط الزائرين المتصادمين في ما بينهم نحو جهة الضريح، وكنت أحسّ أن حقيبتي صارت أثقل بسبب الوهن الذي أصابني. المزيد من الزوار الرجال والمزيد من النساء بالعباءات السود، والمزيد من التعب الشديد ومن التشنجات في معدتي. استفسرتُ من صاحب دكان بإنكليزية لا يفهمها، وبعربية يبدو أنه يتجاهلها عن موقع الصيدلية. الرجل، بشعره المحَنّى ووجهه الضجر ظلّ ساكتاً ولم يجبني بشيء. يعتقد البعض أن العدوانية والفظاظة مرادفتان للتمتع بشخصية قوية. كم نجهل بعضنا بعضاً! سألت آخر غير هذا المخبول. إذا ما تعطلت لغة الكلام نطقت لغة الإشارة. ثم وجدتُ نفسي ضائعاً في أزقة متعرجة كنت أسير فيها بدون أن تلامس أقدامي الأرض، فأوجاعي هي التي كانت تقودني، واهتديتُ أخيراً بلغة الإشارة إلى صيدلية فيها رجلٌ له قامة طويلة وشعر مضفور وشارب متين ولحية تبلغ منتصف صدره. باعني هذا الرجل الغريب الأطوار الدواء وهو يومئ لي إيماءة متضامنة شبه مأساوية. هل كنت مريضاً إلى هذه الدرجة؟ رأيت وجهي في المرآة. كنت مزرق المحجرين وشاحباً. أخذت الدواء، وبقيت جالساً، أنتظر أن يفعل البلسم فعله. لم أرتحْ. بالعكس. جاءتني اختلاطات التسمم الغذائي هذه المرة بحمى تصاعدت من براري دمي. وأنا أغادر، انحنى لي الرجل العملاق بخضوع كامل كما لو كنت سلطاناً، وتمسّك بيدي يريد تقبيلها. الواقع في هذه المدينة العجيبة حقاً أغرب من الخيال. رجل مخبول لا يردّ عليّ، وآخر مجنون ينحني إليّ بتذلل. ثم عدت أسير تائهاً في الشوارع، أتعرق وأتألم ولا أستطيع أن أفعل شيئاً. لو أنني وجدتُ فندقاً، سريراً أتمدد فيه لهان الأمر. لكنك لا تستطيع أن تسكن هنا بدون حجز في موعدٍ يسبق وصولك بأسبوع أو أكثر، وليس لديّ من هذا أيّ شيء.
دخلت المسجد الذي يضمّ ضريح «إمام رضا»، وتمددتُ مباشرة على السجاد الذي يفرش الأرض، حيث كان الرجال والنساء يحتضنون كتب القرآن والأدعية. أغمضت عيني محاولاً النوم، محاولاً الهرب. كانت التشنجات السريعة في معدتي مع القشعريرة التي تكهرب عظامي تزداد كل لحظة، وقد أعماني الضوء الساطع للثريات العملاقة النازلة من السقف. بدا لي أن جسدي ينفصل عني، ويغفو لوحده، بينما عيناي تريان كل شيء من حولي خيالاً ملموساً. أكادُ أسمعُ خيوطَ السجادة الفراش تتكلم، وتصورتُ أن بخاراً خفيفاً يصعد، وأتاني خفق حمامات مذعورة. ربما كنت أحلم، لكن عِرقاً ضئيلاً كان يهتزّ بين صدغي وعيني، يوقظني. أصوات دعاء تعلو ودمدمات تراتيل تخفت، وأنا لا أستمع إلا لقنوطي. شيئاً فشيئاً كنت أغرق في غفوة مريضة. هل كان عليّ أن أخرج من هذا المكان ملذوعاً بعض الشيء؟ هجستُ، وأنا في تلك الحال من الخدر، بأن شيئاً غريباً يدور حولي. انتبهتُ. كان الحراس في المسجد يوقظون الرجال والنساء النائمين بالعصيّ. يرفض النائم التحرك في البداية. وكانت العصا تجوب جسده، ثم تجوس المكانَ الذي يراه الشرطي الأكثر إيلاماً. يفتح النائم عينيه بحذر، وبذهول، كأن سطلاً من الرعب البارد ألقي عليه، ثم يلفلف غطاءه ونفسه على عجلٍ ويفرّ هارباً. كان المنظر أكثر قسوة وإيلاماً مع الأطفال والنساء النائمات. إنهم فقراء ومشردون بلا مأوى، وكنت في ذلك الليل الدامس واحداً منهم. اعتدلتُ جالساً كي أنفي عن نفسي تهمة النوم، وفكرتُ: كل النائمين هنا حمامات مذعورة، وأنا حمامة موجوعة وخائفة. كانوا يطردون هؤلاء المساكين بدون أن يخبروهم أين يذهبون. أين يذهب الفقراء في العالم، إذا كانوا يُطرَدون من المسجد، بيت الله؟ وما فائدة هذه الثريات المترامية الأحجام وأنهار الكريستال المتلألئ بالضوء من كل لون في جدران المبنى وسقفه لرفع قداسة الضريح إذا كان الفقير لا يجد عنده الرحمة؟
رفع المؤذن أذانَ الفجر، وتركتُ المكان بسبب الغضب والحزن وآلامي.
كان المزيد من الزوار يسيرون على طول الرصيف، وكاد أن يغمى عليّ من تزايد الحرقة في معدتي. جلست على أقرب مقعد ذي متّكئ مريح في الساحة التي كانت تضيق عليّ. متى يفعل الدواء فعله، أم أنني كنت أموت ببطء نتيجة التسمم الغذائي؟ انتهى بي الأمر إلى ألّا أعرف أين أنا، أو ما الذي أفعله هنا. كنت وحيداً تماماً، أسناني تصطك، وأشعر بفراغ فظيع في المعدة كما لو أن الموت يعدّ مكاناً.
مرت حوالي نصف ساعة، وبينما كان الفجر يتردد في السماء جاءت امرأة بعباءة سوداء وجلست على المصطبة قربي. كأن نفحة حنين رطبة ضمّخت الهواء. لقد ابتدأ يوم رائق. آلاف من الطيرِ استفاقت، والنسيمُ صار حريراً. رحتُ أتطلع إلى المرأة، إلى عباءتها السوداء والشمس تخترقها كالزجاج حتى أن جسدها صار مكشوفاً أمامي، كما لو كانت عارية أكثر بفعل سحر أسْوَد العباءة. إنها تشعّ بشيء أكثر من مجرد الجمال الجسدي، وشعرتُ أنا في تلك اللحظة بأن الوقت قد توقف، وتوقف الزوار في الساحة والشارع عن الحركة، وتوقفت كل ضجة، وأنيرت جميع أضواء السماء، وبتّ أعيش في اليوم الأول من بدء الخليقة. كنت أسترخي في جلستي، كأني أطفو في مكان ما بين السحب، أسترخي وأسترخي من جديد. وأنا أنظر إلى أبعد ما يأخذني إليه نظري في وجه المرأة الفتيّ، في حاجبيها الداكنين، وعينيها الخضراوين العميقتين اللتين بدتا أجمل ما رأيت في حياتي، وصدرها الناهد يبين من شقّ العباءة.
غزالٌ يرتعي في ظلّ وادي
رشيقُ القدّ مسكنه فؤادي
إذا لبسَ البياضَ يصيرُ بدراً
وإن لبسَ السوادَ سبى العبادِ
المرأة بالعباءة السوداء ساحرة حقاً، ولها قدرات الساحرة، في هذا الزمان الذي جفّت فيه جميع الآبار المسحورة. في تلك اللحظة أحسستُ بدغدغة متنامية تنبعث في أذني: المرأة تتكلم بهاتفها الجوّال. كانت تتمتم وتلتحم شفتاها المنحنيتان إلى الأعلى بملاحة رقيقة. كأنها لا تحدّث أحداً، بل تحدّث نفسها. ما الذي تقوله؟ هل كانت تشتكي من الضوضاء التي حولها، لأنها تحتاج إلى الهدوء كي يكون حُسنها على أتمّه، يفكّ المصلوبَ من قيوده، ويبعثه حياً، مثلما يقول المثل. بعد أقل من دقيقتين كنت أتنفس ببطء، كأن رشّةً من غبار العنبرية هطلت عليّ، وأحسست بصدري يمتلئ بالهواء، واستقر جسمي وقلبي وأفكاري في أماكنها.
واتتني عندها متعة شرهة وشعور بالرضا لم أجربه من قبل، مع دفقة سعادة حانقة أسكتت آلامي على الفور، ومحت شعوري الفظيع بالوهن والقنوط والقرف. تظاهرتُ بأنني أنظر إلى لا أحد حين تفادت المرأة نظرتي، وكان الوقت يمر سريعاً وقلبي يخفق بعنف لهذه الراحة التي غمرتني بعد كل ما مرّ بي. كنت أشعر بأني عدت سليماً، وكنت مفعماً بالطاقة، ومسروراً بالشراهة المجنونة للحياة التي انقضّت عليّ.
لا، لا يمكن أن يحدث هذا في الواقع، بدون تدخل قوة لها فعل السحر، فقبل قليل كنت أفكر في طلب الإسعاف، لأني رأيت الموت يدنو مني. لقد أنقذتني هذه المرأة بدون أن تفعل لي شيئاً على الإطلاق، حتى ولا نظرة بريئة تلقيها عليّ. بدأتُ أحدّقُ في كل شيءٍ في الساحة حيث الأشجار التي لا أعرف أسماءها تندسّ مع الهواء الثابت، وحيث الأزهار والعشب اللين، وحيث المرأة التي أشفتني من كل سقمي.
من دون المرأة، تبدو الحياة مثل غمّ يجري كما الدم تحت الجلد. إنها تنشر طاقة الحب من حولها أينما تحل، وهي أقوى بكثير من قوى الظلمة، لو تضافرت كلّها، وصارت قوة جبّارة واحدة. المرأة أقوى.
كنت غير مصدّق أنني شفيتُ تماماً، كما لو أن ما جرى حلم سرعان ما سأفيق منه.
لم يكن ذلك حلماً!
ثم اكتشفتُ أنني كنت محاطاً في الساحة ببعض أجمل نساء الأرض يرفلن أمامي بالعباءات السود قاصدات الضريح، يمشين مشية مراودة، وكنت، على نحو ما، منفصلاً عن العالم، عيناي تمتلئان باللون الذي يجمّل المرأة أكثر من أي لون.
الأعشى:
عهدي بها في الحي قد سربلت
هيفاء، مثل المهرة الضامر
قد نهـد الثدي على صدرها
في مشرق ذي صبح نائر
لو أسندت ميتاً إلى صدرها
عاش، ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ـ مما رأوا ـ يا عجباً للميت الناشر
التحقت بالمطار في الوقت المحدد وأنا في أحسن حال. بينما كانت الطائرة تستدير في الجوّ لمعت قبة جامع جوهار شاد الخضراء تحت أشعة الشمس.

٭ طبيب وقاص من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية