بيروت- “القدس العربي”:
على إيقاع طبول الحرب التي تطلقها قيادات الجيش الإسرائيلي والمقاومة في لبنان، يصل الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين إلى بيروت، وهو يحمل ملفات عديدة أبرزها الإجراءات العملية والميدانية لرسم الحدود وفي محاولة لإيجاد حل للنزاع القائم داخل المياه الإقليمية الحدودية ما بين الخط 23 و29.
وتأتي زيارة هوكشتاين في وقت تشهد فيه المنطقة الجنوبية اللبنانية، سباقا محموما بين الوساطة الأمريكية والتهديدات المتبادلة بين القيادات العسكرية الإسرائيلية وقيادات حزب الله اللبناني.
وتوقفت القيادات اللبنانية الرسمية والحزبية عند التهديدات المتبادلة خاصة تلك التي أطلقها رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، وخاطب فيها سكان لبنان حول احتمالية اندلاع الحرب بسبب النزاع القائم اليوم حول حدود المياه الإقليمية مع لبنان.
وأكدت مصادر دبلوماسية في بيروت، متابعة لتطورات الأوضاع في جنوب لبنان، أنّ رفع الإسرائيليين سقف الخطاب التصعيدي ضد لبنان إلى حدود التلويح بالحرب، يرتبط بشكل أساسي بالمفاوضات القائمة في ملف الحدود البحرية وممارسة الضغط على الحكومة اللبنانية للإسراع في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة لترسيم الحدود.
بدورها، حذرت قيادة حزب الله الحكومة الإسرائيلية من الانزلاق نحو الحرب والمواجهة العسكرية مع لبنان، وأكدت قيادة الحزب أنها سترد بقوة على أي اعتداء إسرائيلي يستهدف لبنان واللبنانيين وثروتهم الطبيعية، وأن أسلحتها سوف تستهدف الباخرة والمعدات الإسرائيلية في حال بدأت بالحفر والتنقيب عن الغاز والنفط.
وهذا ما أكده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في إطلالاته الإعلامية الأخيرة، لافتا إلى أن الحزب لن يسمح بأي حال من الأحوال بالسرقة الإسرائيلية للغاز والثروة النفطية جنوب خط 23.
كما أكد عضو المجلس المركزي في حزب الله سماحة الشيخ حسن البغدادي على أنّ الجهة الوحيدة التي تمتلك قرارها ولا تُساوم عليه هي المقاومة الإسلامية، مضيفا “ما قاله بالأمس القريب سماحة الأمين العام لحزب الله فيما يتعلق بترسيم الحدود واستخراج النفط، قد فهم منه العدو قبل الصديق أنّ هذا الكلام سيادي لا يخضع للمساومة، وأننا في حزب الله لا نُفرّط بذرّة تراب من لبنان” مشددا على أن “حزب الله سيبقى يعمل على الحماية والردّ دائماً بما يتناسب مع طبيعة العدوان”.
ومع تصاعد التهديدات المتبادلة بين أركان الجيش الإسرائيلي وقيادة حزب الله، ما زالت القيادات اللبنانية الرسمية تراهن على نجاح الوساطة الأمريكية لوقف حالة التوتر التي تسود المياه الإقليمية جنوب لبنان، ووقف الإجراءات الإسرائيلية بالتنقيب عن الغاز داخل المناطق المتنازع عليها بين الخط 23 والخط 29، حيث كشف مصدر لبناني مطلع أن هناك تفاهما بين الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي حول موقف لبناني موحد والتأكيد أن الخط 23 ما زال هو المطروح في المفاوضات المقبلة مع هوكشتاين، خاصة وأن هوكشتاين يحمل معه أفكارا ومقترحات سيناقشها مع المسؤولين اللبنانيين، إضافة إلى ما كان طرحه في زيارته السابقة.
وقد استبق رئيس الجمهورية ميشال عون اجتماعات الوسيط الأمريكي بالقول أمام المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جوانا فرونتسكا “إن الجانب اللبناني سيبلغ الوسيط الأمريكي إلى المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية بالموقف اللبناني الموحد حيال الطروحات المقترحة لاستئناف هذه المفاوضات والتي تحفظ حقوق لبنان”، في وقت أبدت المسؤولة الدولية “استعداد الأمم المتحدة للمساهمة في كل ما من شأنه تحريك المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية الجنوبية”.
