نابلس- “القدس العربي”:
على تلة ترتفع 463م عن سطح البحر تتوسط المنطقة الواقعة بين مديني نابلس وجنين شمال الضفة الغربية بلدة سبسطية الحديثة، وفي القلب والجوار منها وعلى القمة تماما تقع المدينة التاريخية التي حملت نفس الاسم قبل نحو 25 سنة قبل الميلاد.
وبحسب المصادر التاريخية فقد أخذت البلدة اسمها من “سباستي” وهي اسم المدينة التي أسسها هيرودس الكبير على موقع مدينة “السامرة القديمة” حيث أعيد بناء المدينة على قمة التلة عدة مرات طوال تاريخها.
وبحسب المرويات فقد دمرت أساسات الأبنية المتعاقبة أساسات الأبنية السابقة بسبب وصولها إلى الطبقة الصخرية.
وسبسطية التي ينظر إليها إلى أنها من أقدم القرى الفلسطينية، وأكثرها غنى بالآثار التي تعود إلى مختلف العصور، من أهمها العصر الروماني، كما تقول الرواية الدينية المسيحية إن يوحنا المعمدان دُفن فيها، تتعرض يوميا لاقتحامات مستوطنين وقوات الاحتلال، التي تمنع في المقابل الأنشطة الفلسطينية فيها، وتُقيد رفع علم فلسطين.
وتتوسط التلة الصغيرة مستوطنة “شافي شامرون” من الجنوب، أما مستوطنة “حومش” التي يسعى مستوطنون لإعادة منحها الشرعية بعد اخلائها عام 2005 عبر تحويلها مدرسة دينية فتقع شمال التل.
البلدة الهادئة ذات التراب الرمادي لا تكاد يمر أسبوع إلا ويقتحمها الاحتلال ومستوطنوه، يعربدون ويؤدون صلوات تلمودية، وفي المقابل يمنعون الفلسطينيين من ممارسة أي أعمال صيانة أو تنقيب، فيما كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن حكومة الاحتلال تنوي تخصيص 30 مليون شيكل لإقامة متنزه استيطاني في قرية سبسطية في شمال غرب نابلس.
وبحسب ما نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم”، يوم أمس، فإن إقامة هذا المتنزه الاستيطاني ستؤدي لمنع الفلسطينيين من البناء واستصلاح أراضيهم في مناطق واسعة من قريتهم، بذريعة حماية المواقع الأثرية الخاصة باليهود التي لم يتم اكتشافها حتى الآن.
وأضافت “يسرائيل هيوم” أن حكومة الاحتلال قد تُصادق في جلستها الأسبوعية يوم الأحد المقبل على المشروع الاستيطاني والميزانية المخصصة لتنفيذه، مبينة أن المخطط الاستيطاني من إعداد وزيرة حماية البيئة عيديت سليمان، ووزير السياحة حاييم كاتس، ووزير التراث عميحاي إلياهو.
ويشمل المخطط الاستيطاني تنفيذ حملة دعائية لتشجيع المستوطنين على المشاركة في جولات في الموقع، وجذب السياح الأجانب، بزعم أن المنطقة كانت قرية يهودية خلال فترة الهيكل الثاني.
وكان وزيرا الاحتلال عيديت سيلمان ووزير التراث عميحاي إلياهو قد قاما بجولة طارئة في سبسطية قبل شهر ونصف تلبية لدعوة من رئيس مجلس السامره يوسي دغان.
وصرح الوزيران خلال الزيارة بأن السلطة الفلسطينية تعمل بشكل منهجي على تدمير البقايا الأثرية التي تؤكد على ارتباط شعب إسرائيل ببلدهم. وأن سلطة الطبيعة والمتنزهات والوزير سيلمان يعملان على ترميم الموقع الأثري الذي تقع فيه عاصمة مملكة إسرائيل، وفتحه أمام السياح الإسرائيليين.
وقالا وفق ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية إن السلطة الفلسطينية فتحت طريقا دائريا أضر بالآثار، كما صرح رئيس مجلس السامره محذرا أنه “إذا لم نقم بذلك سريعًا، سيتم محو الموقع”. وخلصوا إلى ضرورة وضع قوة عسكرية ثابتة في سبسطية والسيطرة على الموقع ورصد ستة ملايين شيكل لتسييج الموقع والمراقبة الإلكترونية ولشق طريق يتيح الوصول الى الموقع دون دخول بلدة سبسطية.
الدكتور ضرغام الفارس، الباحث في تاريخ وآثار فلسطين، رد على تصريحات الاحتلال بخصوص آثار سبسطية معتبرا أن هذه التصريحات انعكاس لسياسة قديمة جديدة متجددة لدى الاحتلال تهدف الى الاستيلاء على الأرض والتضييق على الفلسطينيين.
وأضاف أن الاحتلال لديه سياسة وخطة في سبسطية تمنع المستثمرين الفلسطينيين في قطاع السياحة من تحقيق أية أرباح، وكل هذا بمزاعم تاريخية ودينية.
وقدم الباحث الفارس ردودا تفصيلية على مقولات الوزيرين حيث اعتبر الطريق الذي قامت بلدية سبسطية بشقه يقع خارج حدود المدينة الأثرية منذ العصر الحديدي حتى الفترة الرومانية، كما أن شق مثل هذه الطرق مسموح علميا ومهنيا مع المراقبة لاحتمال ظهور آثار وخاصة المقابر، وهذا الاجراء مسموح ومُتَّبَع، والمختصون في الاثار لدى الاحتلال يعرفون ذلك ويمارسونه.
