بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة العراقية للاستعانة بالشركات العالمية المصنعة للطاقة لسد النقص الحاصل في توليد الكهرباء، تشهد الساحة العراقية سباقا محموما لشركات الطاقة العربية والغربية من جهة والإيرانية من جهة أخرى، للاستحواذ على مشاريع توليد الطاقة في العراق.
وبسبب النقص الكبير في توليد الطاقة الكهربائية اللازمة للعراق، تعمل حكومة بغداد منذ نحو عقدين، على استيراد كميات كبيرة من الكهرباء من إيران لتغطية العجز في توليد الطاقة المحلية، إلا ان توسيع بغداد تحركها مؤخرا نحو الشركات العالمية الأخرى أشعل صراعا إقليميا ودوليا شرسا لنيل عقود تجهيز البلاد بالطاقة الكهربائية التي تصل تكاليفها إلى مليارات الدولارات سنويا إضافة إلى كونها إحدى وسائل ممارسة النفوذ الأجنبي على العراق.
وينتج العراق حاليا نحو 16 ألف ميغاواط من الكهرباء، فيما تقدر حاجته بـ24 ألف ميغاواط، وتصل إلى 30 ألفا مع حرارة الصيف اللاهب، بالتزامن مع زيادة نسبة السكان بما يزيد عن المليون نسمة سنويا، وسط توقعات للأمم المتحدة بتضاعف عدد سكانه بحلول عام 2050 وبالتالي ازدياد استهلاكه للطاقة.
ولعله تناقض غريب أن يكون العراق أحد كبار منتجي النفط في العالم، ومع ذلك فهو يعاني نقصا مستمرا في توليد الطاقة الكهربائية، والذي يعود إلى تهالك البنية التحتية القديمة لمحطات توليد الكهرباء وعجز إنتاجها عن سد الحاجة الفعلية، وإهدار الغاز المصاحب لاستخراج النفط، إضافة إلى تفشي الفساد والإدارة الفاشلة لملف الطاقة، باعتراف القوى السياسية جميعها. ولذا تعمل الحكومة العراقية وفق عدة اتجاهات لسد النقص في توليد الطاقة، أبرزها محاولة زيادة إنتاج الغاز المصاحب لاستخراج النفط، والاستعانة بالشركات العالمية لتطوير البنية التحتية، إضافة إلى استيراد الطاقة الكهربائية والغاز من الخارج وخاصة من إيران.
الغاز العراقي
وقبل أيام أكد رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني أن «توجه الحكومة الحالي لاستثمار الغاز، يصب في صالح منظومة إنتاج الكهرباء، وأن مذكرات التفاهم وعقود الصيانة التي أبرمتها الحكومة مؤخرا مع شركتي جنرال إلكتريك وسيمنز تستهدف معالجة المشكلات التي رافقت الإنتاج والتوزيع لسنوات».
وقدر مستشار رئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، خسائر حرق الغاز واستيراده في العراق بـ12 مليار دولار سنويا، مؤكدا أنها تكلفة باهظة على الموارد النفطية وعلى موارد البلاد المالية. وأشار في تصريحات عديدة إلى «أن تطوير قطاع الطاقة يحتاج لاستثمار هذا الغاز المصاحب لاستخراج النفط خاصة لأغراض استخدامات محطات الكهرباء».
وفي إطار تعهد حكومة السوداني باستثمار الغاز العراقي وإيقاف إهداره واستخدامه لتشغيل محطات توليد الكهرباء، أعلن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، قبل أيام، بدء إنتاج الغاز من حقل عكاز في محافظة الأنبار غربي البلاد بمعدل 60 مليون قدم مكعب يوميا، فيما أفادت شركة غاز البصرة، جنوبي العراق، بأن خطتها تتضمن إيقاف الغاز المحترق بنسبة 91 في المئة أي نحو 1490 مليون قدم مكعب قياسي بنهاية عام 2027.
عقود الكهرباء الدولية مع العراق
ورغم كون معظم استيراد العراق للكهرباء بعد 2003 من إيران، إلا ان هذا التجهيز واجه عدة مشاكل، حيث كانت طهران تعمد إلى قطع إمدادات الغاز عن محطات العراق بين آونة وأخرى وخاصة في فصل الصيف بمختلف المبررات أبرزها تراكم ديون الغاز الإيراني، وذلك بسبب العقوبات الغربية عليها التي تمنع العراق من تسديد قيمة الطاقة الكهربائية إلا بموافقات محدودة من الولايات المتحدة التي تسعى لاضعاف النفوذ الإيراني في العراق.
وخلال السنوات الأخيرة، ولمواجهة النقص المستمر في الطاقة، وبتشجيع من الولايات المتحدة عمد العراق إلى الانفتاح على المحيط العربي لاستيراد الكهرباء عبر إبرام اتفاقيات متعددة مع دول الخليج العربي والأردن ومصر إضافة إلى تركيا، كما عقد اتفاقيات متعددة مع شركات عالمية غربية لتحديث محطات الكهرباء واستثمار الغاز المصاحب لاستخراج النفط، لتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني.
وفي هذا السياق أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، في بداية 2023 أنها وقعت، مذكرة تفاهم مشتركة مع شركة سيمنز الألمانية، خلال زيارة السوداني إلى العاصمة الألمانية برلين مؤخرا. وتضمنت مذكرة التفاهم تقديم شركة سيمنز دراسة متكاملة للعراق، تتضمن الكيفية التي يتم فيها الاستفادة من الغاز المصاحب، في دعم وزيادة إنتاج الطاقة الكهربائية. كما تضمنت توقيع اتفاقية طويلة الأمد، لصيانة وتأهيل الوحدات العاملة في العراق التي أنشأتها شركة سيمنز، كما تقوم الشركة بإنشاء محطات توليد جديدة، فضلاً عن تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة.
أما شركة جنرال إلكتريك الأمريكية، فإنها قدمت خريطة طريق متكاملة لدعم التحول بقطاع الطاقة في العراق، من خلال استفادة العراق من الغاز المصاحب لتوليد أكثر من 13 غيغاواط من الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يلبي احتياجات ما يصل إلى 15 مليون منزل في البلاد. وتحويل عمل محطات توليد الطاقة الكهربائية من الدورة البسيطة إلى الدورة المركبة لتحسين كفاءة توليد الكهرباء بنسبة تصل إلى 50 في المئة، إضافة إلى استخدام الهيدروجين لتوليد الكهرباء.
ولم يكن بعيدا عن هذا التوجه توقيع «هيئة الربط الكهربائي الخليجي» 5 عقود مع الشركات المنفذة لمشروع الربط الكهربائي بين دول الخليج والعراق بتكلفة إجمالية تتجاوز 220 مليون دولار. وستقوم الهيئة بإنشاء خطوط بطول 295 كيلومتراً من محطة الوفرة في الكويت إلى محطة الفاو جنوب العراق لنقل 500 ميغاواط في مرحلة أولى وبإجمالي 1800 ميغاواط، عبر إنشاء خط بواقع نحو 220 كم داخل الأراضي الكويتية و80 كم داخل الأراضي العراقية.
فيما أوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى في أيلول/سبتمبر الماضي أن الربط مع الأردن تم من خلال خطوط ريشة-القائم، ومحطة القائم التحويلية، في حين أُحيل العمل إلى شركة جنرال إلكتريك لإتمام الخط، بعد إنجاز العراق دراسة نقاط الرباط وتحديد مسارات الخطوط. وقال موسى «إن بلاده اتفقت مع الجانب الأردني على إنجاز العمل بصفة سريعة لإنجاز الربط الكهربائي وتحقيقه بين البلدين، بحلول صيف 2023».
أما الربط الكهربائي مع تركيا، فإن موسى ذكر أن خطوط «سلوبي- فايدة» و«جزرة- موصل» ومحطة الكسك، أُنجزت بطاقة 400 ميغاواط بجميع تفرعاتها، مشيرا إلى توقيع اتفاقية التشغيل النهائية مع الجانب التركي، التي نصّت على توفير 300 ميغاواط كمرحلة أولى للمحافظات الشمالية.
الربط الكهربائي الإيراني
وأزاء تزايد توجه بغداد نحو الشركات العربية والغربية، تقوم طهران حاليا بتحركات محمومة عبر أصدقائها وحلفائها في بغداد، لاستمرار وجودها في ملف الكهرباء في العراق، وذلك عبر اتجاهين، الأول زيادة الوفود المتبادلة بين مسؤولي حكومتي بغداد وطهران، وتوقيع المزيد من الاتفاقيات لضمان استمرار منح الشركات الإيرانية حصة في مشاريع الكهرباء، والثاني ممارسة ضغوط خفية، لعرقلة وتأخير تنفيذ الاتفاقيات التي عقدتها بغداد مع الشركات العربية والغربية، وفق المراقبين.
ومؤخرا، صرح سفير إيران لدى بغداد محمد كاظم صادقيان، أن شركات إيرانية تنافس شركة جنرال الأمريكية للحصول على مشاريع الطاقة في جنوب العراق. فيما التقى السفير، بوزير الكهرباء العراقي زياد علي فاضل، لفسح المجال أمام الشركات الإيرانية في مشاريع الطاقة في العراق، مشيرا إلى تجارب الشركات الإيرانية في محطتي غاز الصدر والحيدرية. وحول الاستحقاقات المالية من شراء الكهرباء، أوضح صادقيان، «لدينا استحقاقات على العراق بنحو 11 مليار دولار من مبيعات الغاز والكهرباء له».
وكان هناك اتفاق أن تقوم الشركات الإيرانية بإنشاء محطات كهربائية لتوليد 3642 ميغاواط في العراق لتزويده بالكهرباء، فيما يستورد العراق يوميا في الوقت الحالي ما بين 30-40 مليون م3 من الغاز الإيراني لتشغيل محطات توليد الكهرباء الغازية في وسط وجنوب العراق.
ويرى الباحث السياسي غالب الشابندر، أن حكومة السوداني ستقوم بخنق إيران عبر عقود جولات التراخيص الغازية مع الشركات العالمية، مؤكدا أن «سياسة إيران أثبتت فشلها بالكامل» في إشارة إلى عجز طهران عن إيقاف انفتاح العراق نحو المحيط العربي والدولي لسد النقص في الطاقة.
ويرى المراقبون أن أزمة النقص في توليد الطاقة الكهربائية في العراق تعود لأسباب متشعبة ومعقدة، تتداخل فيها الصراعات والدوافع السياسية والاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية، مع دوافع الفساد والفشل الإداري، حيث أن استمرار الحاجة إلى الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء ليس بسبب العجز التقني لاستثمار الغاز العراقي، بل هو قرار سياسي من بعض القوى السياسية يهدف إلى استمرار الاعتماد على الغاز الإيراني لدعم طهران في مواجهة العقوبات الغربية، ولادامة النفوذ الإيراني في الشؤون العراقية، ولهذا تعمدت الحكومات السابقة بعد 2003 التغاضي عن استثمار الغاز العراقي المصاحب لاستخراج النفط حيث رفضت عروضا دولية عديدة لاستثماره، رغم ما يسببه ذلك من إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة للعراق، إلا ان الضغوط الأمريكية أجبرت في النهاية، حكومات بغداد على البدء في استثمار الغاز العراقي المهدور منذ سنوات.