يطرح موضوع التكنولوجيا وحقوق الإنسان إشكالية كبرى تتعلق بوضعية حقوق الإنسان، وهل هي مسألة متغيرة حسب تحولات الأجيال، والانتقال التاريخي من مرحلة إلى أخرى، وهل تخضع وضعيتها إلى مراجعات قانونية وحقوقية، هل مسألة المراجعة الحقوقية واردة، أم أن الأمر لا يتعدى تعديلات بسيطة في مجال الحقوق، تتماشى والتحولات التاريخية، دون أن تُؤثر تلك التعديلات في جوهر حقوق الإنسان، أم أن التحول يُجبر منظومة حقوق الإنسان على التعديل الجوهري، بل الانزياح التام عن المنطق المتعاقد عليه دوليا في حقوق الإنسان، والامتثال لقانون التحول التاريخي؟ أم أن مسألة حقوق الإنسان تظل واقعا ثابتا، لا يتأثر بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، ويظل إطارا إنسانيا، يُؤمن حقوق الإنسان، صونا لكرامته، وحماية لإنسانيته.
يتفرع عن هذه التساؤلات ملاحظة قد تكون هي جوهر الأسئلة في عنوان المقالة، وهي المتعلقة بوضع مفهوم « سايبورغ» قبل حقوق الإنسان. إنه وضعٌ تركيبي يجعل السؤال عِوض البداية بحقوق الإنسان وتحديها لـ»سايبورغ» يتم التركيز على حقوق الإنسان باعتبارها إشكالية كبرى تخضع لتحدي التكنولوجيا، بل الأكثر من هذا، الانطلاق من مفهوم يختصر في تركيبته واقع/ مستقبل الإنسان في ظل تطور التكنولوجيا مع « إنترنت الأشياء» وإلحاق التقنية بجسم البشر. إنه وضعٌ يجعل هذه التساؤلات تنفتح على سؤال حقوق الإنسان وشرعيتها في زمن فقدان الإنسان لخصوصيته الطبيعية، ويمكن صياغته أسئلةَ على الشكل التالي:
هل حقوق الإنسان وصفة تاريخية، تخضع آلياتها لمنطق كل تحول تاريخي، وتغير البيئة الحاضنة للإنسان؟
وهل يُنتج ذلك عدة وصفات، مما يُخرج الحقوق من مصداقيتها الإنسانية؟
وهل تخضع حقوق الإنسان إلى مفهوم الجيل حسب المفهوم التكنولوجي؟
وهل حقوق الإنسان منظومة سياقية تاريخية، سرعان ما تتغير بالتحول التاريخي؟
هل يمكن التفكير في مراجعة مفهوم حقوق الإنسان» كما تتم مراجعة مفاهيم أخرى لم تعد تستجيب دلالتها للمرحلة التاريخية؟
كيف يمكن الدفاع عن حقوق الإنسان من اختراق التكنولوجيا؟
لقد ارتبطت حقوق الإنسان منذ تأسيسها عام 1948 بالدفاع عن كرامة الإنسان وحريته، في إطار فهم مشترك بين الدول لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، والحرص على حماية خصوصيته. وناضل الإنسان بشتى الوسائل والمبادرات من أجل تحقيق هذه الحقوق، وامتلأت سجون دول بالمدافعين عن هذه الحقوق. وعندما نطرح اليوم تساؤلات حول إمكانية مراجعة مفهوم حقوق الإنسان حسب المستجدات المجتمعية، مع العصر الرقمي، ومتطلبات التكنولوجية، وتحدي الذكاء الاصطناعي للعقل البشري في سرعة الخدمة وجودتها، وتحكم التقنية في نظامها (الأتمتة) ومزاحمة الروبوت في عمل البشر، ومهن المستقبل، فذلك لنثير الانتباه إلى أن حقوق الإنسان تظل مفتوحة أمام تحديات التحول التاريخي الذي له علاقة بالتطور التقني.
ولعل من بين أكبر التحديات التي تواجه اليوم زمن الثورة الرقمية منظومة حقوق الإنسان المتعاقد عليها دوليا، ليس فقط تحويل الإنسان إلى سلعة تُعرض في أسواق الإعلانات والإشهار، كما حدث مع الثورة الصناعية، وتم تطويرها مع السوق التكنولوجي الذي حوّل الإنسان إلى مجرد شيء بين الأشياء، لكن اختراق جسم الإنسان، وزرع مجسمات إلكترونية فيه، واختراق خصوصية الأفراد وجعلها عُرضة للقرصنة الإلكترونية، خاصة مع هيمنة التكنولوجيا على السياسة والاقتصاد والحياة والإنسان، والتحكم في المعطيات الخاصة للأفراد، وتتبع تحركاتهم المكانية، ومراقبة تواصلهم، ما أدى إلى عُري الإنسان أمام التكنولوجيا.
أمام هذا التحول في تركيبة الإنسان، وفقدانه لبياناته ومعطياته الشخصية، وتحكم الأجهزة في «إنترنت الأشياء» في معلوماته الخاصة، فهل ستعرف حقوق الإنسان تحولا في منظومتها؟ وهل سيعرف العالم احتجاجات وثورات ونضالات ضد الشركات المتحكمة في مراكز الداتا والبيانات؟
ويكفي أن نُشير إلى أكثر المفاهيم تشخيصا لهذا الاختراق/ سايبورغ» حتى ندرك خطورة تحويل الإنسان إلى كائن آلي، بإدخال شرائح إلكترونية cyborg في جسمه، والتحكم في نشاطه اليومي، وحياته العملية. ومع الكائن الآلي، تنتقل التكنولوجيا من الروبوت بوصفه جهازا إلكترونيا تكنولوجيا يحاكي المهام التي يقوم بها البشر، ولهذا بات يُشكل تحديا أمام الإنسان، بمنافسته الشديدة للإنسان، وتهديده لليد العاملة في مهن كثيرة، إلى اختراق جسم الإنسان بالتقنية، وزرع الشرائح الإلكترونية في جسمه، وجعله تركيبة هجينة من البشري والتكنولوجي، وما يُعرف أيضا بـ» إنترنت الأجسام» الذي يعد جزءاً من «إنترنت الأشياء» ويتميز بالخدمات الصحية والبدنية، ويُسهم في تحسين نتائج عمل جسم الإنسان، غير أنه يمتص بيانات المستخدمين، ويُجردهم منها، باستغلالها، وجعلها عرضة للقرصنة والسرقة.
لقد بدأت عملية ربط جسم الإنسان بالتكنولوجيا عام 1998 مع تجربة العالم البريطاني كيفين وارويك المتخصص في علم الروبوت والتحكم الآلي، الذي زرع شريحة إلكترونية داخل يده، ليتم التفاعل بين جهازه العصبي والشريحة، بإرسال الجهاز العصبي لإشارات الحركة من الدماغ، والتقاط الشريحة لها وتحويلها إلى حركة. وبهذا الشكل فإن الإنسان وِفق هذه التركيبة البشرية الإلكترونية يتحول إلى سايبورغ، ويخضع من ثمة إلى نظام « إنترنت الأشياء» ما دام في جسمه مجسمات وشرائح إلكترونية تستطيع أن تتواصل مع شبكة الإنترنت، وترتبط بأجهزة مادية أخرى عبر الشبكة، وبهذا المعنى، فإن الشيء في منظومة «إنترنت الأشياء» لا يُقصد به فقط الجمادات والأشياء المتعارف عليها، فقد يكون الشيء فردا وشخصا وإنسانا مرتبطا بجهاز مراقبة مثلا. ومن ثمة، فإن الإنسان قد يتحول بصيغة من الصيغ إلى شبكة الأشياء المترابطة مع بعضها في إطار التفاعل الشبكي، إلى جانب تعرض البيانات الشخصية إلى الاختراق والسرقة والتغيير.
وعلى الرغم من الخدمات النفعية المهمة التي تقدمها التكنولوجيا في مختلف ابتكاراتها من خدمة المرضى وكبار السن، عبر تقنية المراقبة عن بعد، دون المكوث في المستشفى، واستثمار التعليم والطب والاقتصاد لهذه الخدمة، وغيرها من القطاعات، فإن الاستخدام التكنولوجي يظل خطرا يُهدد حقوق الإنسان في أحقيته في امتلاك خصوصياته وبياناته، وعدم تخليه عن بُعده البشري الإنساني.
لا شك في أن وجود التكنولوجيا في حياة الإنسان اليوم أصبحت ضرورة ملحة، بل وجودها لم يعد يطرح أمر قبولها أو رفضها، لكونها باتت تُشكل مكونا جوهريا في حياة الأفراد، وأمرا واقعيا يُقدم خدمات تتميز بالدقة والسرعة والجودة في الإنجاز، وتأمين نظام حياة الأفراد، وتمكينهم من جودة تدبير حياتهم وعلاقاتهم وعملهم، وتقترح حلولا لخدمة البشر صحيا وطبيا وتعليميا وتجاريا، وغير ذلك، غير أن مخاطر كثيرة تتجاوز هذه المنافع، وتضع الإنسان تحت سلطة التحكم الآلي، وتحويله إلى مجرد شيءٍ، يفقد قيمته الإنسانية وهو يدخل في ترابط شبكي مع أجهزة مادية، وهو يستقبل شرائح ومجسمات إلكترونية في جسمه، وهو يتحول من بشر إلى كائن هجين، وتُصبح التقنية مكونا من مكونات هويته المادية، مع احتمال تغييرات في مكوناته الجينية الطبيعية.
أمام هذا التحول في تركيبة الإنسان، وفقدانه لبياناته ومعطياته الشخصية، وتحكم الأجهزة في «إنترنت الأشياء» في معلوماته الخاصة، فهل ستعرف حقوق الإنسان تحولا في منظومتها؟ وهل سيعرف العالم احتجاجات وثورات ونضالات ضد الشركات المتحكمة في مراكز الداتا والبيانات؟ وكيف يتم الاحتجاج ضد شركات تقدم خدمات باتت تشكل جوهر النشاط الحيوي لأفراد المجتمعات؟ وإلى أي حد يستطيع الأفراد الدفاع عن حقوق ملكيتهم لبياناتهم، وفي الوقت ذاته ينخرطون في الخدمات التكنولوجية؟ كيف يمكن خلق توازن بين منافع التكنولوجيا وقدرتها الخدماتية في إيجاد حلول مستعصية في حقول طبية وصحية واقتصادية وتجارية وتعليمية، والحد من تحكمها في خصوصية الأفراد وأحقيتهم في امتلاك معلوماتهم، وعدم السماح باستغلالها؟
يحتاج الوضع إذن إلى مرافقة فلسفية للوعي بالاستخدام التكنولوجي، ومتابعة تحدياته حتى لا يتم التنازل عن حقوق الإنسان في تأمين إنسانيته.
روائية وناقدة مغربية