ستاثيس ستافروبولوس: زوال التأييد اليوناني للفلسطينيين يعني نسيان اليونانيين لهويتهم
مواقفه من القضية الفلسطينية ومعاداته لامريكا جلبت لفنان الكاريكاتير اليوناني متاعب كثيرةستاثيس ستافروبولوس: زوال التأييد اليوناني للفلسطينيين يعني نسيان اليونانيين لهويتهماثينا ـ القدس العربي ـ من نسيم الاطرش: ستاثيس ستافروبولوس فنان كاريكاتير وكاتب يوناني معروف في الوسط الإعلامي والسياسي، كانت له في السنوات العشرين الأخيرة بصماته المعروفة في مجال الكاريكاتير علي صعيد اليونان، نشأ في صفوف اليسار السياسي وتنقل في عدة جرائد ومجلات يونانية، مساهما في تصوير الأحداث علي طريقته الخاصة، وقد جلبت له مواقفه من القضية الفلسطينية ومعارضته للسياسات الامريكية الكثير من المتاعب من جانب السفارتين الإسرائيلية والامريكية في أثينا ومن جماعات ضغط يهودية في أوروبا.حول الأحداث الأكثر أهمية في حياته يعتبر أن ولادة ولديه ذيونيسيس وتيليماخوس الحدث الأكثر أهمية عائليا، كما يذكر مشاركته في انتفاضة الطلاب اليونانيين عام 1973 ضد الحكم العسكري، والمعروفة بثورة البوليتكنيو، وبدايات نشر رسوماته في الصحف اليسارية وأسفاره الي نواح متعددة من المعمورة.ويعتبر ستاثيس أن فن الكاريكاتير هو طلب الحقيقة ، والبحث عن المحرك الحقيقي وراء الأحداث، موضحا أنه يختار موضوعاته من الواقع المعاش، ومن موضوعات وحقائق حياتية قد لا تكون دائما ظاهرة للعيان.أما أن يعبر فنان الكاريكاتير عن موضوعاته وعن أفكار الناس من خلال هذا الفن فيعتبر ستاثيس أن المسألة بالنسبة له شخصيا غير صعبة، واضعا فرقا بين الكاريكاتير المرخص من الجهات الرسمية والذي هو أداة تعبير الأقوياء ضد الضعفاء، وبين فن الكاريكاتير الحقيقي هو فن الأمل المقاوم لليأس، والممثل لتمرد الإنسان علي الموت، ورفض الانصياع والتبعية، والسعي نحو حياة أفضل.ولا تغيب عن ستاثيس تأثيرات نٍشأته اليسارية، حيث يعتبر أن أهم الموضوعات التي تجذبه الأحداث كشف خداع السلطات، والتطورات السياسية، مسألة الحرب والسلام، تفصيلات الحياة اليومية، عذابات الناس البسطاء، وتطور الحضارات.عن المؤسف والمفرح في فن الكاريكاتير يعتبر ستاثيس أن فنه يحوي القليل من المؤسف له، والكثير للجالسين في مقاعد السلطة، بالنسبة لقرائه يأمل أن يكون هناك الكثير من العناصر المفرحة والقليل من العناصر المحزنة، مضيفا أنه يمارس الكثير من النقد لعامة الشعب وبسطائه، لكن دون أي إهانة أو انتقاص من قيمته.وحينما تبرز الناحية الإنسانية في الفنان ستاثيس يتحدث عن الرسومات التي أهداها لموضوعات الحرب ومآسيها، مثل الحروب التي وقعت في يوغوسلافيا وأفغانستان وفلسطين، وموضوعات إنسانية مثل الجوع الذي يقتل أطفال العالم الفقير، والأمراض والفقر.ويعتبر ستاثيس أن الناحية البائسة للوجود الإنساني تحرك الكاريكاتير وتمد هذا الفن بموضوعات وأفكار متجددة.وعن المعادلة بين فن الكاريكاتير الذي اشتهر به ستاثيس وبين الكتابة التي لا يقل عنه شهرة فيها، يعتبر أنه غير راض عن نفسه في كل الحرفتين، وأنه يعتبر نفسه كل يوم في اختبار جديد، عليه أن يقدم فيه الأفضل والأرقي والأحسن، كما يشبه نفسه في محاولته للوصول الي الأفضل بالتلميذ الجديد في المدرسة الذي يحاول دون كلل أن يثبت قدراته.أما عن مكانة فن الكاريكاتير في الصحافة اليونانية والأوروبية عموما، فيعتبر ستاثيس أنه في الخط الأول، موضحا أن اليونان لديها موروث شعبي وتقليدي عريق في هذا المجال منذ أيامها الأولي، وفي البلاد الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وأخيرا بريطانيا وصلت هذه الحرفة الي مكانة راقية جدا.وعن علاقة الفن بالسياسة ورضوخ الصحف للضغوطات لتعديل بعض رسوم الكاريكاتير اعتبر أن الكثير من الصحف يخضع للضغوطات سيما إن كانت موافقة لتوجهاتها العامة، معطيا المثل بجريدة اليفثيروتيبيا التي أثبتت أنها لا تخضع للضغوطات، كما أن هناك العديد من الصحفيين والكتاب لا يهتمون كذلك بالإملاءات.عن دور السفارات العربية في أثينا ومساهمتها في تصحيح المفاهيم يقول ستاثيس إن دورها معدوم تماما، باستثناء الفلسطينيين الذين يحاولون قدر المستطاع الخروج في وسائل الإعلام وتصحيح الصورة، يتابع ستاثيس الإعلام اليوناني يعلم بشكل صحيح قدر المستطاع، من الناحية الأخري، قناة الجزيرة كمصدر معلومات، تلعب دورا مهما في الغرب، لكن ليس بالقدر المطلوب في اليونان، لأن اليونانيين كانت لهم دائما اطلاعاتهم ومعرفتهم وهم يتعلمون المزيد.ولا يبدو ستاثيس منزعجا من عدم وجود أي دعم معنوي من السفارات العربية في أثينا، معربا عن تفهمه لوجود عوائق في تعامل العرب والغربيين، ولو كانت حالة اليونان أخف حدة، أما الحكومات العربية فهي لا تهمه بحال إذ يعتبرها غير شعبية وغير بريئة تماما من عذابات مواطنيها.وعن وجود ضغوطات من سفارات غربية في اليونان لتغيير آراء الشخصيات المؤيدة للعرب، يؤكد ستاثيس أن السفارتين الوحيدتين اللتين تقومان بالضغوط هما السفارة الامريكية والسفارة الإسرائيلية، وهذه الضغوط عادة ما تفشل في تحقيق أهدافها، وإن كانت هناك حالات انصياع أو شراء ذمم فهي استثناء لا أكثر.وحول تكلفة نقد الصهيونية يذكر ستاثيس أنه تلقي رسائل احتجاج من المجلس اليهودي البريطاني ومن وزارة الخارجية الأمريكية، وتدخلات من السفارة الإسرائيلية في أثينا، لكنه لم يعبأ بأي منها، معتبرا نفسه معاديا للفاشية الإسرائيلية لا السامية، ومعتبرا أن انتقاده لإسرائيل ينبع من ثورته علي سياسات الاغتيال ضد المواطنين العرب،وضد الحرب التخويفية التي تقوم بها ضد كل من يتجرأ علي نقدها، مضيفا أنه كرجل ديمقراطي كثيرا ما دافع عن اليهود ضد العداء للسامية كما انتقد الإسرائيليين بسبب السياسات النازية التي ينتهجونها ضد الفلسطينيين. ولا يعتقد ستاثيس بوجود صحافة محايدة، ويطلب في المقابل أن تكون موضوعية، معتبرا أن خلفيات الصحافيين وخط الصحيفة العام لا بد أن تظهر في أعمالهم، لكن هذا لا يعني تبرير التزوير او حجب الحقائق.