ساعة الحقيقة تقترب… من يسقط اولا: المحكمة ام الحكومة؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان ثمة علامة فارقة للصراع في لبنان: خطبة السيد حسن نصرالله في ‘يوم الشهيد’ 11/11/2010. قبلها كانت ثمة مهلة مفتوحة امام سعد الحريري وحكومـــته وحلفائه في قوى ’14 آذار’ للموافقة على احـــالة شهود الزور في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على المجلس العدلي. بعدها تقرر الاستعاضة عن المهلة المفتوحة بهدنة العيد، التي قد تمتد الى آخر الشهر الجاري. في خلال الهدنة، سيقوم الحريري بزيارات خاطفة الى ابوظبي وروسيا والسعودية ليختمها اواخر الشهر بزيارة ايران. قبل خطــــبة السيد نصــــر الله وبعدها تنشط المساعي السورية ـ السعودية لإيجاد مخرج مقبول من الازمة المستعصية. هل من أفق للتسوية؟

الامين العام لحزب الله أعاد التشديد في لقاء ضمّ مئات الكوادر من حزبه على أهمية المساعي السورية ـ السعودية وما تنطوي عليه من جدية في هذه الآونة. رئيس الحكومة ركز في الاجتماع الذي عقدته كتلته النيابية على الايجابيات التي تضمنتها خطبة السيد نصرالله، مؤكداً أن ‘الانفجار في لبنان ممنوع’. ومع ذلك، يحتدم الصراع ويتجه الى دائرة الخطر وربما الفتنة، من دون ان يدرك احد طرفي الصراع، قوى ‘ 14 آذار’ تحديداً، مكمن الخطر وطريقة تفاديه. في المقابل، يرى فريق المعارضة السابقة (واللاحقة) من قوى ‘8 آذار’ مكمن الخطر في اعتزام الولايات المتحدة واسرائيل استصدار قرار اتهامي من المدعي العام لدى المحكمة الدولية بحق مسؤولين في حزب الله (وربما بحق مسؤولين في سورية ايضاً) بغية تشويه سمعته ودمغه بـ ‘الارهاب’ لتبرير شن الحرب على المقاومة ومحاولة القضاء عليها.

للرد على الحملة الامريكية ـ الصهيونية والحؤول دون صدور القرار الاتهامي المرتقب، يسعى فريق ‘8 آذار’ الى احالة شهود الزور (ادوات مخطط اتهام سورية واربعة من كبار الضباط اللبنانيين باغتيال الرئيس رفيق الحريري) على المجلس العدلي لمحاكمتهم، وبالتالي كشف دور اسرائيل وامريكا والمتعاونين المحليين معهما. كل ذلك من اجل احباط المحكمة الدولية وإعدام الصدقية المرتجاة للقرار الاتهامي المرتقب.

فريق ’14 آذار’، ومن ورائه قوى دولية وإقليمية معادية لحزب الله وللمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، يرى الخطر على سلطته ومصالحه في نجاح حزب الله في احباط المحكمة الدولية وإضعاف تأثير القرار الاتهامي، لذلك يسعى هذا الفريق الى الحؤول دون احالة شهود الزور الى المجلس العدلي او تأجيل الإحالة ما أمكن في انتظار صدور القرار الاتهامي.

الحقيقة ان مكمن الخطر ليس القرار الاتهامي فقط، ومعيار النجاح او الفشل في احباطه واعدام صدقيته لا يتمثل في احالة شهود الزور الى المجلس العدلي او عدم احالتهم.

مكمن الخطر كان وما زال وجود قرار امريكي ـ صهيوني بإنهاء المقاومة اللبنانية مهما كان الثمن. وقد جرى توسيع دائرة هذا القرار لاحقاً لتشمل إضعاف سورية وايران ومحاولة تغيير نظامهما. من لديه شك في مضمون هذا القرار وابعاده والمقاربات والوسائل التي اعتمدت لتنفيذه ما عليه إلاّ ان يقرأ كتاب ‘سر الرؤساء’ للصحافي الفرنسي فانسان نوزيل، الذي تعمّق في ارشيف الاليزيه في عهد الرئيس جاك شيراك (الذي كان اقنع الرئيس جورج بوش الابن بخطةِ ‘صدم سورية عبر لبنان’) وكذلك كتاب ‘ نقاط القرار’ لبوش نفسه الذي اعترف فيه بأنه اطال حرب 2006 لتمكين اسرائيل من إنهاء ‘حزب الله’. عندما يكون جوهر قرار امريكا واسرائيل (ومعهما فرنسا وبريطانيا وبعض دول اوروبا) انهاء حزب الله، فإن مواجهة هذا القرار الإستراتيجي لا يجوز ان تقتصر او ان تنحصر بإحباط المحكمة الدولية بطريق احالة شهود الزور الى القضاء.

هب ان سعد الحريري وفريق ‘ 14 آذار’ وافقا على إحالة هؤلاء الى المجلس العدلي، فإن هذه المحكمة الاستثنائية لن تتمكن من التحقيق معهم وكشف ادوارهم ومن وقف وراءهم ولقّنهم ‘شهاداتهم’ قبل ثلاثة اشهر، بينما يكون القرار الاتهامي قد صدر آخر الشهر الجاري او في مدة اقصاها منتصف الشهر المقبل، كما يؤكد المسؤولون الاسرائيليون والصحف الاسرائيلية والفرنسية والالمانية والامريكية. فهل تبقى من فائدة مرتجاة لاعترافات شهود الزور بموازاة ما يكون قد تضمنه القرار الاتهامي من روايات وتخريجات و’ادلة’ و’قرائن’ مصنّعة ومزيفة ضد حزب الله؟

يجب ألاّ يغيب عن الاذهان انه، بعد إعلان القرار الاتهامي، تبدأ المحاكمات في مقر المحكمة الدولية في لاهاي. وهي محاكمات لن تطول فحسب بل ستحمل ايضاً، عبر الاذاعات والتلفزيونات والانترنت، الى اللبنانيين والسوريين وغيرهم دزينات من ‘الاسرار’ والاخبار والتهجمات والافتراءات التي تسمم الاجواء المحلية وتستثير العواطف والعصبيات وتهيئ النفوس المتشنجة لفتنة اهلية تكون مدخلاً لحرب اسرائيلية مدمرة ضد لبنان والمقاومة في قابل الايام.

ألم تستبق اسرائيل حروبها على لبنان سنوات 1982 و1995 و2006 بافتعال أجواء عصبوية وفتنوية وتخريبية مماثلة؟

آن الاوان لتفهم قوى ‘ 14 آذار’ ان سياسة ممالأة امريكا وفرنسا، ومن ورائهما اسرائيل، في مخططاتها الرامية الى ضرب حزب الله والمقاومة، وربما سورية ايضا، ستؤدي، عاجلاً او آجلاً، الى شن حرب ساحقة مدمـرة على لبنان، كما يؤكد جنرالات العدو، لا يبقى بعدها لأهل السياسة، حتى مع نجاح المقاومة في دحر اسرائيل، من سلطة يمارسونها إلاّ فوق الانقاض. أيُّ متعة ترتجى من سلطة تقوم على اشلاء بشرية وانقاض بنى تحتية؟

إن محور الخطر هو اسرائيل وحربها المقبلة على لبنان، كل لبنان وكل اللبنانيين، الأمر الذي يجعل من ضرورة مواجهتها محور الاهتمام والجهد المطلوبين من اللبنانيين جميعاً.

المواجهة المطلوبة تكون بتأجيل الصراع على السلطة وبتركيز الجهود على حماية الوطن بقوة رادعة قوامها الجيش والمقاومة معاً. هذه الصيغة جُربت في حرب 2006 ونجحت جزئياً وكان من الممكن ان يكون مردودها افضل لولا اصطفاف قوى’14 آذار’ مع الولايات المتحدة. لذا فإن تضامن جميع القوى الوطنية في جبهة عريضة لمواجهة العدو من شأنه تعظيم قدرة لبنان الرادعة لدرجة قد تحمل العدو على صرف النظر عن شن الحرب عليه.

ماذا لو رفضت قوى ’14 آذار’، تحت ضغط امريكا، تأجيل الصراع على السلطة لمصلحة خيار مواجهة العدو الصهيوني؟ ماذا لو قرر الحريري وحلفاؤه في الحكومة مماطلة السوريين والسعوديين في مساعيهم التوفيقية الرامية الى إخراج لبنان من عنق زجاجة الازمة قبل صدور القرار الإتهامي المرتقب في مهلة اقصاها النصف الاول من شهر كانون الاول / ديسمبر المقبل؟

لعل في تظهير بعض النقاط البالغة الاهمية والحساسية في خطبة السيد حسن نصرالله ما يلقي الضوء على مفاصل خطة حزب الله وحلفائه لمواجهة خصومهم المحليين والاقليميين. في هذا المجال ثمة ثوابت خمسة: أولاً، لا يمكن ان تقبل المقاومة او تسلّم بأي اتهام لأي من مجاهديها: ‘إن اي يد تمتد اليهم ستقطع’. ثانياً، لا تخشى المقاومة التهويل عليها بحرب اسرائيلية. التهويل بالحرب بشرى لها، وهي جاهزة لصد اي عدوان ‘ ولنصنع انتصارنا العظيم والكبير’. ثالثاً، وصف نصرالله من يحلم بصدام بين الجيش اللبناني والمــقاومة او بحصول فتنة سنية شيعية بأنه اضغاث احلام.

رابعاً، ان الغاية الرئيسية للقرار 1559 كانت وما زالت اسـتهداف المقاومة. لذلك فإن المعركة بين المقاومة من جهة والامريكيين والاسرائيليين من جهة اخرى مفتوحة، وعلى من يراهن في لبنان على امريكا، رغم تخليها مراراً وتكراراً عن حلفائها ووكلائها، ان يتحمل مسؤولية رهانه. خامساً، ثمة ضغوط امريكية، بطلب من بعض الجهات اللبنانية، لعرقلة المسعى السوري – السعودي بغية الحؤول دون سقوط الرهان على استهداف المقاومة. لذلك فإن المخرج المرحلي الوحيد من الازمة هو محاكمة شهود الزور لمعرفة من صنعهم ووظفهم في خدمة المخطط الامريكي- الصهيوني للنيل من المقاومة.

من خلال تأكيد السيد نصرالله على هذه الثوابت والقناعات يمكن الإستنتاج بأن تسوية الحد الادنى التي يقبل بها حزب الله وحلفاؤه هي محاكمة شهود الزور وكشف من يقف وراءهم. وهي تفترض، منطقياً، ان يتأخر صدور القرار الاتهامي ريثما تتم التحقيقات والمحاكمات المطلوبة. فهل يرضخ الحريري وحلفاؤه، ومن ورائهم امريكا، لشروط التسوية المتوخاة؟

يبدو حزب الله مستعداً وجاهزاً لمواجهة سلبية الحريري والامريكيين، وهو يؤكد من خلال احد كبار قيادييه ان لديه وحلفاؤه خطة متكاملـة في هذا المجال. صحيح انه حريص على عدم تسريب ايٍّ من مفاصل الخطة، إلاّ انه يمكن للمراقب الحصيف ان يستخلص من خطبة السيد نصرالله وتصريحات نائبه الشيخ نعيم قاسم وبعض قيادييه ونوابه ان تنفيذ الخطة المضادة يمكن ان يبدأ بكشف محاضر وملفات تفضح قيام جهات سياسية لبنانية بمطالبة ادارة بوش الابن بإستعمال القوة ضد حزب الله في اطار تنفيذ بنود القرار 1559، ثم معارضة وقف العمليات القتالية اثناء حرب 2006 قبل انهاء المقاومة في جنوب لبنان، واخيراً وليس آخراً، الإمتثال لطلب امريكي وفرنسي بأن يتخذ مجلس الوزراء قراراً بقطع شبكة الاتصالات السرية التي تستخدمها المقاومة من اجل استدراج حزب الله الى الرد على هذا التدبير في الشارع ما يجرّ البلد الى فتنة.

قد تكون الكشوفات الفضائحية فاتحة الخطة المزمع تنفيذها. لكن بعض قياديي القوى الوطنية المتحالفة مع حزب الله يتحدثون سراً وعلناً عن جوانب اكثر جدية للخطة، يمكن تلخيصها بثلاثة: اولاً، الاسراع في بناء وتمتين جبهة وطنية عريضة قوامها جميع القوى السياسية والاجتماعية التي ترى في اسرائيل وحربها المحتملة على لبنان والمقاومة محور الخطر الماثل. ثانياً، اعادة النظر في تركيبة الحكومة على نحوٍ يجعلها اوسع تمثيلاً للقوى الوطنية والاجتماعية المعادية لاسرائيل والمؤيدة للمقاومة والمتطلعة الى استكمال تطبيق اتفاق الطائف على طريق النضال من اجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية. ثالثاً، اعلان لادستورية الاتفاقية الموقعة بين لبنان والامم المتحدة التي على اساسها اصدر مجلس الامن قراره رقم 1757 بإنشاء المحكمة الدولية، وبالتالي مقاطعة المحكمة وحظر التعاون معها، والايعاز الى المجلس العدلي بإستئناف النظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري المحالة عليه، وبمباشرة النظر في قضية شهود الزور بإعتبارها دعوى متفرعة عنها. ساعة الحقيقة تقترب، وثمة سؤال وشيك ينتظر جواباً: من سيسقط اولاً المحكمة ام الحكومة؟’ كاتب وسياسي لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية