لا شك بان ثمة ضريبة كبيرة دفعتها الامة في القرن الاخير بدعوي التحرير والنهضة والاستقلال، الا ان اخفاقها في تحقيق اي انجاز ذات شان في اي من تلك المجالات احبطها وافقدها ثقتها بامكانية الخروج من الأزمات الخانقة التي تمر بها، فضلاً عن شعور غالبيتها الساحقة باستحالة احداث تغيير نحو الافضل في واقعها وفقدانها الامل بامكانية تحقيق نهضة يعتد بها في المدي المنظور.
وتتعدد اسباب الاخفاق كما تتنوع الا ان خللاً اساسياً ملموساً يسبق كافة ما يمكن حصره من اسباب يتمثل بغياب الطريقة السليمة في التفكير، تلك العملية المجردة التي تحاكم الاشياء وتتعامل معها كما هي، لا كما تشتهيه النفس وترغب في تصويره. فمثلاً، وجدنا من ادعي تحرير العراق من نظام بعثي مرتبط بالغرب حسب دعواه، وجدنا هؤلاء قد القوا بأنفسهم ردحاً طويلاً من الزمان في احضان التوأم البعثي المضاد في سورية، كما انهم لجأوا الي الغرب نفسه للخلاص من ذلك النظام، معللين التعامل مع الاحتلال الاجنبي بأنه مؤقت وان طرده سيكون اقل كلفة وعناء من اقتلاع الطغيان المحلي. ليتحولوا مع قدوم الاحتلال الي مجرد بيادق رخيصة لديه، يحركهم بالاشارة عن بعد، مصرين علي بقاء الاحتلال كضرورة ملحة، فيما بدأ العراق يلفظ انفاسه تحت مطرقة الاحتلال واأخذ يتلاشي علي عجل بين ايدي عصابات مأجورة وميليشيات مجرمة وساسة اوباش. فاي عقل ذاك الذي يستبدل قطاً بضبع وطاغية بطغاة ينتهكون الحرمات ويستبيحون المحظورات ويلحقون بالعراق واهله الفواجع والخراب. وفي فلسطين اكثر قضايا الامة حساسية ولفتاً للنظر، وجدنا من يرفع راية تحريرها رابضاً بين ايدي الانظمة المتعفنة التي جرّت الخيبات المتتابعة علي فلسطين واهلها، متنقلاً بين عواصم لا تملك قرارها، مدمناً استجداء الغرب علي الاعتراف به والتعاطي معه بايجابية وشفافية، مع ان الغرب اس بلاء فلسطين ولا هم له سوي مصلحته، معتبراً اسرائيل خطاً احمراً لا يمكن المساومة علي المساس بها فكيف باقتلاعها. رغم ذلك تتزاحم تلك المتناقضات واشباهها في سياسات تلك الزعامات علي نحو مضحك مبك في آن معاً. ومن اغلب ما عم وطم سيطرة تصورات غامضة علي عقول الناس من مثل ان سوء الاوضاع وكثرة المصائب بشير فرج تلقائي، مع ان تفشي الوباء يسبب المرض العضال وبالتالي الموت والهلاك ان لم تتم الوقاية منه، والفقر يدفع الناس الي الجريمة والرذيلة ان لم يتم العناية باصحابه ورعايتهم، والظلم يزداد فحشاً ووحشية وسطوة ان لم يجد من يزيله، وهكذا فان سوء اوضاع الناس نذير شؤم لا بشير فرج ان لم يتخذ ازاءها اعمال جدية للحد من آثارها والخلاص منها.
هذا غيض قليل نطل من خلاله علي تلك العقلية السائدة التي تعتمد الهشاشة في التفكير وتحاكم الاحداث بشكل سطحي معتبرة السلوك المشين الذي تنتهجه مجرد مسايرة مؤقتة لواقع لا بد ان يتغير جراء ازمات متراكمة ومصادفات متوقعة وآمال عريضة مكذوبة بدل بنائها افعالها علي اسس وقواعد سليمة في الفهم والتحليل لتحقيق اهدافها. وتعزز حالة التناقض والضبابية في التفكير خمول الناس وتقاعسهم اضافة الي ترسيخ حالة من الشلل والعجز لديهم، فضلاً عن تاصيل التفكير السطحي والنفعي الآني والانحطاط في سلوكهم بشكل تلقائي. من جهة اخري فان هذا الواقع المقزز، مع تعطل آلية سليمة في التفكير بالانعتاق منه، يستفز بدوره فئات اخري للقيام باعمال غير مبررة، ارتجالاً وردة فعل وتمرداً علي واقع مفجع ثائرين عليه متوقعين ان افعالهم تلك ستكون بمثابة صاعق متفجر يؤدي الي تغيرات في حركة التاريخ، او انها ستتسبب بفتح ابوب السماء لتهبط المعجزات تباعاً، معولين علي افهام مجملة متجاهلين قوانين الله في الطبيعة وكانها بحكم الملغاة من حساباتهم.
حسن الحسن رسالة الكترونية 6