سبارتكوس، أيها الفتي العنيد مع الشاعر أمل دنقل في الذكري العشرينية لرحيله
عبد السلام ناس عبد الكريمسبارتكوس، أيها الفتي العنيد مع الشاعر أمل دنقل في الذكري العشرينية لرحيلهمن الدواوين الشعرية التي اقتنيتها في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، يوم أن كنت أزاول بحماس وشغف مهام تدريس أبجديات الأدب للناشئة ، الأعمال الشعرية الكاملة (1) لأمل دنقل الشاعر المصري المتألق في سماء الحداثة الشعرية. وبرغم نبتي آنذاك الكتابة عن انطباعاتي حول هذه التجربة الشعرية المتأصلة في عمق وجداننا الشعري الحديث إلا أن جملة من الإكراهات، ولا داعي لذكرها، وقفت عائقا حال دون استكمال الرغبة وترجمتها إلي فعل ملموس . وأجدني اليوم، بمناسبة مرور عشرين عاما علي رحيل الشاعر و بعد ربع قرن من التحولات النوعية التي ألقت بظلالها فوق الراهن الثقافي السياسي للواقع العربي، أراجع هذا العمل الشعري الحصيف المنفتح علي إحساس الفرد العربي بما يحمله من مرارة الإقصاء والشعور بتدني شروط الكرامة الإنسانية في علاقتها بالشروخ القومية المتزايدة تحت وابل التآمرالإمبريالي الحاقد . وبين ثنايا المقاطع الشعرية أراني أتلمس الطريق إلي الموقف الشعري لصاحبها فتنجلي صورته النابضة بوجدان الحداثة رامزة أيضا لزمن ما بعد الحداثة وإن لم يكن قد أدركه بوجوده الشخصي بل بنبوءته الشعرية . الشعر والحلم والرؤي:الشعر مكون حضاري ضارب في الزمن.وهو الأداة الروحية التي دأبت منذ تعاقدها البدئي مع الإنسان علي دفعه نحو تفعيل المواجهة مع الحياة وهي مواجهة خلاقة قوامها التضادّ الهادف إلي تحقيق التوازن مع الذات والتوازي مع الطرف النقيض. لذا كان التجلي الشعري الموصول باعتمالات الحلم مظهرا رؤيويا دالاّ علي غور المعترك ، فمن خلاله يكتشف الشاعر تناقضاته ويتمكن من توسيع مساحة وعيه، وبواسطته ينفتح علي الدائرة المحيطة به انفتاحا يتوخي من خلاله تيسير مسالك آمنة ليوتوبيا الذات بيد أنّه لا يسعفها إلّا بالمزيد من القلق المربك الذي يدفعه وفق نهج سيزيفي موصول الحلقات إلي البحث الجاد عن ملاذات أخري تتيح له القدرالمنشود من الطمأنينة. في دوواين الشاعرأمل دنقل وعبر جميع مسالكه الشعرية يقتفي التجلي الشعري خطي الكلمات اللاهجة بنشيد الصفاء محلقا في فضاءات الخيال دونما رقيب سوي الوجدان، سوي الحلم ذي النبع الرحيب. ويمتد الحلم عبر السديم صفيا خالصا تقوده نتوءات الألم الدفين ولجلجة المسرات الدفيئة المتوارية خلف البشر الطفو لي البريء الذي ينزوي خلف زيف الواقع ومناحات الوجود. هكذا تنتعش اللواعج وتذكو في رحاب التجليات وتمتلئ اللغة بعنت الكينونة وتطلعاتها الشعرية الأولي الممتدة عبرالسواقي الروابي والوهاد مسكونة بالأشياء والأصداء والأشباح.إذا سباكِ قائدُ التتاروصرتِ محظية..وصرتِ محظية..فشد شعرا منك سعاروافتض عذرية..واغرورقت عيونك الزرق السماويةبدمعة كالصيف ، ماسيةوغبت في الأسوار ،فمن تري فتح عين الليل بابتسامة النهار؟مازلتِ رغم الصمت والحصارأذكر عينيك المضيئتين من خلف الخماروبسمة الثغر الطفولية..أذكر أمسياتنا القصارورحلة السفح الصباحيةحين التقينا نضرب الأشجارونقذف الأحجارفي مساء فسقية !(1)ويتطلّع الشاعر إلي النّبوءة و الاستشراف لعلّهما يخفيان بعض ذلك الكدر الموشوم في الــــذاكرة، متوسّلا بقناع تاريخي شفّاف حمّال لمعني الخلاص وحدوس التّطهير. لكنّ القناع يرتدّ إليه مشحونا بارتجاعات تراجيدية رهيبة يؤطّرها سواد اللّحظة ونبر الأنين: أيتها العرافة المقدَّسةْ .. جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ أزحف في معاطف القتلي، وفوق الجثث المكدّسة منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ. أسأل يا زرقاءْ .. عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً علي الصحراء عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء.. فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !( 3 )عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !! أسأل يا زرقاء .. والملفوظ الشعري في هذه الأعمال الشعرية يولد في ثنايا النسيج اللغوي محمَّلا بمدلولات الإشراق الصوفي المنيع عبر صمت العناء وسهوم التشظي . ومن سمات هذا الملفوظ أن تعانق الكلمة نسجها وتمنحه وهجها الخالص ضمن منظور سردي درامي يشي بشمولية الموقف وتماسك الرؤي من غير أن يلوي اللسان بها سبع مرّات، بل تظل الألفاظ وفيّة لرهاناتها الإشارية الأولي الموتورة مدخولة بحنين الصّفاء المتواري وصدي الاستواء المعلق حتّي إشعار آخر:في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة. كنتُ أباً وابنا.. وروحاً قدُسا. كنتُ الصباحَ.. والمسا.. والحدقة الثابتة المدورة. … … … وكان عرشي حجراً علي ضفاف النهر وكانت الشياه.. ترعي، وكان النحلُ حول الزهرُ.. يطنُّ والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون، والحياة.. تنبضُ – كالطاحونة البعيدة! حين رأيت أن كل ما أراه لا ينقذُ القلبَ من الملل! (4)إنّني كلّما تأملت هذا النّبع الشعري الخصيب ينتاببني شيئ من السؤال, هل هذا السبيل الشعري متاح بيننا اليوم علي مدي الأجيال الشعرية الجديدة المتجددة؟ ويظل الجواب رهينا بكثير من الاحتمالات وببعض من الاستباقات . ولكن ، مهما اختلف التصنيف وتباعدت الأحكام فثمة ثابت لا يرتفع، ذلك أن ليل الشعراء طويل كظيم بيد أنه أكيد ينجلي بشموس الشّعر. هذا هو الشاعر أمل دنقل ذلك الطائر الشعري المحلق فوق الاحتجاج الرافض لكل شعور مبتذل للمذلة والخنوع والاتكال والاجترار. شاعر نزاري آخر مسكون بالمرارة التي سكنت وجدانه الشخصي الممزوج بخلاصة الوجدان الجمعي لأمة بكاملها، ذلك الوجدان المخصي مغصوب الفحولة وإن كان في الأعماق يصدح ملئ الربي والسماء برغبة التجاوز والانفجار.لا شك إذن في أن النغم الشعري لا تستوي أوتاره إلاّ من أياد ماهرات متمرسة بحكي الأنات وترجمتها إلي رعود تنبئ بالخصب المنشود. الموقف الشعري :إنّه ذلك الموقف الذي يخترق حجب العابر الشفاف إلي عمق الزمن القومي الكثيف المتعم بالسقوط والابتذال والمهانة وروح الخنوع والاستمراء للجلاد المتحكم في مصير أمّة وجد أنها تملك من مقومات التوحد والتماسك ما يزيدها تحصنا ومناعة فأبي إلّا أن يعمل بخبث ممنهج علي هدم ما بقي من ثوابت صرحها المكين. من خلال زرع الشقاق وإذكاء النعرات .