وشدد أنه كما كان محتملا ظهرت مقابر رومانية، وعندما بدأت دائرة الاثار الفلسطينية بأعمال تنقيب انقاذي، توجه جيش الاحتلال الى الموقع وأوقف العمل رغم ان التنقيب الانقاذي كان في منطقة مصنفة (ب) بحسب الاتفاقيات الموقعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وأضاف: “الملك “عمري” هو من أجدانا نحن السكان الأصليين، وقد ذكر اسمه في لوحة الملك ميشع وفي مسلة شلمنصر الثالث، ومملكة يسرال -كما ذكرت بهذا الاسم في لوحة ميشع- كانت وثنية وكل أرض كنعان بقيت وثنية لغاية السبي البابلي”.
وشدد الفارس على أن الفلسطينيين هم أحرص الناس على حماية الآثار في سبسطية وفي كل المواقع داخل فلسطين التاريخية وضمن كل العصور التاريخية، لأننا السكان الأصليون منذ العصور الحجرية الى اليوم ولأننا أصحاب الأرض والتاريخ فنحن من عبد ايل وبعل وبعلت ونحن من طورنا مفهوم الاله لنعتنق الديانة اليهودية ثم المسيحية ثم اعتنق غالبيتنا الإسلام. ولهذا لنا المعبد ولنا الكنيس ولنا الكنيسة ولنا المسجد، فهذه أرضنا وهذا تاريخنا وموروثنا الثقافي.
وختم قائلا: “بما أن كلامي غير مقبول بالنسبة للاحتلال، انصح عيديت سيلمان وإلياهو ويوسي دغان أن يتوجهوا الى المؤرخين والآثاريين في جامعة تل أبيب ويسألوا ليعرفوا أنهم من بقايا مملكة حمير التي اعتنقت الديانة اليهودية عام 384 م ومن بقايا مملكة الخزر التي اعتنقت الديانة اليهودية حوالي عام 850 م، وأنه لم يتم نفينا -نحن السكان الأصليين عندما كنا يهودا- على يد الرومان، وأن يهود العالم الذين جلبتهم الحركة الصهيونية الى فلسطين لا يربطهم بفلسطين أي رابط تاريخي أو عرقي وانما هو رابط ديني يعطيهم الحق بالسياحة الدينية وليس باحتلال فلسطين.
وتعتبر سبسطية بمثابة كنز فلسطين الأثري حيث يحيطها مجموعة من القرى المجاورة ومنها: نصف جبيل، بيت امرين، جنسنيا، برقة، وهي تحتوي على كثير من الآثار الرومانية منها شارع الأعمدة.
وتشير المعلومات إلى أنه في القرن التاسع قبل الميلاد، بنى الملك عمري مدينة السامرة في المنطقة، وتعاقبت عليها السلطة الآشورية في القرن السابع قبل الميلاد، وفي فترة حكم الإسكندر المقدوني حصلت قلاقل في المدينة ضد الحكم المقدوني فحولها إلى مدينة هلينية في سينة 331 ق.م. وأسكن ألف جندي مقدوني في المنطقة.
ودمرت المدينة عام 108 ق.م. على يد المكابيين بقيادة جون هركانوس، ولما فتح الإمبراطور الروماني القدس عام 36 ق.م. أعاد إليها سكانها وألحقت بمقاطعة سوريا الرومانية، وأعيد بناؤها في فترة حكم أولوس گابنوس، وفي عام 30 ق.م. كسبت المدينة اسم “سباستي” (باليونانية أگوستا).
أما في القرن الثاني بعد الميلاد فأعيد بناء المدينة من قبل الإمبراطور سپتيميوس سڤروس، وتعود الآثار الموجودة حاليا إلى تلك الفترة، ومنحت المدينة في عهده حقوق المستعمرات الرومانية وأسماها “كولونيا لوسياسبتيما سبسطي”.
وتروي الرواية الدينية المسيحية أن يوحنا المعمدان دفن في سبسطية، وفي عام 634 للميلاد، سيطر المسلمون على المنطقة بقيادة عمرو بن العاص، وفي الفترة الصليبية بنيت كاتدرائية ضخمة فوق ضريح يوحنا، وفي عام 1187 عاد المسلمون ليسيطروا عليها بقيادة صلاح الدين، وحولت الكاتدرائية لجامع.
وفي سبسطية، يقام مهرجان سبسطية الدولي للثقافة والتراث في كل عام. يوجد فيها العديد من الاثار كالمدرج الروماني ومعبد اغسطس وكنيسة الراس والبزليكا والملعب والبرج وشارع الاعمدة.
وفي سياق متصل أطلقت اليوم جمعية الكمنجاتي الاحتفال بموسم السابع من مهرجان “رحلة روح” 2023، حيث حط اليوم الثاني من المهرجان في بلدة سبسطية في سبيل تشجيع الإقبال الفلسطيني على المنطقة والاستمتاع بالأماكن الأثرية فيها.
والمهرجان هو رحلة موسيقية وروحانية خاصة جداً عبر السفر في المدن والقرى الفلسطينية، حيث يقدم المهرجان موسيقى روحانية وتقليدية من مختلف تقاليد العالم، كما يدعى الفنانون من جميع أنحاء العالم لتقديم ثقافاتهم الموسيقية للفلسطينيين، بالإضافة إلى العمل مع الموسيقيين الفلسطينيين من أجل التوصل إلى إبداعات موسيقية جديدة يتم تقديمها خلال المهرجان.
وانطلق المهرجان من مدينة رام الله، مروراً بنابلس وسبسطية، والرشايدة، وغزة وانتهاء بمدينة القدس المحتلة.