سباعية نقدية

حجم الخط
0

سباعية نقدية

خيري منصورسباعية نقديةإذا كان الشعر العربي القديم قد بقي علي مر القرون، إبداعا حاضراً، ملهما للناقد كما الشاعر.. فإن النقد القديم لم يحظ بما حظي به الشعر من حضور فاعل ومؤثر، هذا بالرغم من المحاولات العديدة التي قام بها نقاد ومؤرخو أدب معاصرون، لتقديم كيان نقدي منهجي من ركام نقدي هائل، منه ما كان وليد زمانه فحسب، ومنه من حددته الأزمنة اللاحقة لما فيه من بذور وإمكانات قابلة للبقاء. ويبدو أن ضخامة ديوان العرب حفزت الشعراء – عبر كل المراحل – إلي غربلة الديوان، إعادة قراءته واختيار نماذج منه، مشروطة بذائقة الشاعر الذي يختار وبحاسته الشعرية ومنحاه العام.. ومن هنا كانت كتب الحماسة علي اختلاف أصحابها وكذلك المفضليات و الأمالي محاولات نقدية جريئة فيما تركت كجرأتها في اختياراتها.. ولعل هذه الكتب من المختارات وأمثالها رسخت فيما يشبه التقليد في تراثنا الأدبي، وأصبح الشعراء المحدثون يحتذون بالأسلاف من الشعراء – النقاد، بتقديم مختارات هي الأجود بحسب معايير مرحلتهم.. بحسب نظريتهم في فهم الشعر. إن القيمة أو إحدي القيم التي أفرزتها عمليات الاختيار من الشعر العربي القديم، هي تيسير قراءة هذا الشعر لدي العربي المعاصر شاعرا وناقدا.. ومواطنا، وتقديم دليل شعري إلي الديوان الضخم، إضافة إلي فتح باب جديد لمقارنة المختارات والتوصل إلي المناهج التي تحكمت بها لدي هذا الشاعر أو ذاك.. النقد العربي القديم لم يتح له مثل هذا الاهتمام، بقي مادة كبيرة ومجالا رحبا للتحقيق، وللاستنتاجات الأكاديمية المكرورة، وفي أحسن الأحوال لقي هذا النقد محاولات لعصرنته سواء بتأويلات قسرية أو بتفجير إمكانات النص النقدي وتسوية طياته الكثيرة المعقدة. أما النصوص النقدية نفسها، فقط ظلت بعيدة عن تناول القارئ العربي المعاصر، وربما كانت منفرة للبعض متوعدة بالاستعصاء علي الفهم لدي بعض آخر، ومن أسباب هذا التنفير الأساليب التي قدم من خلالها النقد العربي القديم وتكريس شكلانية هذا النقد والذهاب – بإغواء السهولة – إلي أكثر نماذجه سطحية ومفاضلة بين الأجود والأردأ.. إلخ. وثمة سبب موضوعي هو طبيعة اللغة التي كتبت بها النصوص النقدية القديمة وصعوبة هذه اللغة متأتية بالدرجة الأولي من تعود القارئ المعاصر علي لغة نقدية حديثة، أسست معجمها الخاص بعد أن تعرضت لعمليات تلقيح واسعة بالكتب النقدية المترجمة والتراكيب اللغوية – نصف العربية – في بعض الأحيان – التي نقلت بها تلك الكتب..ہہہ نصوص من النقد العربي للدكتور محمود الربيعي، محاولة جيدة لتقديم مختارات من النقد العربي بمنهج مواز لمناهج الشعراء المحدثين الذين قدموا مختارات من الشعر العربي القديم، ويلاحظ القارئ أن الدكتور الربيعي لم يقل في عنوان الكتاب نصوص من النقد العربي القديم واكتفي بالقول.. من النقد العربي، موحيا للقارئ أن هذه النصوص قابلة للتجدد، وبها من عناصر ومقومات البقاء والفائدة ما يجعلها معاصرة دون ان يلحقها أي تحوير أو تأويل قسري.. ومحاولة د. الربيعي ليست الأولي في هذا المجال، وإن كانت كذلك فيما يتصل بتقديم نصوص مستلة من مصادر نقدية محددة، ورغم احتراز د. الربيعي المبالغ به من فهم القارئ لهذه المختارات النقدية علي أنها الأفضل أو الأكمل والأكثر استيفاء لعناصر النقد – بمعناه الحديث – رغم ذلك فهو لا يخفي قناعته بأن النصوص النقدية السبعة التي يقدمها هي أولا وأخيرا النصوص التي أقنعته أكثر من سواها وإلا فلماذا اختارها بالذات؟ اختيار الناقد لنصوص أدبية بعينها من الصعب أن يكون موضوعيا، كما أن اختيارات الشاعر المحدث لن تكون موضوعية هي الأخري، في الحالتين تكون المختارات محكومة بفهم وحساسية وقناعات من يقدمها، إنها النسغ الذي ينتسب إليه وعبره يصل إلي القلب، وعبره أيضا يقع علي سلفه الخاص الممتزج بنسيج الأسلاف.. يقول د. الربيعي نافيا عن نفسه مقاصد معينة في احتفائه بالنصوص المختارة كأن يقال بأنه أراد أن يقارع بهذه النصوص النقد العالمي في كل زمان ومكان، ويضيف أن مثل هذا الهدف كان منزلقا لسواه من الدارسين الذين دخلوا في معارك متوهمة، لكن د. الربيعي سرعان ما يأخذه الحماس ليري أن ثمة نصوصا نقدية قديمة لو نظرنا فيها نظرة متفحصة لوجدنا أنها لا تعاصرنا فحسب وإنما تقول ما لا نعرفه. من هذه النصوص ما يشير به الآمدي إلي الدربة تلك القوة الغامضة التي يتميز بها الناقد عن سواه، يقول الآمدي: ويبقي ما لا يمكن إخراجه إلي البيان ولا إظهاره إلي الاحتجاج، وهو علة ما لا يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة.. إلخ، أو ما يشير إليه الآمدي من مؤهلات الناقد الحق كقوله: و قد قيل ليس الخبر كالمعاينة وعلة ذلك بينة واضحة ومعلومة ظاهرة وهي أنه لا يمكنه أن يشاهد بك جميع المعلومات التي اختبرها وعلم علمها منها بملابستها في السنين الطويلة فمن المحال أن يقدر (علي أن يصور لك عشرة آلاف فرس أو يصف لك عشرة آلاف جارية أو عشرة آلاف سيف مختلفات الأجناس والجواهر والأوصاف، فيجعلك مشاهدا لذلك كله في لحظة واحدة..). أما سبب إغفالنا لما تقوله تلك النصوص فهو إحساسنا نحن أبناء القرن العشرين بتضخم ذواتنا. وإنصافا للنصوص الخالدة وللدكتور الربيعي الذي لم ينصف نفسه وأبناء القرن العشرين معه نقول إن هناك مقولات في النقد وفي غيره، عامة ومرنة تتكرر في كل مرحلة، لكن ما يجد عليها هو التفريعات والمضي عمقا في التطبيق وما يقال عن النقد يمكن أن يقال عن الإبداع – الشعر خاصة – حيث نجد أن الثيمات الكبري تتكرر في كل عصر، وكأن هناك بعض الثوابت في المعاناة البشرية، لكن ما يمنح هذا التكرار ألوانا وإيقاعات جديدة، بل ولادات جديدة هو تنوع أداء الشعراء وتباين مواهبهم وقدراتهم، وبغير هذا التصور سنجد أنفسنا دائما نردد عبارة دوناتوس: سحقا لمن سبقونا فإنهم قالوا أقوالنا وقد نضيف سحقا أخري لهؤلاء السابقين لأنهم قالوا ما سنقوله ..ہہہ النص النقدي الأول من كتاب فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، يرتكز علي النص المختار إلي ما سبق واستشهد به د. الربيعي حول ما يقوله الآمدي عن الدربة . و قال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر استحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك. قال إذا أخذت درهما فاستحسنته فقال لك الصراف: إنه رديء فهل ينفعك استحسانك إياه؟ . ما الذي كان سيقوله الجمحي لو رأي العملات المزيفة علي موائد صرافي زماننا؟؟ وأية حيرة واستهجان سيبعثها الرنين الكاذب؟ إن نص الجمحي علي قصره يستثير إشكاليات نقدية دقيقة، لكنه يمر بها مرورا، منها، البحث عن الفروق بين الأشباه مذكرا إيانا بقولة ذلك الموسيقي الذي اتهم بالسرقة من زميل له، فأجاب: الشبه كبير بيننا إلي الحد الذي جعلكم تدركونه، أما الفروق فدقيقة تفوت أمثالكم، لكأن الموسيقي يريد هو الآخر صرافا وهذا ما يعبر عنه الآمدي في الموازنة يقول: ألا تري أنه قد يكون فرسان سليمان من كل.. موجود فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدربة الطويلة.. وكذلك الشعر قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحدا أو أيهما أجود إن كان معناهما مختلفا . النص الثاني: لابن قتيبة من كتاب الشعر والشعراء وهو مستل من الجزء الأول من الكتاب ومن صفحات متقاربة أري أن هذا النص ينجح في تقديم مشهد نقدي مختزل لابن قتيبة ويمكننا بعد قراءته أن نستخلص منه عدة قضايا أهمها: أولا: الرؤية النقدية العادلة، حيث ينبغي للناقد أن يأتي إلي النص المنقود بنية غير مشوبة بأي غرض آخر، كأن يكتسب النص المبدع قيمة جاهزة لكونه متقدما، أو يفقد هذه القيمة عندما يكون متأخرا. والجديد عن ابن قتيبة قياسا إلي علماء زمانه هو هذا التجرد يقول: فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لقديم قائله ويضعه في متخيره ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه أو أنه رأي قائله . العبارة الأخيرة جديرة بأن يكتب عنها ويستوحي منها الكثير.. فهي توجز الكثير مما يقوله علم النفس أو تقوله خبرتنا نحن الأحياء.. حول الجلال الذي يحيط بالغياب، وحول ما تفعله الألفة والتعود والاقتراب، وهذه كلها قضايا من صميم النقد وإن بدت للوهلة الأولي غريبة عنها. ثانيا: يقدم نص ابن قتيبة تسويغا أبديا للحداثة: لم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة علي زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر.. إلخ . وتسويغ الحداثة أو التحديث لا ينفصل عن مسألة بالغة الأهمية هي الانعتاق من رؤية صنمية للماضي، باعتبار النموذج الكامل الصافي ماضويا الضرورة. ويعبر ابن قتيبة عن النزاهة النقدية بقوله: كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه. ثالثا: إن الثوابت الشعرية تجد لها متسعا في نص ابن قتيبة بمعني أن الشاعر ينفصل عن التجربة المعاشة مخليا حيزا للثابت الشعري الذي يتغذي منه الجميع.. فالفرزدق زير نساء وصاحب غزل وكان مع ذلك لا يجيد التشبيب بينما كان جرير عفيفا عزهاة عن النساء وهو مع ذلك احسن النساء تشبيبا، وكان الفرزدق يقول: ما أحوجه جرير مع عفته إلي صلابة شعري، وما أحوجني إلي رقة شعره لما ترون. ويكاد ابن قتيبة أن يقدم تعريفا مفصلا لـ النظم باعتباره النقيض الحقيقي للشعر وليس النثر هو النقيض. فالمتكلف من الشعر وإن كان جيدا محكما فليس به خفاء علي ذوي العلم، لتبينهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكير وشدة العناء ورشح الجبين وكثرة الضرورات وحذف ما بالمعاني حاجة إليه وزيادة ما بالمعاني غني عنه . نكتفي بهذه الوقفة عند نصين نقديين من مختارات د. الربيعي لنطرح سؤالا لا بد من طرحه.. هو إلي أي حد كانت النصوص السبعة تمثيلا لتراث العرب النقدي؟ ومن جهة أخري إلي أي حد يمكن اعتبار هذه النصوص ممثلة لنظريات أصحابها إن كانت ثمة نظريات؟ وفي رأينا أن الإجابة عن أسئلة كهذه، لا تقع علي عاتق محاولة د. الربيعي وحسب، وإنما علي عاتق محاولات أخري تقدم نصوصا نقدية وتتيح لنا مقاربتها نصوص الربيعي، وإلا فإن هذه النصوص ستظل وحيدة وناقصة ومجزوءة تقارب فقط بسياقاتها الكبيرة والأصلية التي خلعت عنها.إن خطوة هذا الكتاب نصوص من النقد العربي تكمن إيجابياتها فيما ترسخه أو تحاول ترسيخه من تقليد جديد، يبحث عن العافية في النقد القديم ويقدمها لا كانتقادات مزاجية آنية وإنما ككيانات نقدية تصدر عن رؤيا.هامش:النصوص النقدية المختارة في الكتاب للجمحي وابن قتيبة وابن طباطبا وقدامة والجرجاني والآمدي والقيرواني…0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية