د. سعيد الشهابي
انتهى السباق الدولي للسيارات ‘فورمولا1’ الذي اقيم في البحرين، ولكن الجدال حوله لم ينته، فهو جدال يتجاوز حدود الرياضة ويلج الى عالم السياسة من اوسع ابوابه، ويتناول ابعادا تخرج عن الاطر المألوفة. وثمة اتفاق على ان السباق الاخير كان الاكثر اثارة للجدل في تاريخه، وأعاد الى الاذهان السجال الذي شاع في عالم الرياضة خلال حقبة الثمانينات عندما كانت الانظار مركزة على النظام العنصري في جنوب افريقيا. يومها كان ذلك النظام مدعوما بقوة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، بينما كانت صحوة الضمير لدى العالم تتصدى لذلك الدعم وتسعى لحصار النظام بهدف اسقاطه. وكانت المقاطعة الرياضية لنظام الفصل العنصري احدى الوسائل الفاعلة لابقاء القضية متحركة في القلوب والضمائر والعقول. وما تزال سياسات المقاطعة او الانسحاب معمولا بها، ويتم اغلب ذلك في اجواء من الاختلاف السياسي، وكثيرا ما تؤدي الى مشادات وتبادل اتهامات بين الفرقاء. كما ان الرياضة استعملت احيانا لرأب الصدع او التقريب بين الفرقاء السياسيين. فمثلا عندما يلتقي فريقا ايران والولايات المتحدة في مباراة لكرة القدم لا تنحصر تغطية ذلك الحدث بما يجري في الساحة، بل يتطرق للابعاد السياسية وعلاقات طهران بواشنطن وتاريخها وواقعها، وما اذا كانت تلك المباراة ستساهم في ترطيب العلاقات بينهما. وكذلك الامر عندما تحدث مسابقات دولية سواء ضمن الالعاب الاولمبية ام كأس العالم، تنصب الانظار على ما اذا كانت الفرق العربية ستقبل بالدخول في سباق مع فريق الكيان الاسرائيلي. وكثيرا ما تتحول السباقات الرياضية الى ماراثونات سياسية بمشاركة شخصيات او احزاب في كثير من الاحيان. بل ان رؤساء الدول يحضرون الى الساحات الرياضية لتشجيع فرق بلدانهم، وتتحول السباقات حينئذ الى ظاهرة وطنية تقتضي حضور القادة، فان تخلفوا توجهت لهم الالسنة بالشجب والاستنكار. وهكذا تتحول الالعاب الى مناسبة لاثبات الوجود وتحقيق الانجاز الرياضي. بل قد تتحول الرياضة الى شكل من اشكال الهوية. فالبرازيل مثلا ارتبط اسمها فترة من الزمن بالمهارة الرياضية، والفوز بكأس العالم مرات عديدة.
يضاف الى ذلك تهافت الدول لاستضافة السباقات الرياضية وان كانت فرقها غير مؤهلة للفوز. وتعتقد الدول ان هذه الاستضافة احد مصادر الشرعية السياسية للدولة وتأكيد موقعها الدولي ومكانتها الاقليمية. وتتسابق لتوفير كافة التسهيلات والتباهي بالقدرة على تقديم افخم الاستعدادات. ويدخل المال بشكل قوي في قرارات الجهات الدولية التي تنظم السباقات الرياضية. فعندما تنافست قطر على استضافة كأس العالم للعام 2022 اتهمتها بعض الجهات البريطانية بانها اشترت بالمال مواقف الحكام الذين يقررون ذلك. وطرح الاعلام البريطاني مقالات كثيرة حول عدم صلاحية قطر لاستضافة كأس العالم لاعتبارات مناخية وسياسية. وعندما فازت الصين باستضافة الالعاب الاولمبية قبل اربعة اعوام طرح الاعلام الغربي مقالات كثيرة حول حقوق الانسان في ذلك البلد المحكوم بالحزب الشيوعي الصيني، وطرحت نقاشات حول مدى ملاءمة اقامة الدورة بعد اقل من عشرة اعوام على اضطرابات ميدان تاينمان التي سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى. ويبادر السياسيون، خصوصا الرؤساء للحضور لتأكيد وجودهم الميداني من جهة وتقديم الانطباع بوطنية هؤلاء. فالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك كان يحرص على حضور نهائي بعض البطولات الدولية، وخرج لاستقبال الفريق المصري عندما فاز بكأس الامم الافريقية في 1998، وخلفه الجماهير تهتف لمصر وترفع علمها، بينما أهدى اللاعبون الكأس لمبارك. واهتمت الحكومة السعودية بكرة القدم خصوصا في العقود الثلاثة الاخيرة، واستقدمت افضل المدربين الدوليين لتطوير رياضة كرة القدم لديهم، فصعد فريقها الى نهائيات كأس العالم في 1994 في امريكا وفي فرنسا في 1998. وكان الملك الاردني، عبد الله بن الحسين يحضر مع زوجته المباريات المهمة للفرق الاردنية، ويرتدي الملابس الرياضية خصوصا القميص رقم 99 قبل ذهابه للملاعب، على امل ان يوفر ذلك له دعما شعبيا طالما توارى في غياب الديمقراطية الحقيقية. وقام معمر القذافي بدعم الرياضة في بلده وعين اخاه محمدا رئيسا للجنة الاولمبية الليبية. وبعد ان قاد النجم الدكتور ربيلاردو الارجنتين للفوز بكأس العالم تم تعيينه لتدريب منتخب ليبيا بوساطة من النجم العالمي دييغو مارادونا لاتمام الصفقة. وحتى زين العابدين بن علي اولى اهتماما بالرياضة فمنح العاملين في الدولة اجازة في ايام مباريات تونس بكأس العالم قبل الاخيرة. ومنح العاهل المغربي المدرب البرازيلي خوزيه فاريا الجنسية المغربية، وكذلك الفرنسي هنري ميشيل الذي اوصل الفريق المغربي لنهائيات مونديال فرنسا 1998. وساهم فوز المنتخب العراقي بكأس الامم الآسيوية لكرة القدم في 2007 في لم الشمل العراقي وشق طريق توحد العراقيين للخلاص من الطائفية والاحتلال. ومنح حاكم البحرين عددا من الرياضيين الجنسية البحرانية ومنهم العداء الكيني ليوناردو موشيرو الذي اطلق عليه لاحقا اسم ‘مشير سالم جوهر’. انه امر طبيعي ان تتسابق الدول لاستضافة الاجتماعات السياسية، ولكن اصبحت استضافة الالعاب الرياضية اكثر جذبا، خصوصا من قبل حكومات الدول التي تسعى للولوج الى عالم الشرعية السياسية عبر بوابة الرياضة. كما تسعى بعض الدول لحرمان دول اخرى تعتبرها غير صديقة من ‘شرف’ استضافة اجتماع سياسي على اراضيها. فعندما استقر الرأي على عقد القمة العربية الاخيرة في بغداد، عمدت دول مجلس التعاون لمنع ذلك او مقاطعة القمة اذا عقدت هناك. وقد قاطعتها بعض دول مجلس التعاون مثل السعودية وقطر بسبب موقف العراق ازاء سورية. وعندما تقرر اجراء مفاوضات بين ايران ومجموعة 5+1 كان محل استضافتها موضع اشكال حتى استقر الرأي على عقد اولى جولاتها في تركيا والاخرى في بغداد. فاستضافة اللقاءات والقمم الدولية اصبحت رغبة جامحة لدى اغلب الدول برغم ما يتطلبه ذلك من انفاق هائل واستعدادات قد تعجز عنها موازنات بعض الدول. انه مؤشر لمدى رغبة الانظمة السياسية في الحصول على الشرعية او مزيد منها عن طريق استضافة التجمعات الدولية خصوصا المرموقة منها. ويمكن القول ان اغراءات المال كافية لاسالة لعاب بعض الجهات الدولية ذات الطابع السياسي او الرياضي او حتى الاقتصادي. يشعر السياسيون ان الترويج لدولتهم يعتبر اقرارا بسياساتهم واعترافا بنجاحهم في ادارة بلدانهم التي تم احتضانها ضمن مكونات المجتمع الدولي. وتكون هذه الحاجة اكثر ضرورة عندما يكون النظام السياسي متخلفا او مستبدا، فعندئذ تغدق الاموال بدون حساب لنيل الشهرة التي يعتقد النظام انها ستصبح غطاء يخفي حقيقة النظام ويساعده على التخفي وراء هذه ‘الشرعية’ الزائفة، المكتسبة على عجل. ان ازمة شرعية الحكومات خصوصا العربية منها جعلها تتجه للرياضة كوسيلة لابعاد الاضواء عما يجري في بلدانها من قمع واضطهاد وحرمان من الحقوق. وهذا سلاح ذو حدين خصوصا اذا كان المواطنون متحمسين واقل استعدادا للتنازل عن مبادئهم وحقوقهم. مع ذلك لا بد من الاعتراف ان الامكانات المتاحة للدول تتجاوز كثيرا ما لدى قوى المعارضة التي تعاني في اغلب الاحيان من شظف العيش. وقد سهلت الوفرة المالية لدى هذه الحكومات مهمة التواصل مع العالم الرياضي الدولي بشكل غير مسبوق. وعندما يدخل المال عالم الرياضة من البوابة النفطية فانه يساهم في توجيهها لخدمة اهداف سياسية وتعطيل فرص تطوير الانظمة النفطية بما يتلاءم مع روح العصر ومستلزمات الانفتاح والديمقراطية.
في عالم يعيش مستويات متناقضة من العيش والقيم والاخلاق والاولويات، اخذت الرياضة مناحي تختلف كثيرا عن جوهر التربية الجسدية الضرورية لنماء الاجسام والعقول. وشيئا فشيئا اصبحت الرياضة نشاطا تجاريا بحتا، بموازنات عملاقة ورواتب خيالية، حتى لم يعد اعتبار ما يجري رياضة حقيقية. بل اصبحت الملاعب ساحة للسباق السياسي، كما هو الحال في البحرين هذه الايام. ويمكن القول ان موضوع سباق الفورمولا اصبح سيفا ذا حدين. ففي الوقت الذي حاولت العائلة الحاكمة فيه توجيهه لصالحها وارسال رسالة للعالم من خلال السباقات بان الوضع في البحرين قد عاد الى طبيعته وهدوئه، رأت قوى الثورة فيه مناسبة لايصال صوت الشعب الى العالم، خصوصا مع توافد وسائل الاعلام الدولية الى البلاد لتغطية السباقات. ومنذ صعود الحاكم الحالي الى منصبه في 1999 دأب نجله الاكبر على استبدال الشرعية الشعبية التي لم تتوفر لنظام الحكم خصوصا بعد الغاء دستور 1973، بشرعية اخرى مصدرها الدعم الغربي المكشوف والتواصل مع الكيان الاسرائيلي. ومن وسائل جذب هذا الدعم، بالاضافة لصفقات السلاح العملاقة، وتوظيف خبراء امن واستخبارات امريكيين وبريطانيين، احتضان مؤسسات غربية كبرى مثل فورمولا 1. وقد اصبح توظيف الرياضة لخدمة السياسة ظاهرة مقلقة، لانه قضى تدريجيا على استقلال واحدة من اهم الفعاليات الانسانية التي تحقق للشباب ذاته وشخصيته بدون ان يكون مرتبطا باجندة نظام حكم قد يختلف معه، او يشعر بان ذلك النظام يسعى لاستغلاله او استغفاله او توجيهه بدون رغبته.
نظام الحكم في البحرين اعتبر ان اقامة السباق ضروري لاستعادة المبادرة السياسية والقدرة على افشال قدرة الشارع على فرض نفسه وتجميد فعالية السلطة. وقد استعملت كافة وسائل الضغط على منظمي السباق، بما في ذلك ضغوط الحكومة البريطانية عليهم لضمان عدم الغاء السباق مهما كانت النتائج. وهدد الضابط البريطاني، جون تيموني الذي حل محل ايان هندرسون، باستعمال الذخيرة الحية ضد المتظاهرين اذا تطلب الامر، ونفذ تهديده بقتل الشهيد صلاح عباس آل موسى، وبذلك اصبح السباق جزءا من الواقع السياسي الذي تعيشه البلاد، وانحاز رئيس ادارته، البريطاني بيرني ايكلستون، لجانب النظام السياسي بوضوح. وذهب الى ابعد من ذلك عندما ادعى وهو في زيارة للصين بان ‘البحرين أكثر أمنا من بريطانيا’. وتوازى مع ذلك تنظيم حملة اعلانية وعلاقات عامة واتصالات سياسية للحد من تأثير الاعلام المضاد، خصوصا الذي انطلق من المنظمات الحقوقية الدولية والذي كرر الدعوة لالغاء السباق لكي لا يعطي الانطباع بتحسن الاوضاع في بلد ما يزال يمارس القمع على اوسع نطاق. وأقيم السباق، ولكن ثمة اجماعا على ان ذلك ادى الى ‘تلطيخ سمعة الفورمولا والنظام البحريني’ حسب ما جاء في افتتاحية صحيفة ‘التايمز’ البريطانية يوم الاثنين الماضي. وهكذا فعندما تتحول الرياضة الى سلاح بيد طرف ضد آخر تفقد روحها التي طالما اعتبرت وسيلة لنشر ثقافة التسامح والتفاهم بدلا من العدوان والاختلاف. الرياضة بهذا الاستغلال تفقد اهم سماتها، لان ترويض النفس والمشاعر يفوق في اهميته تطوير الاوضاع الصحية والجسدية للانسان. ان تحول الرياضة الى نشاط تجاري تتسابق فيه اطماع الشركات المتعددة الجنسية، وتوجهه الحكومات الطامعة في الهيمنة على ثروات البلدان، كل ذلك اصبح من آفات الرياضة الحديثة التي تخلت عن النقاء والطهر، وتحولت الى سوق واسعة محكومة بقوانين السوق، وموجهة لامتصاص اموال الفقراء وثرواتهم.
المعارضة البحرانية التي واصلت نضالها طوال فترة انعقاد السباق كانت واضحة في اهدافها: الضغط المتواصل على الحكم لتحقيق قدر من المطالب والاهداف. وبموازاة ذلك تواصل القمع على اوسع نطاق، من خلال الاعتقالات او اطلاق النار او استعمال سلاح الشوزن على نطاق واسع. وقد اكتظت السجون بالمعتقلين مجددا لمنع الاحتجاجات خلال فترة السباق، الامر الذي اصبح مصدر غضب شديد لدى المواطنين ضد منظمي السباق لان قرارهم ادى الى هذه النتيجة الكارثية. هذا مع الاعتراف بحقيقة اخرى مفادها ان اقامة سباق الفورمولا في البحرين اعاد ثورة شعبها الى الخريطة السياسية العالمية بعد ان كانت مغمورة بقرار غربي – خليجي. وهنا تتداخل قيم الانسانية بظاهرة الجشع والطمع لدى البعض، وانسلاخ البعض من تلك القيم من جهة اخرى. وعندما يتساوى الموت والحياة لدى البعض، وتتداخل قيم العدل والظلم ويتساوى شجب الضحية والجلاد، يدخل العالم في دوامة الصراع الذي يزيد القضايا تعقيدا وتداخلا وغموضا. ان السباقات التي اصبحت موازناتها بالمليارات اصبحت من عوامل تآكل القيم وتوسع الفجوة بين الاغنياء والفقراء، وبين تطور بعض الدول وتخلف الاخرى. حين تتحول الرياضة الى سلاح بايدي الاقوياء، او ميدانا لتبادل اللكلمات، او الى سبب لتباعد الاشقاء (كما حدث بين المصريين والجزائريين قبل ثلاث سنوات) فعندها يتلاشى الجانب المرتبط بالفائدة الرياضية، وتتضخم جوانب الجشع والغنى الفاحش او الجهل والتعصب. مطلوب اعادة تأهيل الرياضة لابعادها عن عالم المال والطمع والنهب، لتحافظ على نقائها وتصبح متاحة للجميع. ان تحول الرياضة الى وسيلة ترفيه في جوهرها ينافي هدف وجودها ويلغيها كممارسة مطلوب من الجماهير على اختلاف اعمارهم وامكاناتهم المادية ممارستها. واذا كانت انظمة القمع العربية تسعى لتحويل الرياضة والممارسات الاجتماعية ودوائر التواصل المجتمعي الى مناطق نفوذ منحازة للظلم والاستبداد وترويج الهيمنة والاستعباد، يصبح امرا ضروريا على المفكرين والعلماء والنشطاء مضاعفة الجهود لبث الوعي واعادة التوازن للشباب في تفكيره واهتمامه واولوياته. الرياضة مطلوبة بشرط ان تبقى نشاطا بدنيا بعيدا عن الاجندات السياسية للحكام او الاقتصادية لدى المؤسسات المالية العملاقة. وقد اثبتت تجربة سباقات الفورمولا1 في البحرين ان المال والنفوذ السياسي من اكبر اعداء الديمقراطية وحقوق الانسان والاعتبارات الاخلاقية الاخرى. وهذا ما اكدت عليه وسائل الاعلام العالمية المتنورة بقول واحد: لقد خسر سباق السيارات الدولي قيمته الاخلاقية وتشوهت سمعته لانه انحاز للظالم ضد المظلوم، وللمال ضد القيم والاخلاق.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن