سبحان ‘النظام’ الباقي…

حجم الخط
0

د. عصام نعمان الصراع يحتدم في لبنان . محور الصراع قانون الإنتخابات. ذلك ان ولاية مجلس النواب تنتهي اواخرَ شهر ايار/مايو المقبل ولمّا يتفق زعماء الكتل البرلمانية بعد على صيغة جديدة للتمثيل النيابي تحلّ محل قانون الإنتخابات للعام 1960. هذا القانون المعدّل معمول به حالياً، لكنه مرفوض من قبل معظم الكتل البرلمانية والقوى الوطنية الحية .عدم الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات قد يؤدي الى عدم اجرائها وبالتالي الى نشوء فراغ تشريعي . الى ذلك، قد يلوّح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالإستقالة بغية الضغط على اطراف الصراع للتعجيل في تشريع قانون جديد، وقد يستقيل فعلاً للتبرؤ من المسؤولية الناجمة عن تداعيات الازمة السياسية المتفاقمة، خصوصاً اذا ما تأكّد ان زعماء الكتل النيابية عاجزون عن ايجاد مخرج منها.ما سبب العجز ؟سببه عدم اتفاق اركان الشبكة السياسية القابضة على معادلة جديدة للمحاصصة فيما بينهم . المحاصصة تعني تقاسم المصالح، وفي مقدمها المقاعد النيابية، لضمان البقاء في السلطة والمشاركة في خيراتها. ذلك ان قانون الإنتخابات هو الإطار التشريعي الذي يكرّس المحاصصة المتفق عليها.الملاحَظ ان معادلة المحاصصة تتبدل مع كل إنتخابات لكونها مرآة لميزان القوى السائد. فالظروف السياسية تتغيّر ومعها تتغيّر موازين القوى. هكذا بات محكوماً على لبنان ان يعاني ازمةً كل اربع سنوات نتيجةَ نشؤ الحاجة الى محاصصة جديدة بين اركان الشبكة السياسية القابضة وبالتالي الحاجة الى قانون إنتخابات جديد لتكّريسها.هذه هي حال لبنان في الوقت الحاضر. فأركان الشبكة السياسية القابضة وقوامها متزعمون في طوائف، ورجال اعمال واموال، ومتنفذون في الاجهزة الامنية، عجزوا عن التوافق على معادلة جديدة للمحاصصة نتيجةَ عوامل داخلية واخرى خارجية، ليس اقلها الازمة السورية وتداعياتها. ذلك ان قوى 14 آذار المعادية لسوريا وللمقاومة تأمل بإنهيار نظام الاسد الامر الذي ينعكس عليها، في ظنّها، ايجاباً ويعزز جهودها للحصول على حصة اكبر في معادلة تقاسم المصالح والمغانم والنفوذ.غير ان ثمة حقيقة إضافية تتكشف عن هذا الوضع السياسي الشديد الإضطراب. إنها استحالة الإصلاح السياسي والإجتماعي من خلال النظام السياسي الطوائفي القائم وشبكته السياسية القابضة. ذلك ان اركان الشبكة استطاعوا دائماً في الماضي اعادة انتاج النظام الفاسد من خلال الإتفاق على معادلات للمحاصصة يجري تكريسها في قوانين الإنتخابات المتعاقبة. اليوم يبدو الإتفاق على معادلة جديدة للمحاصصة بالغ الصعوبة .لماذا ينجح اركان الشبكة القابضة في إعادة انتاج النظام ؟ الجواب يتطلب إلقاء نظرة متفحصة على تاريخ نشوء النظام و’تطوره’ ضمن قوالبه الطوائفية الفاسدة، وانتظام اللبنانيين، كلهم او بعضهم، في سياقها الفريد. بإختصار، يؤمن معظم اللبنانيين بالله تعالى. لذلك يتوّجون اوراق نعي موتاهم بعبارة ‘سبحان الحي الباقي’. لكن بعض اللبنانيين مشركون ويؤمنون بإله آخر . لذلك يستهلّون ادعيتهم (السياسية) بعبارة ‘سبحان الحي الذي لا يموت’.الحي الذي لا يموت هو النظام الطوائفي، هو الإله الذي يعبدون. هذا الإله البديل ‘ولد’ مع كيان لبنان بقرار من المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو سنة 1920 بعد هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الاولى واحتلال جيوش فرنسا وبريطانيا ولاياتها العربية في بلاد الشام وبلاد الرافدين.