حول السياسة العالمية والعولمة يعتقد أن الكثير من الناس يقفون ضدها من غير صفوف اليسار، مثل المثقفين واليمينيين الشعبيين وغيرهم كثيرون، ومضيفا إن اليونانيين بطبيعتهم شعب مثقف سياسيا منذ القدم، وهم يعرفون مجري الأمور.الدور الأمريكي في اليونان وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية استراتيجي وقوي، بل هو الأول حيث دعمت الولايات المتحدة الانقلاب العسكري عام 1973، وساهمت في تشكيل القوي السياسية، دافعة اليسار السياسي الي حيز عدم الشرعية حتي عام 1974، وكانت حاضرة في المسألة القبرصية وكل الأزمات التي وقعت بين اليونان وتركيا، أما الدور الإسرائيلي فيعتبر ستاثيس أنه مرتبط بالدور الامريكي ليس أكثر، لكنه كاف ليعتبر إجراميا، أما العلاقات الإسرائيلية مع الحكومات اليونانية الحالية فقد قويت كثيرا مع الحملة الدولية المضادة للإرهاب، حيث كان معروفا تواجد الكثير من عناصر الموساد في أثينا خلال فترة الألعاب الأولمبية، والي اليوم لم يتم تطهير المكان منهم.العلاقات العربية اليونانية لديه تسير بشكل طبيعي إذ أن الشعبين يعرفان بعضهما منذ القديم والفوارق بينهما غير شاسعة، ومع أنه لم يدع الي إقامة أي معرض لرسوماته في الدول العربية، فإنه يعدد بفخر زياراته الي الكثير من أنحائه سيما زيارته لبغداد التي أرسل منها العديد من رسوماته ومقالاته المعبرة. والتقي ستاثيس ـ خاصة في بغداد ـ بالكثير من الفنانين والمثقفين العرب الذين يمثلون حسب رأيه قسما مهما من التاريخ الإنساني الراقي، والذين يجهل اليوم مصيرهم،ويتمني أن يراهم من جديد في بغداد محررة من الاحتلال، وأن يشرب الشاي في البازار متحدثا مع التجار العراقيين، وأن يزور مساجد بغداد العريقة ويسمع الموسيقي الشرقية المحببة لديه، ويسترجع ذكريات مضي عليها زمن طويل. التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية لا زال حاضرا، وهو يعتقد أنه باق لأنه مستمد من روح اليونانيين وقوميتهم لذلك فزواله يتطلب نسيان اليونانيين هويتهم وقوميتهم ولغتهم، وهي مسألة مستحيلة.وحسب ستاثيس فرؤية اليوناني لمسألة الشرق الأوسط تختلف تماما عن رؤية المواطن الأوروبي الآخر في غرب أوروبا، فاليونانيون كانت لهم تجاربهم الخاصة مثل المسألة القبرصية، التطورات السياسية غير المستوية في اليونان، التدخلات الامريكية الفجة التي تصل الي حد الهيمنة، الموقع الجغرافي لليونان حيث لا تجاور أي دولة من دول الوحدة الأوروبية، وقربها الي الدول العربية جعل منها قريبة الي الشرق، هم يفهمون أكثر معني التشرد والاحتلال والنضال من أجل الحرية، كما أن الحضارتين عاشتا جنبا الي جنب لقرون طويلة بتناقضات بينهما، لكن كلا من الحضارتين قبل الآخر، ويذكر ما كتبه أحد الأباطرة البيزنطيين الي أحد الخلفاء المسلمين في دمشق إن شعبينا هما قطعتان من الحجر الكريم في التاج الذي ألبسه الاله للأرض . واليونانيون أخيرا ـ كما يقول ستاثيس ـ لم يكونوا يوما من المحاربين الصليبيين بل إنهم قاسوا منهم كما قاسي العرب. 0