ولكن ، ومع انكشاف هذا الزيف هل يبقي مسوغ واحد للهرولة خلف صلح واهم موسوم بالهشاشة والانكسار وانكفاء الذات علي أشلائها الممزقة؟ أجل . فلا جدوي من التصالح إذا كانت أطرافه غير متكافئة:لا تصالح!… ولو منحوك الذهبأتري حين افقأ عينيك, ثم اثبت جوهرتين مكانهما ..هل تري ؟هي اشياء لا تشتريذكريات الطفولة بين اخيك وبينك,حسكما -فجأة- بالرجولةهذا الحياء الذي يكبت الشوق ..حين تعانقهالصمت -مبتسمين- لتأنيب امكما …وكأنكماما تزالان طفلين!!تلك الطمأنينة الابدية بينكما:ان سيفان سيفكصوتان صوتكانك ان مت:للبيت ربوللطفل ابهل يصير دمي -بين عينيك- ماء؟هذا الموقف الممانع المشاكس شخّصه الشاعر بواسطة قناع اسبارتكوس البطل المجسّد لثورة المستضعفين الحامل لراية الاحتجاج والتحدي ضدّ قوي البطش والجبروت بالرغم من قلة الحيلة وخسران الرهان . من خلال هذا القناع الذكي يستضمر الشاعر بقوة تلك المفارقة الصارخة التي يرشح بها صوته الشعري المبحوح نداء لأجل تقريب الفجوات بين الواقع والمثال ، و الصدق والزيف و الحلم واليقظة. ولا يسعه في النهاية إلّا أن يلجأ لرأب الصدّع الشعريّ متوسّلا بشعرية التهكم الساخر كقيمة فنية تعويصية يلجأ إليها الشعراء كلما انقطعت بهم سبل التوافق مع دائرة المحيط وقلّما يفلحون. هكذا يستمر الصوت الرافض صاخبا ينفي ولا يصالح. وحتيّ بعد لفظ الأنفاس يشرئبّ لجوجا من بين ثنايا حبل المشنقة لاهجا بالإدانة الدفينة الممزوجة بالسخرية و بأكفان الموت:فلترفعوا عيونَكم للثائرِ المشنوقْفسوف تنتهونَ مثلَه.. غداوقبّلوا زوجاتِكم.. هنا.. علي قارعةِ الطريقْفسوف تنتهون ها هنا.. غدافالانحناءُ مُرّ..والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرّجالِ ينسجُ الرديفقبِّلوا زوجاتِكم.. إني تركتُ زوجتي بلا وداعْوإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه علي ذراعِها بلا ذراعْفعلّموهُ الإنحناءْ!علّموهُ الانحناءْ!(6)إنها لحظات الدفق التي تزدهي بها عوالم التلفظ الشعري في رحابها الممتدة عبر بنية الملفوظات ومقاصد القول واعتمالات التلقي. و من خلالها لا يتمالك القارئ في النهاية، بعد أن يتلقي هذه الصدوع وهذه الكلوم الراسخة في الوجدان الشعري الصادق إلا أن يتسنّم ذروة الاعتزاز والفخر والتضامن مع ذلك الصوت الشعري الصّادق وأن يدين له بالولاء.هوامش:1 أمل دنقل – الأعمال الشعرية الكاملة ، دار العودة-بيروت – مكتبة مدبولي 2 الأعمال الكاملة ص : 417 قصائد متفرقة – ق إلي صديقة دمشقية3 الأعمال الكاملة ص:121 -البكاء بين يدي زرقاء اليمامة – ق بنفس الإسم 4 الأعمال الكاملة ص: 267 – سفر التكوين – ق الإصحاح الأول5 الأعمال الكاملة ص.: 321 – أقوال جديدة عن حرب البسوس – ق لا تصالح6 الأعمال الكاملة ص:110 البكاء بين يدي زرقاء اليمامة- كلمات سبارتكوس الأخيرةشاعر وناقد من المغرب0