وفي خلال استقباله وفداً من النواب التغييريين الذين جالوا على كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي من أجل تأكيد ضرورة تمسّك السلطة التنفيذية بالخط 29 عبر تعديل المرسوم 6433، عرض الرئيس عون للوفد النيابي للمراحل التي قطعتها عملية المفاوضات والصعوبات التي واجهتها وأدت إلى تعليقها، شارحاً موقف لبنان من الخطوط المقترحة للترسيم، مؤكداً أنه “من غير الوارد التنازل عن حقوق لبنان في استثمار ثروته الغازية والنفطية”.
ولفت إلى “أن المحادثات التي ستتم مع الوسيط الأمريكي ستتناول موقف لبنان المتمسك بعودة المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل التي كانت توقفت على إثر رفض العدو الإسرائيلي الاقتراح اللبناني باعتبار الخط 29 خطاً تفاوضياً وبعد رفض الجانب اللبناني للخط الإسرائيلي رقم 1 و”خط هوف”.
وأعرب عون عن أمله في “أن تحقق المحادثات مع هوكشتاين تحريكاً للمفاوضات”، متحدثاً “عن الضغوط التي يواجهها لبنان لمنعه من استثمار ثروته النفطية والغازية”، وأوضح “أن رئيس الجمهورية يقود المفاوضات وبعد الوصول إلى اتفاق فإن على مجلس الوزراء الموافقة عليه وإحالته إلى مجلس النواب وفقاً للأصول، وهو أمر لم يحصل بعد بالنسبة إلى الخط 29”. كما عرض عون للوفد النيابي ملابسات التوقف عن الحفر في الحقل رقم 4، متحدثاً عن “تبريرات غير مقنعة قدمتها الشركة المنقبّة”، لافتاً إلى “حصول ضغوط دولية عليها للتوقف عن متابعتها الحفر”.
ومع تصاعد النقاشات والتحليلات حول احتمالية الحرب في جنوب لبنان، استبعدت آراء بعض المتابعين حربا تقليدية ستحصل بين إسرائيل و”حزب الله” كما جرى في حرب تموز 2006، “لأنها ستؤدي إلى مزيد من الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية عند كل الأفرقاء”. واستعادت المصادر الدبلوماسية كلاماً سبق وكرّره رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي مراراً في الأشهر الماضية ضد لبنان، ووضعته هذه المرة، في إطار “الرد على كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من جهة، وممارسة الضغوط الإسرائيلية على لبنان بموازاة التفاوض الذي يقوده الأمريكيون في شأن حقول الغاز البحرية الحدودية”.
وجزمت “بأن مصلحة إسرائيل تقضي بنجاح التفاوض مع لبنان، لاستكمال خططها في التنقيب واستثمار الغاز في البحر الأبيض المتوسط، بينما ستؤدي الحرب إلى منع الإسرائيليين من تنفيذ تلك الخطط وإجهاض مشاريع الاستثمار في حقول الغاز والنفط”، وقالت “إن الاستقرار الأمني هو المطلوب، بينما لا توجد مصلحة عند أي فريق بفتح نزاعات غير منتجة”.
وعلى صعيد الجيش، وبعد تحميل قيادة الجيش ولا سيما العميد بسام ياسين الذي كان يتولى رئاسة الوفد التقني المفاوض مسؤولية خلق الخط 29 والمزايدة على السلطات اللبنانية، أعلن قائد الجيش العماد جوزف عون “أن الجيش أعلن موقفه صراحةً بانتهاء مهمته التقنية، وأنه يقف خلف السلطة السياسية في أي قرار تتخذه”، وقال “لسنا معنيين بأي تعليقات أو تحليلات أو مواقف سواء أكانت سياسية أم إعلامية، الموقف الرسمي يصدر عن قيادة الجيش حصراً وأي رأي آخر لا يعبّر عن موقف الجيش”.