«ساعة السّودة»: عرض مسرحي عراقي يسخر من الحروب وصور الموت العبثية

تبدو الحرب في العرض المسرحي العراقي بعد عام 2003 حاضرة وبقوة، والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى اي مدى انزاحت المقاربات الإخراجية في موضوع الحرب، ناحية قراءتها جماليا، من غير أن تتموضع في بوتقة الشحن العاطفي؟ هذا التساؤل يتبادر إلى ذهن المتلقي ما أن يتابع العرض المسرحي الذي حمل عنوان «ساعة السّودَة» تأليف مثال غازي، إخراج سنان العزاوي، تمثيل: يحيى إبراهيم وشيماء جعفر، تقديم فرقة المسرح الوطني التابعة لمديرية المسارح، وتزامن عرضه مع مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمسرح في 27 مارس/آذار. تجلت خاصية هذا العرض في أن المرأة شكلت بؤرة مركزية في متنه، حيث ركَّز على تداعيات الحرب بكل قسوتها وعبثيتها عليها. فالنساء يتحملن الوزر الأكبر من ثمنها الفادح، من بعد أن تختطف الأبناء واحدا بعد الآخر، ليعودوا أشلاء معبأة في توابيت ولتلتهب في قلوبهن جمرة الأحزان أياما وسنين.

سياق الترميز

تأتي أهمية هذا العرض في أن المرأة تتحول إلى دال إنساني ينفتح في تمثلاته المشهدية على موضوع حساس مازال يلقي ظلاله على المجتمع العراقي، هنا يتصدر السؤال حول أهمية الخطاب المسرحي، عندما يدفع مشهدية الواقع بكل ما يحمله من قبح باتجاه منطقة مؤثثة بقراءة فنية تعيد صياغة أحداثه وشخصياته في بنية مشحونة بالتشكيل الجمالي، بمعنى أنه يعيد إنتاج ما ينتمي إلى الواقع مرة أخرى، ولكن في إطار لعبة مسرحية تتقن كسر سلطته بسلطة التخييل. اختار المخرج أن يذهب في رؤيته الإخراجية إلى منطقة جمالية بعيدة عن الشكل الواقعي، في إطار تعامله مع عناصر الحكاية المتناثرة، التي تستند بتفاصيلها على إيحاءات مكثفة من الواقع المحلي، فوجدنا مبتكر العرض، بدل أن ينساق إلى الشكل الواقعي اعتمد الترميز لغة وتشابكا مع الصور الإنسانية باعتباره تقنية فنية تمنحه مساحة من الحرية اللامشروطة، في إعادة تركيب صور العلاقات، واللجوء إلى هذا الخيار أفضى به إلى إزاحة النسق الخطي في معمار الحكاية، وانتزاع التشكيل السينوغرافي من أدوات التعبير بدلالتها التقليدية، في هذا السياق جاء نزوعه الأسلوبي في سياقه الترميزي ليكون حافزا لذاكرة المتلقي وشحنها بالرفض والاحتجاج.

لجوء المخرج إلى أسلوب الكوميديا السوداء، كان له أثر كبير في التخفيف من قسوة مناخ العرض، وبهذا الحل الجمالي أوجد خيطا من التواصل الشفاف مع المتلقي، وكانت شحنة السخرية من الكثافة، إلى الحد الذي استثمرها لتطال سلطة المؤسسة الدينية.

تشفير الجسد

كان انحياز المخرج منصبا على الممثل، باعتباره تقنية أساسية تمتلك القابلية على تهشيم البعد الواقعي، للدلالة في إطار التوظيف الكيروكرافي، ويمكن للبعد الفيزيكي للممثل أن يحدث الانتقال والتغيير والانزياح ناحية التوظيف الدرامي، حتى أن بقية عناصر العرض الأخرى، خاصة الديكور استمدت حضورها من أهمية وتفاعلية هذه العلاقة الرمزية، مع الحضور الطاغي للممثل، بذلك تشكل الفضاء المسرحي في مساحة خالية اتسمت بالسعة والعمق، لتكون مفتوحة أمام الفعل الجسدي للممثل، والتحولات الكبيرة في المسرح المعاصر على المستوى الشكلي، وضعت أمام المخرج حلولا فنية، بات يعتمد فيها بشكل كبير على الجسد وتحولاته، في توظيفات وتأويلات لا حدود لها، وفرضت عليه أن يكون مطواعا، بما يجعله قادرا على الاستجابة وبسهولة ليتجاوز وظائفه في الحياة اليومية، وهذا ما تجلى في جهد الممثلين (يحيى وشيماء) فقد تحول الجسد في حضورهما التعبيري إلى منظومة من التشفير، اختزنت مستويات قرائية مختلفة من خطاب العرض، انسجاما مع الموضوع الحساس، الذي تصدى لطرحها بالشكل الذي لامست خطوطا حمرا تحكُم بيئتنا الشرقية، التي عادة ما تغذيها موروثات دينية واجتماعية لها سلطة أقرب ما تكون إلى القداسة، بما يصعب على الفنان أن يقترب منها لمساءلتها.
بدا واضحا الجهد الكبير الذي بذله المخرج مع الممثلين، لكي يصل بهما إلى أن يكونا شحنة متوهجة، سواء في تجسيد الحالات النفسية، أو في الفعل الكيروكرافي، وهذا يعود إلى أن العزاوي نفسه ممثل محترف، دائما ما يتسم أداؤه بالحيوية. وقد أثمر جهده مع الممثلين عن تألقهما، ولابد من تسجيل كلمة ثناء للممثلة الشابة شيماء جعفر لما أبدته من جرأة كبيرة في أداء بعض الأفعال الجسدية.

السخرية من السلطة

لجوء المخرج إلى أسلوب الكوميديا السوداء، كان له أثر كبير في التخفيف من قسوة مناخ العرض، وبهذا الحل الجمالي أوجد خيطا من التواصل الشفاف مع المتلقي، وكانت شحنة السخرية من الكثافة، إلى الحد الذي استثمرها لتطال سلطة المؤسسة الدينية، عبر استعادة مقولاتها المخزونة في الذاكرة العزائية، التي عادة ما توظفها في تخدير أتباعها لتبرير البؤس والموت اللذين يحيطان بهم إلى مرجعيات غيبية، إلا أن هذه الاستعادة أخذها العرض ووضعها تحت سلطة السخرية.

تعرية الخشبة

البؤرة المركزية لسينوغرافيا العرض تمثلت بخزانة الملابس الحديدية، فكانت مساحة حرة بنى فيها سنان العزاوي أمكنة وأزمنة وحالات إنسانية مختلفة ومتنوعة، ويحسب له تمكنه من السيطرة على محدودية المكان وتوظيفه بالشكل الذي بات فضاء واسعا، استوعب كل ما ابتكره من مشاهد تحمل في لغتها التلغرافية تعاسة الوضع الإنساني للشخصيات، وهذا يعني أن المخرج سنان العزاوي يمتلك المقدرة على العمل بأبسط المفردات فيغامر بها ويشحنها بمدلولات أبعد ما تكون عن وظيفتها الواقعية، حيث وضع نفسه أمام تحد كبير عندما جعل خشبة المسرح عارية، واكتفى بخزانة الملابس، ومنها انطلق بخياله الخصب ليشكل عالمه على خشبة المسرح، فكان أشبه بلاعب سيرك يمشي على حبل معلق بين الأرض والسماء، لأجل أن يحقق الدهشة والمتعة للمتلقي. فالخزانة تحولت في المسار السينوغرافي إلى توظيفات متعددة (سيارة مفخخة، سرير، باب، سبورة، شباك في ضريح مقدس، غرفة، باب الجنة، مسرح علبة صغير).

مستويات اللغة

أما عن اللغة التي اعتمدها المؤلف فقد اختار أن يتنقل بين مستويين من اللغة، حيث كانت اللغة الفصحى حاضرة بالقدر الذي كانت فيه اللهجة المحلية العراقية حاضرة أيضا، أولا لتأكيد الشخصية في جانبها اليومي المعاش وثانيا لتعميق بعدها الفلسفي، بمعنى أن اللغة كانت مشحونة بالفعل الدرامي، ولم تكن مجرد أداة لفظية لتوصيل الفكرة صوتيا، وهذه المزاوجة تعكس وعيا تقنيا عاليا لدى المؤلف في تحميل اللغة مستويات متراكبة من الأفكار وفقا لطبيعة الشخصية والبيئة الاجتماعية والزمن الذي يستوعب الحدث.
بشكل عام يحسب العرض ضمن الأعمال التي لا تنساق في بنية العروض التقليدية التي تتمركز فيها سلطة الحوار على بقية العناصر الدرامية، إنما أخذ منحى الاهتمام في بناء شكل العرض اعتمادا على تبادل الثنائيات، ما بين الممثل والممثلة، والممثل مع المجاميع الراقصة، كما يضعنا أمام إشكالية تتعلق بالخروج من بوتقة المفاهيم الفنية المستهلكة في المسرح، ففكرة الموت الذي يلاحق الإنسان سبق أن تناولتها مئات النصوص لعشرات الكتاب منذ الأغريق قبل الميلاد، وحتى الوقت الراهن، ومهمة المسرح المعاصر إيجاد معالجات إخراجية تبتعد عن فرضيات جمالية سبق للمخرجين أن داروا في فلكها.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية