محمد منصور أفهم أن يظهر سيف الإسلام القذافي على الفضائية الليبية الرسمية، وأن يثرثر في خطابه السالف الذكر والأثر، لأكثر من ساعة، من دون أن يقول له أحد ما أحلى الكحل في عينيك. ومن دون أن يحمل أي صفة رسمية سوى أنه ابن الأخ القائد قلباً وقالباً… ففي نظام ديكتاتوري وكاريكاتوري مثل نظام جماهيرية الأخ القائد، وهلوسات الكتاب الأخضر، كل شيء صادق حتى أقصى حدود الكذب، وكاذب حتى أدنى درجات الصدق… وكل شيء أصيل وبديل، جائز ومستحيل، الحاكم لا يحكم، والشعب المحكوم مصدر السلطات، لكن بلا أي سلطات… وفي ظل هذا كله يمكن أن يكون سيف الإسلام ابن النظام بلا أي سلطات، وفوق كل السلطات… ويمكن أن يكون بث التلفزيون الليبي ملكاً له كي يقول ما يشاء، ويرغي ويزبد بما يشاء… لكن ما لا أفهمه حقاً، أن تلهث قناة (العربية) في هذه اللحظات التي يبدو فيها هذا النظام المجرم غارقاً في دماء شعبه، كي تحصل على مقابلة حصرية مع سيف الإسلام القذافي، وأن تتباهى بها باعتبارها سبقاً صحافياً يستحق أن تبرزه بعناوين صارخة.
بأي صفة حاورت (العربية) سيف الإسلام، وما الذي جعلها تضفي عليه شرعية التحليل والتقييم ونقل أخبار، وتكذيب أخبار… إذا كان هو نفسه لا يدعي أي صلة بالسلم الوظيفي أو التمثيل الرسمي للنظام ومؤسساته المنهارة، سوى صلة النسب مع الأخ القائد… فإذا كانت هذه الصلة تكفي في الإعلام الليبي، على اعتبار أن ليبيا كلها وليس إعلامها أو تلفزيونها فقط، كانت مزرعة للقذافي وأبنائه… فهل تكفي لدى (العربية) كي تجعل منه مصدراً إعلامياً أو سياسياً يستحق أن نستمع له في هذا الحوار العبثي؟
على أية حال لم تحظ (العربية) بأي سبق حقيقي… فسيف الإسلام غيّر ملابسه فقط، عن تلك التي ظهر بها في خطابه المتلفز في تلفزيون أبيه، لكنه لم يغير أقواله ولم يضف عليها جديداً… أعاد نفس الكلام، ونفس الأكاذيب، ونفس التهديد والوعيد، ونفس الأسئلة الممتلئة بالفتنة التي تحمل إجاباتها في طيها، أو الإجابات التي تحمل أسئلة لا معنى لها في هذا المقام… ولم يكن موفد (العربية) وائل عصام، قادراً على توجيه أسئلة محرجة بشكل واضح وصريح ومركز… ورغم أنه حاول أن يطرح ظلال وجهة النظر الأخرى، إلا أنه بدا مرتبكاً وخجلاً، ويحاول أن يأتي السؤال من بابه الخلفي أو من (زنقته) الخلفية… ومن الواضح أنه كان يسأل وفي ذهنه مصير السيد موسى الصدر… فهل سيلقى المصير نفسه لو أغضب سيف الإسلام بأسئلة واضحة وصريحة؟
طبعاً لو كنت محل الأخ وائل عصام… فأنا من سأشعر بالغضب من إجابات سيف الإسلام، وليس هو الذي يحق له أن يتملكه هذا الشعور من أسئلتي.. فالأخ الذي لا صفة رسمية له، قدم لنا درساً نموذجياً في الكذب الذي يمكن أن تلجأ إليه الأنظمة الديكتاتورية في لحظات الترنح والسقوط، وشخصياً أقترح ترشيحه ليدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتباره صاحب أكبر عدد من الكذبات في أقل وقت ممكن.
كذب سيف الإسلام في كل شيء، وفي كل الاتجاهات، وكان الكذب لديه بلا حدود… فليست المخابرات الليبية هي التي تشوش على إشارة بث قناة الجزيرة، بل هذه الأخيرة هي التي تشوش على التلفزيون الليبي بمساعدة من نايل سات.. والهدف من ذلك هو إخفاء الحقائق التي يريد النظام الليبي البريء أن يظهرها للعالم كي يحكموا بأنفسهم، وكي تصحى ضمائرهم! أما وزير الداخلية المستقيل عبد الفتاح يونس، الذي قال عنه القذافي الأب إنه قتل في إطلاق نار في بنغازي على خلفية فتنة قبلية، قبل أن يتضح للأخ القائد أنه ما زال حياً يزرق.. فقد اخترع له سيف الإسلام كذبة أخرى.. قال انه استقال تحت التهديد، بعد أن أخذوا أولاده رهائن.. وأنه اتصل بالأخ سيف سائلاً إياه ماذا يفعل وأولاده رهائن في أيدي (المجرمين) فقال له: أعلن استقالتك. ومشكلة عبد الرحمن شلقم مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، والمنشق عن النظام الآن… أنه يحاول الاتصال بليبيا منذ أسبوع لكن هناك ضغطا على الاتصالات، والخط لا يعلّق… ولذلك قرر الانشقاق، وليس لديه أي دوافع أخرى سوى أنه فنان وحساس وقد رأى بعض الدماء فتصور أنها لا سمح الله (مجزرة) وصدق ما تبثه المحطات المغرضة من شائعات، فظن لا سمح الله أنها (حقائق) فقرر أن ينحرف ويمشي في الطريق البطال!
ومشكلة المشايخ الذين ظهروا على القنوات الفضائية كي يشجعوا الثورة على حكم أبيه… أن هناك فلوساً دفعت لهم، فالدين لدى سيف الإسلام حتى في لحظات كهذه تسيل فيها الدماء أنهاراً على أيدي الطغاة: ‘بزنس’ و’بيع وشراء’ ولسان الكذب يطول ويطول لدرجة أنه يصف هؤلاء المشايخ بأنهم ‘كان يأتون إلينا ليلعقوا أحذيتنا’، على حد تعبيراته البذيئة، التي لا يزكي من بذاءتها سوى هذا الاستعداد اللامتناهي للكذب والتزوير والتلفيق.
وفي بحر الكذب الذي تلاطمت أمواجه بين يدي سليل الأخ القائد ووريث فكره ونهجه، لا يجد موفد (العربية) وائل عصام سوى أسئلة مرتبكة خائفة، تنم عن عدم متابعته لدقائق الأحداث… بل ويسأله بصيغة المصدق والصديّق عن الاتصالات التي رصدت بين الثوار وجماعات إسلامية تحرض على ما حدث… ولا يجد سيف الإسلام أي عناء في تأكيد ذلك، من دون أن يقول له الموفد الجهبذ: هل بالإمكان الحصول على هذه الاتصالات لبثها والتأكد من صحة كلامك؟ لم يسأل الموفد المحترم حين قال له سيف الإسلام أنه ليس هناك حكم عائلة في ليبيا: بأي صفة أنت تحاورني يا سيد سيف الإسلام إذا لم تكن بـ(لا صفتك الرسمية) جزءاً من حكم العائلة، وحاكماً من حكامها؟
باختصار سعت (العربية) تحت بريق ما بدا لها: (سبقاً صحافياً) أن تضفي شرعية على من لا شرعية له… واختارت التوقيت الخطأ، حين فعلت ذلك في الوقت الذي أوغل النظام في الجريمة وسفك الدماء أكثر مما يحتمله الحياد الإعلامي، وكلفت الشخص الخطأ حين اختارت موفداً بلا شخصية، لم يستطع أن يحمل لنا لذة الحوار الذي يواجه ويعرّي، لأنه كما يقول الشاعر: (ما فاز باللذة إلا الجسور)محنة الفن التابع والفنان المستفيد الفنانون العرب في محنة هذه الأيام تكاد تقارب محنة الطغاة الذين يسقطون!
فهؤلاء الذي فتحت لهم نجوميتهم أبواب الملوك والرؤساء والأمراء، فدخلوا متملقين، منتفعين، يُسمعون الطغاة الكلام الذي يحبون سماعه، ويتحولون إلى مهرجين يروون لهم الطرائف والنكات التي تقربهم من خزائن بيت المال، فتفتح لهم كي يغرفوا منها ما شاء لهم صاحب الأعطيات والهبات، ثم يقومون بالتقاط الصور التذكارية وغير التذكارية، والبشر والسرور يطفح من عيونهم وجباههم المملوءة بنشوة العز الزائف… هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة شعب عربي جديد. شعب يصحو كي يسّفه تقاليد الديكتاتورية التي ملأت حياته بالظلام، وكي ينزع غلالة العمى عن عينيه وعن روحه، وكي يبني ثقافة جديدة قوامها الولاء للحرية والحداء للحرية ولقيمها النبيلة.
هذا الشعب الجديد الذي يكتب الأهاجي المقذعة عن فناني التملق في (الفيسبوك) الآن… لن يقبل أن يجعل من هؤلاء رمزاً من رموز زمنه الجديد، وحياته الجديدة بعد اليوم… وعلى الفنانين، مثلهم مثل بعض الأنظمة الباقية، إما أن يتغيروا في الجوهر أو أن يرحلوا عن الميدان!
لم يعد مقبولاً أن تمنحهم الجماهير المجد والشهرة والنجومية والحب والثقة، فيبيعوا رصيدهم الجماهيري هذا بثمن بخس، ويذهبوا كي يسوقوا ثقافة النفاق والاستزلام والتملق للطغاة والمحاربة بسيوفهم وتمسيح الجوخ لهم. نعم الجماهير العربية اليوم لم تعد تقبل هذا النمط من الفنانين مهما كانت أعذارهم وحجومهم… ولكم في عادل إمام شر مثال! ناقد فني من سورية[email protected]