كيان لبنان ونظامه توأمان فريدان يتطابقان في البنية والوجه واللسان . اذا خيّل اليك ان احدهما ‘قُتل’ في حادث او حدث حلّ الآخر محله وكأن شيئاً لم يكن، وثابر ‘المؤمنون’ على عبادة النظام-الإله العجيب.من أعاجيب النظام الطوائفي الفريد قانونُ الإنتخابات للمجلس التمثيلي الصادر سنة 1922. فقد أُرسيت فيه طقوس وقواعد وإجراءات اعتبرت مذّذاك مقدسات لا يجوز المساس بها او تعديلها إلاّ برضى كبار كهنة النظام .ابرز الطقوس والقواعد المعتمدة نظامُ التمثيل الاكثري، والتصويت الجمعي، وتوزيع المقاعد النيابية حصصاً متفاوتة على الطوائف الدينية ‘المعترف’ بها. في التمثيل الاكثري، يخوض المرشحون الإنتخابات فرادى وجماعات (اي ضمن لوائح وتكتلات) ويفوز بينهم من ينال اكثر الاصوات للمقعد النيابي المخصص لطائفته. في التصويت الجمعي، يحق للناخب ان يقترع لمرشح واحد او لجملة مرشحين على ان لا يتجاوز عددهم مجموع عدد المقاعد في الدائرة الواحدة . اما التوزيع الطوائفي للمقاعد فقد جرى إلتزامـه دائماً بقداسـة اسطورية، كما جرى تعزيزه بتكريس المناصفة في التمثيل النيابي بين المسلمين والمسيحيين .الى ذلك، جرى تعديل قوانيـن الإنتخابات منذ 1922 مراتٍ عدة تكاد تكون مساوية لـِ ‘عهود’ الرجال الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية. لكن اياً من قوانين الإنتخابات المعدّّلة لم يمسّ بالاقانيم الثلاثة المار ذكرها، ولاسيما نظام التمثيل الاكثري . لماذا؟لأن قانـون الإنتخابات هو اداة ‘توليد’ مجلس النواب، ومجلس النواب هو اداة انتاج النظام السياسي او إعادة انتاجه. ما حـدث ويحدث في الواقع ان كبار كهنة النظام-الإله حرصوا دائماً على تشريع قـانونٍ للإنتخابات يكفل اعادة انتاج النظامالاله، ‘الحي الذي لا يموت’، من اجل ان يبقوا هم كهنة هيكله ابد الدهر .مع تفاقم الازمة السياسية المزمنة نتيجةّ التطورات الامنية المحلية وانعكاس الازمات والحروب الاقليمية على لبنان، تعذّر على اركان الشبكة القابضة التوصل، بحسب قواعد اللعبة التسلطية، الى اتفاقات وصفقات بشأن معادلات المحاصصة المطلوبة لتقاسم المصالح والمغانم والنفوذ. ثم ان المؤلم والمؤسف ان الوضع الداخلي والاقليمي المأزوم انعكس بدوره على القوى السياسية الإصلاحية فبات متعذراً عليها ايضا، إن لم يكن مستحيلاً، تجاوز النظام الطوائفي الفاسد او إصلاحه من داخله، اي بحسب قواعد اللعبة السائدة . مع العلم ان القوى الوطنية الحية لم تتمكّن من بناء كتلة سياسية معارضة عابرة للطوائف تمتلك، شعبياً وسياسياً، وزناً كافياً لترجيح ميزان القوى في مصلحة الاصلاحيين الناشطين من اجل التغيير الديمقراطي.ما العمل ؟.ليس من حلٍّ او مخرج قريب المنال. فقوى الإصلاح والتغيير الديمقراطي محكوم عليها بأن تكثّف جهودها، في مسار طويل، لبناء كتلة سياسية واجتماعية عابرة للطوائف على مستوى البلاد كلها. ولعلها ستجد نفسها مضطرة في قابل الايام الى تعزيز تواصلها وتفاعلها مع الجيش اللبناني بما هو المؤسسة الوطنية الوحيدة داخل ‘الدولة’ عابرة للطوائف ومتماسكة وذات مصلحة ذاتية ووطنية في دعم القوى الحية لترجيح كفتها في الصراع الدائر لكونها ضمانةً للوحدة الوطنية وشرطاً لإعادة تأسيس لبنان، دولةً ووطناًô.وهذا حديث يطول.’ كاتب لبنانيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية