هاشم غرايبة’إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث’.-ابن خلدون-إننا نعيش زمن التبدلات الكبرى المترافقة مع الثورة التكنولوجية المعاصرة، والمثقف العربي يعيشها مضاعفة مع عواصف التغيير التي تهز ركود المجتمع والدولة بوصف الركود ‘ضد تاريخي’.. والحياة هي الحركة والتغيير. على مدى عقود مضت قامت السلطات العربية المحلية بتجريف الساحة السياسية والثقافية من النخب فانتعشت الطفيلية بشقيها الاقتصادي والسياسي، وانعكس ذلك على الثقافي فلم يبق في الساحة إلا قلة من التنويريين هنا وهناك يفعلون ما هو صحيح وضروري، ويمكث في الأرض.كان الإعلام العربي – حتى الرسمي – يتحدث عن استقالة أنظمة الحكم العربية من دورها التاريخي والجغرافي دون أن يرف ‘للنخب العربية’ جفن .. وكان كل نظام يظن نفسه انه بملاذ آمن عن رياح التغيير.الكتاب الموالون، والحزبيون المعارضون، والأنظمة بإداراتها المختلفة، وأدواتها القمعية المتشابهة. والإعلام المأجور، والإعلام الوطني .. والثقافة الجماهيرية كلها نحت منحى تخدير وعينا وجعلتنا مستسلمين لواقع مائع، مستسلمين لثقافة المياومة فأنتجنا غناء ساذجا ودراما مستوردة وأدبا لا يصمد على رف مكتبة وفنونا سهلة المحو لا تقيت ولا تقيم إلا لأيام معدودات، وجلسنا نتفرج على فتنة اجتماعية هنا، وتفتت عرقي أو طائفي هناك، وظلت ‘النخب ‘مستكينة بين يدي سلام دولي خادع مع ألد أعداء الأمة؛ أي الصهاينة ومن ورائهم الامبريالية العالمية.بعض الليبراليين العرب تطلعوا إلى حركة مثقفين تطل على الشأن العام، فتحتفظ للثقافي بتعلقه بالحقيقة، وتستقل عن السياسي المرتبط بقيود المصلحة وموازين القوى، لتطور مشروع ‘المجتمع المدني’ .. لكن هذا الفصل المؤدلج بين الثقافي والسياسي قادهم إلى تسلق سلم السلطات المحلية بحجة التحالف مع الدكتاتور في وجه التكفيريين! وبعض الراديكاليين كان يترحم على أيام الاستعمار المباشر مقارنة بتغول السفارات على رسم السياسات الخارجية والداخلية للقطريات الواهنة، وبعض الاقتصاديين والسياسيين العرب زينوا للناس سطوة البنك الدولي على اقتصاديات البلاد ونمط عيش العباد. وبعض الثوريين صار ينظر بأن زمن الثورات الشعبية شرطها الاستنجاد بالأجنبي ..لقد انشغل المثقفون العرب على مدى العقود الأربعة الماضية بمداعبة مسألة المثقف والسلطة في إطار الاستسلام للثابت أو في الهروب إلى فضاء المتخيل الفنتازي، وغادر كثير من المثقفين مواقفهم المعارضة إلى الطرف الآخر (ملعب السلطة)، أو إلى المنطقة الرمادية (بين- بين).. ولعل ما يلفت النظر أن المثقفين في أثناء انشغالهم بهذه المناقلات، لم يتطرقوا إلى جدلية العلاقة بين الثابت والمتغير، بين السلطة والشعب، بين تهاوي سلطة الإعلام الرسمي الجامد وبين تنامي قوة التواصل الاجتماعي التي إتاحتها التقنيات الحديثة.. وأفقدوا الثقافة الكثير من ميزاتها من حيث: جرأتها. صلابتها. تأثيرها التنويري.. قدرتها على الانتصار للجديد.كل هذا كان يسير في سبيل عزل الثقافي عن الجماهيري استنادا إلى وسائل التواصل (الصحف والمجلات مرورا بالمذياع والتلفزيون ودور العبادة والقنوات الفضائية المهيمن عليها من أصحاب الثروة والسلطة) .. لكن جيل جديد شب مع ظاهرة شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الالكتروني وقنوات اتصال وإعلام جديدة غالبت التعتيم والتلقين والتلفيق الرسمي.. هذه ليست ظاهرة عارضة، وإنما هي بداية التشكل لواقعنا الحقيقي الذي نعيش فيه، ومن ينظر للإعلام التقليدي المكتوب والمرئي منذ عام 2010 م سيجد أن تويتر وفيس بوك والمواقع الالكترونية صارت أحد أسس صناعة الرأي العام إن لم يكن الصانع الرئيس له، ومن ينظر لعدد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية سيجد أنها انطلقت في الأساس من شبكات التواصل الاجتماعي لتصبح قضايا رأي عام تهيمن على الإعلام التقليدي وتوجهه وتفرض نفسها محورا في مقالات الكتاب، واهتمام المثقفين، فانعكس الوضع حيث أصبح بعض الإعلاميين في الصحف والبرامج الفضائية ينقلون ما يحدث في أرجاء شبكات التواصل الاجتماعي الجديدة بدلا من أن تكون تلك الشبكات هي مجرد متلق وناقل لما يحدث في الإعلام. التغير الأبرز الذي تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي هي أنها خلقت طريقا ذا اتجاهين بين الملقي والمتلقي بل ودمجت ربما دور الاثنين، فهذه الشبكات خلقت مساحة تفاعل بين كل من فيها، بحيث نزعت عرش ‘مثقف السلطة’ وأنهت حالة التلقي السلبي من طرف واحد.. ومن الملاحظ أن هذه الشبكات بقدر ما كانت تحمل من هذر وغثاء وثرثرة بقدر ما انحازت في أوقات الأزمات للمثقفين الكبار من مفكرين وشعراء وفنانين لمعت أسماؤهم في تاريخ البشرية أو شكلوا علامات فارقة في تاريخ الثقافة العربية وصرنا نجد كثيرا من التغريدات واالتعليقات تستند إلى مقتطفات أو كليبات لمثقفين عظام في تاريخ البشرية وحاضرها لتعزيز احتجاجهم على الواقع الآسن وتدعم معارضتهم وتبرر ثورتهم.لقد ازداد الاهتمام، في زماننا، بأقوال النخب وأعمالهم إلى درجة لم يرق إليها قبلاً. ولعل هذا الاهتمام يرتكز إلى حقيقة أساسية وهي عدم الاستغناء عن الثقافة الناقدة، الثقافة المنحازة لقضايا الإنسان الراسخة: الحرية والعدل وعدم احتكار الحقيقة.. وكل القيم التي شكلت محورا في كل حياة اجتماعية وفي كل شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أو السياسي، فضلاً عما يستدعيه الشكل التقني للتواصل البالغ التعقيد سهل الاستعمال، متعدد المهام، وقدرته على وضع الإمكانات الهائلة، في التقدير والتقرير، بين أيدي عامة الناس خاصة الشباب.الحديث عن انفلات ‘الميديا’ من عقالها التاريخي المربوط بيد السلطة يستدعي استحضار مقولات الشيوعي أنطونيو غرامشي A.Gramsci. حول قوى التغيير في المجتمع.. الذي وصف الصراع بين السلطة وقوى التغيير بأنه..[صراع على الأجهزة الثقافية والإيديولوجية (مدرسة، كنيسة، إعلام،أدب…الخ) وليس صراعا على الجهاز السياسي للدولة وخاصة أجهزتها القمعية (بوليس، جيش مخابرات). ومستقبل الصراع سيكون داخل المجتمع المدني لا المجتمع السياسي، وستكون لحرب المواقع:الصحافة، الأدب، الفن، التعليم..]وعودة إلى ‘عمومية’ وسائل التواصل الاجتماعي التي انتقلت من صراع للسيطرة على الأجهزة القمعية التي مارستها الانقلابات العسكرية العربية في أواسط القرن الماضي إلى صراع داخل المجتمع المدني شهدنا تجلياته في ساحات الوطن العربي وادخله في مخاض جديد يطرح سؤال ‘علاقة المثقف بالمعارضة’ بقوة ويفرض عليه مهاما جديدة ربما لم تكن في حسبانه أو ضمن اهتماماته الفكرية والإبداعية.. ويدعونا لإعادة فهم ‘المثقف العضوي’ في ضوء المتغيرات. مشكلة الدولة العربية اليوم ليست في علمانية الدولة أو تدينها بل هي في ‘حزبيتها الضيقة’.. أي احتكار حزب بعينه لمؤسسات الهيمنة في الدولة.. سلطة الحزب الواحد في دولنا العربية بنت معارج للانتهازية ونسجت عباءات لستر الفساد وصنعت مشاجب للمثقفين الموالين يعلقون عليها انتهازيتهم..والدول العربية التي ليس فيها الحزب الواحد المعلن كـالبعث والوطني والدستوري مثلا.. فيها تنظيم حزبي سري مهيمن هو ‘حزب الجهاز الأمني- حزب السلطان المركزي’ الذي يرعى الانتهازيين من البيروقراطيين، ويفسح الطريق للطفيليين الرأسماليين، ويوفر سترة للمثقفين الجوالين.. تخلصت بعض شعوبنا العربية من حكامها مطلقي الصلاحية ليس لأنهم يفهمون بالاقتصاد ويرشدون المتدينين ويوجهون التعليم ويهندسون المدن.. بل لأن أحزابهم العلنية والسرية تريدهم مطلقي الصلاحيات ليكون للحزب حرية الفساد والإفساد وأوهمونا أن القمع والاستبداد هو سر الأمان والاستقرار ومرهم الوحدة الوطنية وملاط تماسك البلاد جغرافيا وديموغرافيا! اليوم يظهر لنا نمط جديد من الحزب الحاكم المطلق السيادة والفرق انه يستمد شعبيته من التعاطف الديني ويصدر تفرده بالسلطة باسم السماء!اثر الانتفاضة الشبابية والهبة الشعبية في ميادين الوطن العربي ضد طغيان الحزب الواحد التي أشعلها وضحى في سبيلها شباب يتوقون للدولة المدنية وتبادل السلطة وحرية الإبداع ، إلا أن التعجل في الذهاب إلى صندوق الانتخاب قبل نضج عملية التحول الديمقراطي بتجلياتها المتعددة قد أدى إلى صعود حزب متعجل وملهوف للسلطة، حزب سياسي بغطاء ديني يحظى بشعبية واسعة ودعم مالي نفطي وتأييد غربي.. هذا الحزب الديني بامتلاكه لأدوات إعلام السلطة وحيازته التاريخية لمنابر دور العبادة وجمعيات ومراكز التواصل الاجتماعي استطاع أن يقدم تصوره الحزبي للدين كأنه الدين ذاته!هذا الواقع يضع على كاهل ‘النخب’ عبئا مضاعفا فلا يكتفون بالدور التنويري فقط بل عليهم أن ينخرطوا في مواجهة واضحة ونضال صعب لحماية حرية الفكر وحرية الاختلاف وحرية الرسم والتصوير والنحت والموسيقى وحماية مختلف الفنون وحرية التعبير من التفسيرات القسرية للجماعات الدينية السلفية الصاعدة.هل يمكن أن نستعير النموذج الإيراني بحيث يصير تبادل السلطة عندنا بين الإخوان المعتدلين والتكفيريين المتشددين؟!.. أظن أن حكّام القارة العجوز الذين يواجهون أزمات اقتصادية حادة وبالتعاون مع الكيان الصهيوني لن يسمحوا لدولنا بالاستقرار الجغرافي والسكاني الذي في إيران، بل سيعملون على ارتداننا إلى الظلامية.. الظلام بمعناه المجازي والفعلي.. هل يعقل أن العراق وليبيا سوريا واليمن ولبنان وغزة والسودان كلها مهددة بالتقسيم والانقسام وكلها تعاني من مشاكل في الكهرباء ونحن في عصر التكنولوجيا المتقدمة .. أليس هذا ارتداد إلى الظلمة والظلام!.. واقعيا، ليس بالمعنى المجازي! من السذاجة التفكير بأن معركتنا من أجل الدولة العربية المدنية المستقلة عن التبعية ستنتصر مع رحيل طاغية أو في صندوق الاقتراع، فالدولة القطرية التي كان سر تماسكها ‘القمع’ لن تحل مشاكلها إلا بالخروج من قطريتها الضيقة إلى دولة عربية عصرية تتماسك حول مواقدها الروحية التي يوقدها المثقفون من مفكرين ومبدعين وفنانين ينضجون بنار التجربة والتغيير وكان لا يمكن أن تنضج الآمال الكبيرة في ظل الركود المسمى الأمن والأمان.. وما صعود السلفيين إلا ممر إجباري جاء نتيجة لعقود من تجريف العقول وشراء الذمم وتغييب القيادات وهدم النخب الثقافية والسياسية حتى باتت الدولة والمجتمع بلا كفاءات وطنية لا في المعارضة ولا عند السلطة والحزب الحاكم.. كل هذا شكل ممرا سهلا للسلفية الصاعدة وممرا صعبا وقاسيا نحو الدولة المدنية الحديثة وصار على النخب الشابة والقيادات الناشطة والعقول الفطنة أن تقود المجتمع لاجتيازه وتجاوزه بعقل نقدي لا يساوم وبروح وثابة نحو أحلام الأمة في الحرية والتحرر والتحرير.. لقد مضى زمن الانقلابات السريعة وها نحن ندخل سباق المسافات الطويلة. الصراع اليوم هو داخل المجتمع المدني لا المجتمع السياسي، وستكون لحرب المواقع الثقافية أهميتها الإستراتيجية ، وللمثقف دوره الطليعي في الابتعاد عن النسخ والتقليد والحث على إبداع يرقى إلى مستوى التحديات، والنظر إلى واقعنا وفي زماننا الراهن برؤيا جديدة تتلاءم مع الزمان والمكان الذي نعيش..صدق ابن خلدون حين قال:’إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث’.’ كاتب من الاردنqadqpt