عادت احداث العنف مجدداً الي قطاع غزة، حيث بلغت حصيلة القتلي في اشتباكات امس بين حركتي فتح و حماس اكثر من اربعة اشخاص، بينما وصل عدد المخطوفين من الجانبين حوالي خمسة عشر شخصا حتي كتابة هذه السطور.
من المفترض ان تكون هذه الظاهرة الدموية قد اختفت بعد توقيع قادة الحركتين اتفاق المصالحة في مكة المكرمة، والدخول في شراكة سياسية اثمرت عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولكن يبدو ان ظروفاً وتطورات وقعت منذ ذلك الوقت ادت الي تصعيد حالة التوتر، والسقوط في مصيدة الاقتتال مجدداً، ويمكن ايجاز هذه التطورات في النقاط التالية: اولاً: من الواضح ان الجناحين المتشددين في حركتي حماس و فتح لم يكونا راضيين عن اتفاق المصالحة، والدخول في الشراكة السياسية، فالجناح العسكري في حركة حماس يبدو غير راض عن استمرار الهدنة ووقف اطلاق الصواريخ والتخلي عن العمليات الاستشهادية، ولو الي حين وبصفة مؤقتة، في المقابل يشعر الجناح المعتدل في حركة فتح ان اتفاق مكة اعطي حركة حماس شرعية سياسية، وثبت زعامتها للحكومة، مثلما يشعر هذا الجناح المتعطش للصدام والمواجهات ان قيادة فتح قدمت تنازلات كبيرة وضيعت فرصة ثمينة لاستعادة سيطرتها علي الحكومة والوضع بشكل عام. ثانياً: فشل اتفاق المصالحة في مكة والحكومة التي انبثقت عنه في رفع الحصار المالي المفروض علي الشعب الفلسطيني، والحصول علي اعتراف دولي بحكومة الوحدة الوطنية، الامر الذي صب في مصلحة المتشددين في الجانبين. فالذين يعارضون الشراكة مع حماس في حركة فتح رددوا في مجالسهم الخاصة الم نقل لكم ذلك بينما لم يخف المتشددون في حركة حماس امتعاضهم من دخول الحكومة، وتوقيع اتفاق مصالحة دون الحصول علي ضمانات عربية ودولية مؤكدة برفع الحصار. ثالثاً: المؤامرات الاسرائيلية لم تتوقف مطلقاً عن بذر بذور الفتن والعمل علي نسف الاتفاق بين الجانبين، ومن غير المستبعد ان تكون عناصر مرتبطة بالاجهزة الامنية الاسرائيلية هي التي تقوم بعمليات اغتيال لعناصر من الجانبين لاشعال فتيل الصدامات الدموية مجدداً. رابعاً: اعلان الولايات المتحدة عن تقديم مبلغ ستين مليون دولار لتدريب الحرس الرئاسي الفلسطيني وتسليحه ادي الي زيادة حالة الريبة والشك في اوساط حركة حماس تجاه نوايا الرئيس محمود عباس، ومجموعة المستشارين الامنيين حوله، خاصة اولئك المعروفين بعدائهم الصريح لحركة حماس بشكل خاص وحركات المقاومة الاخري بشكل عام. خامساً: تصاعد الحملات الاعلامية بين الحركتين في الاسابيع الاخيرة بصورة غير مسبوقة، وتضمنت بعض البرامج الاذاعية والتلفزيونية تحريضاً واضحاً علي القتل والتصفيات الدموية لبعض الرموز، الامر الذي خلق مناخاً من التوتر والاحتقان لدي الجانبين. سادساً: توسع نطاق حالة الفلتان الامني وزيادة الجرائم، وخطف الصحافي البريطاني الن جونستون، واستمرار عمليات تهريب الاسلحة، بحيث تحول قطاع غزة الي غابة سلاح.
في ظل هذه الاجواء المحتقنة، جاءت الصدامات وعمليات القتل والخطف نتاجاً طبيعياً، ولكن الخطورة انها تأتي في وقت تستعد فيه القوات الاسرائيلية لاجتياح القطاع، الامر الذي يؤكد وجود اصابع اسرائيلية، مباشرة او غير مباشرة، تعمل بدأب علي اشعال فتيل الفتنة مجدداً.