صحف عبريةسيدي بوسعيد تونس: لرواد مقهى ‘كافيه دي دليس’، في مدينة الميناء سيدي بوسعيد في الشمال الشرقي من تونس، من الصعب تجاهل النسيم القوي الذي يهب من البحر المتوسط ليحمل مئات سنوات من التاريخ. على مدى الاجيال شهدت هذه المدينة والمدن المجاورة لها قرطاج، المرسى وجمرات محتلين اجانب. قرطاج المذهلة بنيت في القرن التاسع قبل الميلاد على ايدي الفينقيين الذين وصلوا من لبنان الحالي وعملوا في التجارة بين اوروبا وافريقيا. المرسى، التي يعني اسمها بالعربية ميناء، كانت في الماضي مقر الحكام الاتراك في تونس. جمرات، ذات الاسم الفرنسي كانت قبل استقلال تونس قرية صيادين صغيرة وأصبحت الان ضاحية فاخرة مع فيلل لا تخجل بافرلي هيلز. المقهى نفسه، مع بواباته ونوافذه الزرقاء وحيطانه البيضاء، يبدو وكأنه جاء الى هنا من جزر اليونان. فنجان شاي عربي يكلف هنا ثلاثة دنانير، اكثر من كلفة 15 دقيقة سفر في السيارة العمومية في تونس العاصمة. أماكن كهذه هي ملعب الالفية العليا في تونس. والى هنا يأتي ايضا سياح فرنسيون، ايطاليون والمان، تجتذبهم المياه الزرقاء والاسعار المنخفضة نسبيا. السياحة لا تزال العمود الفقري للاقتصاد هنا رغم الازمنة العاصفة. الفندق المجاور، ‘هوتيل لا بلاس’ الذي مخرجه يؤدي مباشرة الى المضافة الرئاسية التي درج على أن ينزل فيها حاكم ليبيا معمر القذافي يتمتع بنسبة اشغال 40 في المائة. الامر الصحيحعاملو الفندق يربطون على أذرعهم أشرطة حمراء تضامنا مع الاضراب العام الجاري مطالبة برفع اجور عمال الصناعة. واضح أنه بعد سنة من عدم الاستقرار في الاقتصاد وفي السياسة، في أعقاب ‘ثورة الياسمين’ التي أدت الى الاطاحة بالطاغية زين العابدين بن علي فان سكان تونس يريدون تحسين الوضع. وعليه، فقد ثارت تساؤلات عن معنى نجاح حزب النهضة الاسلامي الذي اخرج عن القانون في عهد حكم بن علي في الانتخابات التي جرت الاسبوع الماضي. القصر الرئاسي، الذي كان في الماضي منزل بن علي، يقع تماما تحت المقهى في شبه جزيرة صغيرة تدخل في الخليج. وحيال هذا المشهد، فان الاخوات فربرة نيسا، ابنة 24، منال ابنة 23 ومروة ابنة 18، يحتسين الشاي مع الصنوبر والنعنع. الثلاثة، بنات عائلة غنية، جئن الى منزلهن في نابل، التي تقع هي ايضا على طول الشاطيء، مسافة ساعة سفر. وهن ينوين قضاء يومهن هنا. الريح تنثر الشعر المكشوف لاثنتين منهن. وهن يقلن انهن يشعرن هنا بالحرية. منال، الاخت الوسطى، بدأت تعتمر الحجاب قبل اسبوعين وتقول ان هذا واجبها، حسب قانون الاسلام. ‘هي تفعل الامر الصحيح’، يقلن ضاحكتين نيسا ومروى، ولكن عدم راحتهما بادية عندما تعلنان ‘نحن لسنا مستعدتين لان نفعل مثلها، ولا احد هنا يجبرنا’. الاخوات الثلاثة لا يقبلن بالتوقع السائد في أن الوضع سيتغير قريبا ويقلن ان معظم الامور التي تقال عن النهضة تأتي لاخافة الناس. فقد صوتت الثلاثة الى جانب ‘حزب الكونغرس’ برئاسة منصف مرزوقي، الطبيب الذي اصبح نشيط حقوق انسان وسياسيا. لماذا؟ ‘لانه ذاع صيته في الدفاع عن الناس وحقوقهم، واعتقدنا أن هذا هو الاهم’. ان لم تكن هن فآخرون يخشون حقا من أن تتغير الدولة.
