‘سالفو’ يكشف عن عمق الترابط الوجداني والفلسفي مع الايقاع البصري

حجم الخط
0

على الرغم من أن فيلم ‘سالفو’ للمخرجين الأيطاليين فابيو جراسدونيا وانتونيو بياتزا لم يشارك في المسابقة الدولية لمهرجان سالونيك في دورته الرابعة والخمسين(1-10 نوفمبر) إلا انه يعتبر احد اهم التجارب التي عرضت خلال برنامج’الآفاق المفتوحة’ الذي يعتبر اهم برامج المهرجان وأكثرها ازدحاما بالتجارب الجيدة ربما بما يفوق مستوى افلام المسابقة ذاتها.
لا تأت اهمية ‘سالفو’ من كونه حاز قبل شهور على جائزة اسبوع النقاد في دورة مهرجان كان الأخيرة ولكن لأنه يمثل تجربة شعرية ووجدانية مؤثرة استطاعت أن تمزج ما بين الاطار النمطي لافلام الأكشن وحالة من الواقعية السحرية الغريبة التي تستلهم بعض ملامح التراث المسيحي في جانبه الشعري.
ريتا
بدأ المخرجان فابيو وانتونيو عملهما ككتاب ومستشارين دراميين لدى العديد من جهات الانتاج الايطالية وفي عام 2009 انجزا فيلمهما القصير الاول’ريتا’ الذي كان يدور حول فتاة عمياء تبلغ من العمر عشر سنوات تتعرض لحادثة غريبة تجعلها تبصر الحياة على الرغم من عماها الطبيعي.
بعدها قرر المخرجان ان يستغلا هذه الفكرة في تقديم فيلمهما الروائي الطويل الاول’سالفو’الذي استغرقت عملية كتابته وتصويره ما يقرب من اربع سنوات، لتعود شخصية ريتا للظهور ولكن في صورة شابة اكبر سنا هي الأخت الصغرى العمياء لأحد رجال المافيا والتي تتورط رغما عنها في عملية تصفيات دموية بين البارونات على يد قاتل محترف بارد الروح يدعى’سالفو’.
يبدأ الفيلم بداية نمطية جدا تخص افلام الأكشن التقليدية، سالفو في صحبة أحد رجال المافيا يطارد أحدهم في دأب ككلب صيد مدرب حتى ينتزع منه اسم الشخص الذي حاول اغتيال رئيسه، يعرف الاسم ثم يصفي الرجل بهدوء وبدون ان يطرف له جفن، الكاميرا في لقطة مقربة سوف تتكرر كثيرا في الفيلم على عيني’سالفو’المبصرة لكنها اقرب لعيون الموتى بلا مشاعر أو انفعال- اختيار متقن للممثل الفلسطيني الشاب صالح بكري بعينيه الملونتين وملامح وجهه المنحوتة.
ان عيني سالفو الزجاجيتين اللتين تقترب منهما الكاميرا في لقطات’هايبر كلوز/لقطة كبيرة جدا’ هي نوافذ روحه الباردة التي لا تعرف سوى القتل والتي تبدو اقرب لروح مارقة من الجحيم حيث لا دم يرتجف ولا تردد في قبض الحياة من اي شخص.
في مقابل عيني سالفو المتسلل لتصفية احد المتورطين في عملية اغتيال رئيسه بارون المافيا سوف نرى عيني ريتا الكفيفتين اللتين على الرغم من غرابة شكلهما ودمامتهما إلا انهما تبدوان اكثر حياة من عيني سالفو المبصرتين.
سوف تبتسم أخيرا
نظرات ميتة تواجه نظرات عمياء لكنها حية مفعمة بالرؤية، حركات عادية، فتاة ضريرة تخلع حذاءها غير المريح ليداعب الهواء قدميها الباهتتين، ما الذي يمكن ان يحرك الروح في هذا’
تمر اغنية ‘سوف تبكي’ التي تستمع إليها الفتاة عبر عيني سالفو مخترقة دمه البارد الذي جاء ليقتل، لكن شيئا ما بين العمى والبكاء يمس عصبا كان مخفيا في نفسه، فيصفح ويتحول في لحظة فوق واقعية إلى مسيح يملس هذه الفتاة فيبرئها من الظلام.
تقول كلمات الأغنية التي تعتبر التيمة الغنائية الأساسية في شريط صوت الفيلم:
سوف تبكي، سوف تبكي كالمطر،
وسوف تذهب حزينا مثل اوراق الخريف الذابلة، وحتما لن تسامح نفسك أبدا، لكن قلبك سوف يستيقظ ذات يوم صيفي حار، عندما تكون الشمس هناك،
وساعتها سوف يتبدل كل شيء، الحزن الذي في دموعك سيتحول إلى ضحكات براقة، سوف تبتسم اخيرا.
قبل دخول سالفو إلى منزل ريتا لقتل أخيها نسمع تلك الأغنية قادمة من الداخل وكأنها نبوءة سوف تتحقق عبر لحظة روحية خارقة بين الاثنين، سوف تبصر ريتا في اللحظة التي سوف يلمسها فيها سالفو من اجل ان يمنعها من الصراخ، في البداية سوف يكون البصر شحيحا، مجرد اضواء مبقعة لا تعني شيئا ربما يقف بداخلها شبح مبهم الملامح والصفات ولكن تدريجيا مع توطد العلاقة بينهما وشعورها بالقرب الروحي والنفسي منه بعد ان اختطفها وقرر احتجازها بعيدا كي لا يطالبه البارون بتصفيتها مع اخيها، تبدأ ريتا في الأبصار تدريجيا حتى يعود لها بصرها بالكامل في النهاية وتصب عيناها النور في حياة ذلك الميت الحي.
يقول المخرج الفرنسي روبير بريسون ان الفيلم هو بناء علاقة بالنظرات ويعتبر سالفو احد النماذج المتحققة لهذه القاعدة البصرية الهامة، ان عيني صالح بكري/سالفو تعكسان تقريبا اغلب جمل الحوار التي لم ينطقها طوال الفيلم، لا عبر كلمات محددة او تعبيرات ونظرات ميلودرامية ولكن عبر استنتاج الشعور من الفعل بناء على ملامح الشخصية المرسومة بدقة من البداية.
ان سالفو هو الانسان الذي لا تموت روحه ابدا مهما بدا باردا وصامتا وغير مكترث للحياة التي تبدو رخيصة في انتزاعها بمسدسه، اننا نراه في النزل البسيط الذي يقيم فيه بجانب المصنع الذي خبأ فيه ريتا لا ينام تقريبا، عيناه مستيقظتان طوال الوقت، وحواسه مشحوذة تنصت لكل حركة وهمسة، يفرغ المخرجان شريط الصوت تماما من اي موسيقى او مؤثرات تاركين الأصوات الطبيعية وكأننا نسمعها من إذن هذا الذئب مفتوح العينين.
ثمة تأكيد على أن سالفو في البداية ليس بشرا كليا، هو لا ينام ولا يبتسم ولا يضحك ولا يتحدث إلا قليلا جدا وغالبا لا نراه وهو يتكلم بل نسمع صوته وكأنهم يحافظون على حضوره غير البشري خاصة مع صوته العميق الذي يبدو قادما من عينيه وليس من حنجرته.
وعندما يضع له اصحاب النزل الطعام كل ليلة في طقس حميمي يرفض الأكل ويكتفي فقط من مظاهر الغذاء البشري بالماء!!
ولكن داخل هذا الكيان نصف الميت نصف المخيف ثمة خلية روحية واحدة لم تمت، تلك الخلية تتحرك طاقتها بمجرد ان يمس ريتا التي تبصر على يديه ويبصر على يديها او لنقل يتبصر على يديها بأنه لا يزال بشرا يمكن أن يعطف ويحب ويضعف ويضحي من أجل من أحب.
والان صرت مبصرا ولكن ماذا قصد صناع الفيلم بهذه الفكرة السحرية عن ابصار ريتا على يد سالفو! هل هو تمثل لتلك التيمة المسيحانية الشهيرة حول شفاء الاعمى والأبرص والأبكم1 كان المسيح يشفي المرضى بإذن الله انطلاقا من روحه التي نفخها في مريم فصارت كلمته، فهل يأتي سالفو كمسيح حداثي من وجهة نظر الفيلم!!
في الحقيقة فان قراءة الفيلم لا تبتعد كثيرا عن هذا التصور مع الفارق الديني في المغزى، ان سالفو بتلك الخلية الروحية الوحيدة التي بقيت حية بداخله هو نموذج للانسان الذي يحاول صناع الفيلم التأكيد على أن دمه بالمفهوم الوجداني لا يموت كلية ولكن طالما هو بشر طالما ثمة لحظة فارقة يمكن أن يستيقظ فيها من مواته الظاهري ويعود إلى انسانيته في هذه اللحظة يتساوى ابن الانسان مع كلمة الرب اي يتحول الانسان إلى شبه مسيح لديه لمسة إلهية، ان اللحظة التي يعفو فيها سالفو عن ريتا هي ذاتها اللحظة التي تنشط فيها تلك الخلية الروحية الوحيدة الباقية في داخله وساعتها تحدث المعجزة وتبصر ريتا على يده.
من هنا يمكن أن نشير إيضا إلى علاقة تسمية الفيلم باسم الشخصية وكأنه تأكيد على أن هذه التجربة تدور حول هذا الفرد/الانسان في دلالاته الشمولية وليس حول موقف عاطفي او قصة حب أو حكاية غريبة، بل عن البشر المتخصرين جميعا في هذا السالفو الصامت.
كذلك توجد اشارة واضحة خلال عملية التغيير التدريجية التي يجسدها السيناريو من خلال تحول سالفو إلى شخص ينام بالليل كبقية البشر ثم يجلس ليتحدث قليلا مع صاحبة النزل الذي يقيم فيه وزوجها الطيب بل انه يقوم بفتح علبة تونة والجلوس معهم حول مائدتهم البسيطة لتناولها في هدوء بينما يعلو شفتيه شبح ابتسامة وكأن النبءةة التي اطلقتها الأغنية التي كانت تستمتع إليها ريتا ساعة رآها قد بدأت تتحقق (سوف تبتسم أخيرا).
هذا التحول المرهون بموقف سالفو العاطفي والانساني من ريتا والذي يدفعه إلى مواجهة بارون المافيا الذي يصر على تصفيتها يجعل موقف سالفو اقرب إلى الموقف الفلسفي العظيم الذي تشير إليه آية انجيل يوحنا’ لقد كنت اعمى والان صرت مبصرا’ ففي اللحظة التي تبصر فيها ريتا على يد سالفو يتبصر سالفو هو الاخر حقيقته الانسانية وأنه بشر وليس آلة للقتل والانتقام تعمل لمن يدفع أكثر، انه ليس كلب صيد كالذي يصطحبه معه ويبدو اقرب للمجاز البصري الذي يشير إلى طبيعة عمله مع المافيا.
لقد كان اعمى رغم بصره الثاقب الذي يجعله يصيب احدهم في بداية الفيلم على بعد امتار كثيرة بدقة متناهية ولكنه حين تحركت روحه تجاه ريتا واشفق عليها ثم احبها صار مبصرا بحق تلك البصيرة التي لا غنى للبشر عنها كي يكتشفوا ذواتهم ويدركوا حجم أخطائهم ويتوبوا عنها او يكفروا كما فعل سالفو في النهاية عندما واجه مجموعة القتلة التابعين لبارون المافيا لانقاذ ريتا وتصفيتهم جميعا.
هذا العمق الوجداني والفلسفي والانساني هو ما يمنح سالفو تلك القيمة الروحية الرائعة التي تجعلنا نتقبل ابصار ريتا على يديه دون التوقف العلمي أو المنطقي البحت أمام الحدث، انها معجزة الانسان الذي خلق على فطرة طيبة لا تموت ابدا ولا تفنى طالما ظل على قيد الحياة.
ولا ننس بجملة الاحالات المسيحية في الفيلم إلى مغزى التضحية أو الفداء الذي أقدم عليه سالفو برفضه تسليم ريتا او قتلها ولكنه بمواجهة المافيا ثم الأصابة والهرب مع ريتا حتى يلفظ انفاسه الاخيرة على كرسي وحيد امام البحر وقد تحررت روحه اخيرا من أسر جسد شقي ولكن بعد ان فدت محبوبته وكفرت عن ذنوبه الانهائية.
ويتطابق هذا العمق الفلسفي والوجداني مع ايقاع بصري عام يتسم بالبطء والهدوء وحركة الكاميرا المحمولة التي تتابع الشخصيات وتنتقل ما بين وجهة النظر الذاتية لسالفو وريتا ووجهة النظر الموضوعية لما حولهم، ان الكاميرا هي عيونهم التي تبصر تدريجيا احدهم يتبصر ذاته والأخرى تشفى من عماها على يده.
حوار خاص يمتد عبر النظرات التي تحيا عيونها في شخصية سالفو وتستقيم عيونها في شخصية ريتا التي قدمتها الممثلة الشابة ‘سارة سيرايتشو’ بقدرة هائلة على الأيهام بأنها عمياء بالفعل وأن بؤبؤي عينيها يعانيان من ‘حول’ العمى المعروف ثم نراها كلما ابصرت تدريجيا كلما انصلح حال عينيها حتى تعود طبيعية كأن لم تكن كفيفة يوما.
وثمة ايضا توظيف جيد لآليات النور والظل فيما يخص اشعار المتفرج بلا بشرية شخصية سالفو خاصة في مشاهد النزل البسيط الذي يختبئ فيه وفي مشاهد المصنع الذي يخبئ فيه ريتا، فالشخصية تتحرك عبر ظلال كثيفة نتيجة مصادر اضاءة ضعيفة لكنها متعددة ومختلفة الزوايا وكأنه يتحرك وحوله شياطين خرافية وظلال غير أدمية ثم تدريجيا يخفت الظل ويقل حضوره كلما صار سالفو اكثر بشرية وروحانية.
كذلك اعتمد المخرجان فيما يخص علاقة ريتا وسالفو على بناء نتائجي وليس سببيا بمعنى أننا نطالع نتيجة الفعل أو الحدث بينهم فندرك فورا الاسباب، مثل رؤيتنا للدم النازف على زجاج احد نوافذ المصنع المهجور من عيني سالفو لندرك ان ريتا كانت تقف هنا وحاولت الهرب ولم تفلح او لم تر الزجاج المتكسر بشكل كامل لأنها لم تكن قد استعادت نظرها بعد كلية فيتجه إليها دون كلمة واحدة ويبدأ في تضميد جراحها ناظرا إليها دون ان ينطق لسانه وان كانت عيونه تفيض بكهرباء المشاعر الصامتة والحقيقية.
اننا لا نرى سالفو وهو يغادر النزل ولكننا ندرك ذلك من وشاية صاحبة النزل للشاب المافيوزي الذي يراقبه وهكذا، أن تكثيف الزمن واختصار المشاهد الادارية والميلودرامية هو أكثر ما يجعل هذه التجربة شديدة التأثير لانها لا تحتوي سوى على فيض المشاعر والتحولات الانسانية التي هي جوهر الدراما في الفيلم دون ان يكون لمشاهد الاكشن المنفذة جيدا والمطاردات والقتل أي تأثير نوعي على لب الفكرة الفلسفية ودلالاتها.
لا يمكن تصنيف سالفو على أنه فيلم أكشن او ميلودراما عاطفية بل هو تجربة من تجارب الواقعية السحرية في كامل هيئتها الروحانية والفلسفية دون شطحات فنتازية أو مبررات فوق واقعية وهو ما يجعله أحد اهم التجارب الشابة في السينما الايطالية والعالمية على حد سواء لهذا العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية