‘ساق الغراب’ ليحيى آمقاسم: ملحمة شعب

حجم الخط
0

صالح دياب

يكتب الروائي السعودي يحيى آمقاسم المقيم في باريس في ‘ساق الغراب’ روايته الأولى الصادرة عن دار الآداب، سجلا ضخما، يلم فيه شمل التقاليد والعادات والأعراف التي كانت تسري في الحياة اليومية في الجزيرة العربية قبل الدولة الدينية.

والحال، إن آمقاسم يكتب كمن يرثي ويسجل التحية في الآن ذاته، لهذه الأعراف والتقاليد، معيدا الاعتبار إليها بوصفها أرقى وأرفع من القيم الجديدة التي حلت محلها، لا بل تبدو القيم الجديدة وكأنها تستوطن بالقوة في حياة شخوص الرواية، في مسعى للحلول محل القيم القديمة بالعسف والقوة حينا والمكر حينا آخر.

ولئن تقنعت واصطبغت هذه القيم بالديني فإن هذا الديني ليس أكثر من قناع. يخفي تعبيرها عن مصالح فئة معينة من المجتمع تسعى إلى أن تلتهم الأخضر واليابس وتأتي على الحاضر بكل ما يتضمنه من تاريخ.

عالم كامل ينزاح وينسحق تحت ضربات قاسية عنيفة تسنها جماعة المقرئين على قبيلة عصيرة ووادي الحسني اللذين يعيشان حياة تتسم فيها بخلوها من التابوت.

حيث جميع أفراد المجتمع نساء ورجالا يشاركون جنبا إلى جنب في سائر تصاريف العيش اليومي من أعراس ومآتم وتداول في الشؤون المصيرية للقبيلة. تتداخل الشخوص في الرواية وتلتحم مع الحيوانات والطبيعة.

فالحيوانات مثلا تأخذ أهمية في الحياة اليومية للشخصيات وتكنى بأسمائها كالناقة ‘مسلية’ التي لا تقل خسارتها عن خسارة أحد الرجال الشجعان، والجمل الذي يمكنه أن يقيم القيامة على الغزاة بضربة خف واحدة. كما تحل الشخوص في الطبيعة بحيث تمتد إلى كينونتها الروحية كشخصية ‘غبيري الليل ‘، وتلتحم معها، هي التي تقتسم معها فضاء الوجود. كما أن الشخوص تكلم الجبال والسماء وتحج إليها ‘عكوة الشامية، عكوة اليمنية. الآمر نفسه ينسحب على طقوس سرية مثل التمسح بالأشجار من قبل النساء، والفتيات اللواتي يتركن شعرهن للريح. والتضرع والصلاة كي تنتصب قضبان الرجال، إذ تأخذ الذكورة قيمة كبرى في صوغ العلاقات داخل البيئة القبلية المرصودة، لكن مع ذلك تظل الأنوثة تخترق النسق الذكوري المسيطر عبر الاحتفاء بقيم الخصب عند المرأة: كوضع حبات الذرة على العروس وإناء الحبوب تحتها. تبدو المرأة أحيانا في داخل هذا النسق الذكري وكأنها الأقوى والأكثر ثباتا على المبادئ فهي تلعب دورا في الحفاظ على هوية وتراث القبيلة كصادقية حيث ‘الكل عند صادقية’. لكن رغم حضورها في كل شيء بدءا من موضوع الحرب وحتى موضوع الختان فضلا عن تدبرها أمور العشيرة إلا أن الابن هو الذي يحكم حضور المرأة يظل دائما مشوبا بما هو ذكوري. فالرواية كلها، تكاد ترتكز على فعل ختان حمود الشخصية المفصلية. الأحداث كلها، في النهاية، تعود إلى هذا الختان التراجيدي الذي تبتدئ به الرواية.

ثمة حلول أخرى للمواقف المعيشية التي يمر بها الكائن في هذه المنطقة على الشخوص بحيث تتلبس المواقف التراجيدية التي تمر بها. ‘قوم الذلول، محمد المقروع ‘. إن المزج بين ما هو سحري واقعي يؤسس للخطاب الروائي الذي يتنكبه الكاتب. الملاحظ هنا أن ما هو سحري هو في حقيقته الواقعي بحد ذاته. فالشخوص التي تبدو سحرية كبقيش الذي يقهر جيشا من السباع ويعيش في دم الأهالي، وحجلة والجنية التي تبكي العظماء، والطيور التي تخرج من أعالي ‘ساق الغراب’ لتشوي البلاد هي قناعات الشخوص وأساطيرهم وخرافاتهم التي تسير حياتهم، وتسير بالتوازي مع النص الديني الذي لا يحضر عمليا في الحياة اليومية للشخوص. إن الأساطير والتقاليد والأعراف عمليا هي التي تشكل هوية الناس وتقود حياتهم وليس الدين، هذا ما تفصح عنه الرواية.

تحتفي الرواية بالأهازيج والشعر الشعبي والرقص والغناء الذين يلعبون دورا في حياة قبيلة ‘عصيرة ‘حيث تدفع هذا الإرث الفني الحي الذي يلعب دورا ليس في صوغ العوالم الداخلية للشخصيات فحسب بل وفي دفعها نحو مصائرها. رواية ‘ساق الغراب، الهربة ‘عبر شخوصها وأحداثها الكثيرة وكأنها تسجل لملحمة شعب: نزوح، حروب، قتال، حياة بأكمالها تحدث في بقعة صغيرة وفي كيان اجتماعي صغير’ وادي الحسيني وقرية عصيرة ترصد قيما وعادات طالما تم طمسها ومحوه لمصلحة القيم الدينية التي حلت عبر العنف والقسوة والشراسة في هذا المجتمع متجلية عبر الاغتيال ‘قتل سبيع’والتمثيل به، قتل زوجة بشيبش. شخصيات تتساقط الواحدة بعد الأخرى أو تختفي، لكن شخصيات أخرى تأخذ مكانها وتسعى إلى متابعة المسيرة. رواية ملحمة شعب تذهب ثقافته وعاداته وتقاليده تحت العنف والقسوة في سبيل حلول ثقافة أخرى تتقنع بالدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية