في اعقاب انتهاء الانتخابات البرلمانية في العراق التي جرت في الثلاثين من ابريل/نيسان الماضي، بدأت صفحة جديدة تمثلت بخطابات وتصريحات عكست لجوء المتنافسين الاقوياء لابراز عضلاتهم، واعلان موقفهم بـ’المنتصر’ في حكم سابق لأوانه، وفي ظرف قد لا يجعل قويا ينفرد لوحده وقد تكون النتائج الانتخابية مفاجئة بعكس كل التوقعات.
وبداية هذه التصريحات جاءت على لسان رئيس الحكومة نوري المالكي عندما قال سنبدأ مشاوراتنا مع كتل لدينا معها اتفاقات مسبقة لتشكيل حكومة يصر على انها حكومة أغلبية سياسية. ولو سلمنا جدلا بالارقام التي تحدثت عنها مراكز استطلاعات الرأي التي اعطت لكتلة دولة القانون بزعامة المالكي ما بين 68 ـ 80 مقعدا في عموم البلاد يضاف لها 20 مقعدا للحلفاء الذين يراهن عليهم المالكي، فأن هذه المعطيات لن تجعل رئيس الحكومة يتجاوز الـ’100′ مقعد من اجمالي مقاعد مجلس النواب البالغة 328 ما يجعل المهمة معقدة لبلوغ طموحه بالبقاء على كرسي الحكم لدورة ثالثة.
وربما تأتي تصريحات رئيس المجلس الاعلى الاسلامي عمار الحكيم بالضد من تصريحات المالكي عندما بشر بفوز كتلته المواطن، في خطاب اتسم بالتفاؤل الزائد بقوله ‘قلوبنا مفتوحة، وايادينا مفتوحة للجميع، وسنشكل الفريق القوي المتجانس ذا الرؤية الموحدة لقيادة هذا الوطن’، ثم كرر ‘انتصارنا هو انتصار للاعتدال والوسطية والحوار والتهدئة والأمن والسلام’.
وقد يكون التيار الصدري الذي نال حوالي 30 مقعدا بحسب استطلاعات الرأي أكثر هدوءا من حلفائه في التحالف الوطني الذي ضم المجلس الاعلى وحزب الدعوة والفضيلة وبدر، لكنه اعلن الندية ضد رئيس رئيس الحكومة المالكي واصراره حرمانه من رئاسة الحكومة لولاية ثالثة، فضلا عن اعلانه البدء بحوارات واتصالات مع كتل الوطنية بزعامة اياد علاوي الذي لا يتجاوز نصيبه من النتائج الانتخابية اكثر من 14 مقعدا في افضل حالاته والعربية بزعامة صالح المطلق 10 ـ 11 مقعدا، ومتحدون بزعامة رئيس البرلمان 30 ـ 35 مقعدا.
ولعل المؤشر الثابت عن مسيرة العملية السياسية بوضعها الحالي ان اولوية التغيير لرئيس الحكومة تقع على عاتق التحالف الشيعي، اما السنة والكرد فوجودهم عامل مساعد في موضوع التغيير لكنه يصب بالنتيجة مع رافد واحد مشترك يجمعهم مع التيار الصدري والمجلس الاعلى ضد طموحات حزب الدعوة الذي يحاول ان يعيد المالكي على واجهة الاحداث رئيسا للحكومة في ولاية ثالثة وهو امر ليس بالهين.
خصومات الامس خلفت جراحا لن تندمل خاصة لدى الصدريين والمجلس الاعلى ومتحدون والوطنية والعربية وكلهم عازمون على التغيير انطلاقا من قول لخصه علاوي، خلال سباق الدعاية الانتخابية ‘جربنا جميعا ثمان سنوات فكان نصيب العراق فيها العنف والدمار على حساب مصلحة العراق ووحدته الوطنية’.
ورغم ان السيناريوهات المطروحة منذ عامين لاستبدال المالكي ترشح أحد قادة حزب ‘الدعوة’ المقربين منه، لكن مرور المرشح البديل من حلقات الممانعة المحلية والإقليمية والدولية لن يكون سهلاً، إلا أنه أسهل من خيار الدفع بالمالكي وكتلته الكبيرة إلى المعارضة، في حال أصر على الاحتفاظ برئاسة الحكومة. واذا ما تحدثنا عن التاثيرات الخارجية الفاعلة خاصة الامريكية والايرانية في رسم خريطة المشهد السياسي لعراق ما بعد انتخابات 30 نيسان/ابريل، فأن الجانب الامريكي ينتظر النتائج وسيكون بجانب القوي الذي حاز على أعلى الاصوات، وبذلك فان اي تحالف يجمع 50 + واحد سيحظى بمباركة واشنطن التي سارعت بتأكيد نجاح تجربة الانتخابات وتمنى الرئيس الامريكي باراك اوباما تشكيل حكومة تمثل العراقيين في اقرب الآجال.
واما موقف حكومة طهران فيتوقع ان يكون ميالا لصالح خيار التجديد في من سيمثل التحالف الموالي لها لرئاسة الحكومة المقبلة في العراق.
وبحكم طبيعة العلاقة التي تربط ما بين مختلف الكتل النيابية ورؤيتها السياسية الجديدة في اختيار الرجل المناسب للمرحلة المقبلة، فان كتلة المواطن التي يتزعمها عمار الحكيم ربما تكون فرص حظوظها قوية بتشكيل الحكومة وان كانت معطيات الواقع من حيث النتائج الاولية للانتخابات تفرض صعوبات امام كل كتلة طامحة بتشكيل الحكومة، لعدم الاقتراب من الرقم المؤهل في ظل اعتماد نظام ‘سانت ليغو’ الذي يحقق شيئا من العدالة ولا يمنح السمك الكبير فرصة الانفراد لأكل السمك الصغير.
والوقع اذا كان نظام ‘سانت ليغو’ المعدل سيعود بالنفع على القوائم الكبيرة مثل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وائتلاف المواطن بزعامة السيد عمار الحكيم، وائتلاف متحدون بزعامة اسامة النجيفي، فأن القوائم والكتل المتوسطة مثل ائتلاف الوطنية بزعامة اياد علاوي، والعربية بزعامة صالح المطلك والقوائم الكردية التي لم تتحالف فيما بينها، والتحالف المدني الديمقراطي، وائتلاف العراق وغيرها، ستكون اكثر نفعا منه، ليجعل حضورها في البرلمان المقبل اكبر، لكنه ليس بالضرورة ان يكون مؤثرا اذا لم تصطف وتتحالف مع قوى وكيانات كبيرة بيدها قرار الحسم.
qwjad