باشراك الشعب’شاه جوزيف’ هو محل شعبي في المرسى لبيع الساندويشات. يؤمه تونسيون كثيرون يخرجون ويدخلون فيه بسرعة. لحم الخنزير الذي يباع هنا لا يمنع الزبونات المعتمرات للحجاب فهن ببساطة يطلبن شيئا آخر. ولكن معظم الوافدين لتناول شيء على السريع في الطريق هم تونسيون شبان علمانيون. احداهن هي عفاف عوني، شابة ابنة 18، تنهي السنة القادمة دراستها في المدرسة الثانوية. وهي تعزف على الكمان، البيانو وأداة عزف وترية عربية تقليدية. بعد أن تنهي تعليمها تعتزم أن تسجل للاكاديمية المحلية للموسيقى وتأمل في أن تكون معلمة موسيقى. عوني، التي تسكن في منزل أهلها، لا تبدو قلقة من الاقتصاد الاعرج لتونس، والذي انتاجه المحلي الخام هذه السنة صفر، او البطالة التي يقدر معدلها اليوم بـ 17 في المائة. وهي تشرح تقول ان ‘الوضع هنا ممتاز. ولكن في داخل الدولة الوضع الاقتصادي اسوأ. وحتى الان، بعد الانتخابات، من المعقول الا يتغير الوضع وذلك لان الكثير من التونسيين لا يقلقون الا لمصلحتهم وغير مستعدين لان يساعدوا الاخرين’. وهي تلبس كشابة اوروبية، ولكنها تقول: ‘انا احب تونس ولن اذهب لاعيش في مكان آخر’، كما تشدد. وهي فخورة بعملية الانتخابات وتعرض بفخار اصبعها الملون بالحبر. وهي ترد بشدة عندما تذكر الحزب الاسلامي. فتقاطعني لتقول: ‘النهضة لا! لا! لا!’، وتعود لتلوح بيدها، ‘سيحاولون تغيير شكل لبسنا، سيحاولون اجبارنا على تغطية الوجه بالخمار، والاسوأ سيحاولون تغيير التفكير تجاه النساء’. عندما تتلقى عوني ساندويشتها تسارع الى امها واختها، اللتين تجلسان في السيارة مشغلة المحرك. الام، اميرة، تعتمر حجابا، ولكن مثل بناتها، والشقيقات فربرة، هي ايضا صوتت لحزب مرزوقي العلماني. ‘لا أحد سيقول لبناتي ما يفعلن’، تشرح وتضيف، ‘هن سيخترن بأنفسهم كيف يعشن حياتهن. أنا لن املي عليهن، وبالتأكيد الحكومة لا يمكنها أن تفعل ذلك’. انضممت الى مرزوقي، رجل نحيل القامة، في جولة في وسط المدينة. وهو يشرح بان تونس اعتاد الناس على التفكير المستقل بسبب تاريخ من المجتمع المدني القوي. ‘علينا ان نبني كل شيء من جديد في ظل الاستناد الى ذلك’، يقول. ‘ليس فقط ديمقراطية سياسية، بل شيء أهم: ديمقراطية اجتماعية. في زمن الحكومة السابقة، المقدرات لم توزع بشكل عادل. الان يجب توزيعها بشكل اكثر نزاهة. علينا أن نشرك الشعب في الحكم. اذا لم نفعل ذلك بشكل معقول فهذا لن ينتهي بسلام والثورة ستندلع مرة اخرى بكل قوتها’. عوني، الموسيقية الشابة، تشركه في الرأي. ‘اذا حاول أعضاء النهضة تغيير الامور وحاولوا أن يفرضوا علينا طرقهم الاسلامية، فأنا سأكون أول من يخرج الى الشوارع’، تشدد القول. هآرتس 30/10/2011