ستيفن بينكر لغوي كندي أمريكي، ومتخصص في علم النفس المعرفي، من منظور تطوري، تلميذ تشومسكي وزامله لسنوات في المعهد الشهير MIT ، ثم انتقل إلى جامعة هارفارد عام 2003، يُعد اليوم نجما ثقافيا في الولايات المتحدة، بعد سلسلة كتب كانت من بين الأكثر مبيعا في سنوات صدورها، يتميز بذكاء وقاد وحس دعابة إنجليزية وأسلوب يبسط الفكرة الشديدة التعقيد، فإذا هي لينة مطواعة للذهن، من بين كتبه «الغريزة اللغوية» و»الصفحة البيضاء» و»كيف يشتغل الذهن». تمكنه في تخصصه وموهبته النادرة في التأليف وبسط الأفكار لغير أهل الاختصاص بوأته مكانا مميزا في الوسط الفكري الأنكلوسكسوني.
في 2011 نشر كتابا سيؤرخ لتحول في المسار الفكري للرجل، فبعد أن أثبت موسوعيته ونفاذ بصيرته في اللغويات وعلم النفس المعرفي، شعر بأن الوقت حان ليصرف من رصيد ما راكمه من مصداقية كتبه السابقة، فبدأ رحلة الدفاع عن الليبرالية والنموذج الغربي القائم، فجمع في هذا الكتاب، الذي عنونه بـ»الجانب المشرق من طبيعتنا» Viking Books 2011 «The better angels of our nature»، سيلا من الجداول الإحصائية ليبين أن العنف في الأزمنة الحديثة، تضاءل مقارنة مع ما قبلها، لم يلق هذا الكتاب الترحيب نفسه الذي لقيته كتبه السابقة على العموم، فما تتميز به الساحة الثقافية في العالم الأنكلوسكسوني هو وجود «رقابة» نقدية تفرض على الكاتب قدرا كبيرا من الحيطة حين تسطير الكلمات، ذلك أن الخطاب الطبيعي حواري في حقيقته، والمتلقي جزء من ماهية هذا الخطاب، والكاتب يدعي وينفي ويستدرك ويُصحح، مستحضرا قارئا متمكنا. وقوة الفكر وثراؤه من قوة المتلقي والعكس بالعكس.
جل الانتقادات لهذا الكتاب ركزت على تحريفه لوقائع التاريخ، وانتقائية معايير الإحصاء، وعينات الدراسة، كما في بسط مقدمات نظرية لا تخلو من تحكم في الاتجاه الذي يخدم أطروحة الكاتب، كما في رأيه المسكوت عنه في الكتاب، وهو أن التقدم في التاريخ بدأ مع الغرب، ولا يوجد وراء ذلك غير الظلمات.
بعد هذا الكتاب نشر بينكر مقالا عنوانه «العلم ليس عدوك» (New Republic, Aug 6 ـ 2013) أعاد فيه أطرحات الوضعية العلموية في أكثر نسخها سذاجة، ما جعل الكثيرين يتعجبون من التحول الذي طرأ على الإنتاج الفكري للرجل، حيث أنه استعمل في مقاله مغالطة إنسان القش بإعادة صياغة مواقف الخصوم بشكل يجعلها مغرقة في السطحية، ومن ثم يشعل فيها النار بعود ثقاب واحد. دافع بينكر في هذا المقال عن التنوير الليبرالي، ولعل هذا المقال كان النواة التي خرج منها آخر كتبه، الذي صدر في شهر فبراير/شباط 2018 وعنوانه: «التنويرالآن: دفاعا عن العقل والعلم والنزعة الإنسانية والتقدم»، يقع الكتاب في 576 صفحة و23 فصلا مقسمة على ثلاثة أجزاء، ولا يلبث القارئ الحصيف أن يكتشف أن الكتاب هو في الحقيقة دفاع عن الرأسمالية والعولمة والإثراء بلا حساب أو حسيب، وليس من الصدفة أن يغرد بيل غيتس واصفا إياه بـ»كتابه المفضل لكل الأزمنة»، وكما قال الفيلسوف البريطاني جون غراي في مطلع مراجعته للكتاب: «أن تعتقد أن هذا الكتاب هو كغيره ضرب من البحث العلمي سيجعلك تجترح خطأً مقوليا. غرض بينكر من هذا العمل المضني هو طمأنة الليبراليين بأنهم على الجانب الصحيح من التاريخ»( Unenlightened thinking: Steven Pinker’s embarrassing new book. Statesman. 22 February 2018.). «التنوير الآن» فاق سابقه في الجداول والإحصاءات، حيث غطت هذه ثلثي الكتاب، وعرّفت السلوك المعرفي من تحديد للمعايير وتأويل للمعطيات، وتحديد للدلالات على النحو الذي يجعل من حجة الكتاب مصادرة كبيرة على المطلوب، والوقائع التي تأبى الحشر في قوالب اللغوي الكبير، تجعل لها قنوات صرف تلقي بها خارج النظرية العصماء.
الجملة التي يبدأ بها فصل «العقل» من الكتاب هي: «أن تُعارض العقل يعني أن تكون غير عقلاني» وهي رجع صدى للشعار السيئ الذكر لبوش: «من ليس معنا فهو ضدنا» كما أنها نموذج لأسلوب الأساس، الذي يعتمده بينكر في الحجاج، حيث يضع التعريف الذي يترك المعترض منذ البداية خارج رقعة «الصواب» وعند الاعتراض لا يكف اللغوي الكبير عن تغيير قواعد اللعبة أثناء اللعب، بتعديل التعريف ليستغرق الاعتراض، فالفروق الاقتصادية التي تتسع بين الأفراد والدول يوما عن يوم تحت «التنوير» الحديث يردها بقوله إن «الفروق الاقتصادية ليست بعدا من أبعاد الحياة الجيدة وينبغي عدم خلطها مع عدم الإنصاف والفقر»، و»التسلح النووي هو رد فعل على تهديد هتلر»، الذي يبدوا أنه جاء من كوكب آخر، وليس من حضارة التنوير، كما يلقي بمسؤولية الحروب التي عرفتها السنوات القليلة الماضية على الإسلام، وعلى قومية روسيا، ولا يد لقادة العالم الحر في كل الحروب التي يعرفها العالم اليوم، ووجود أكثرها في بلاد المسلمين، لا علاقة له بإسرائيل ولا ببلفور، ولا بالنفط، ولا بالاقتصاد الرأسمالي المتغول، ولكنه في الإسلام، أو في فهمهم له، كما يستدرك هو نفسه، لوجود تاريخ مكتوب «للأسف» يشهد بـ»تقدم» العالم الإسلامي بالدين نفسه.
يقول الكاتب الإنكليزي ويليام ديفيس في مراجعته لـ»التنوير الآن» بأن صاحبه اتخذ التدابير اللازمة لوضع «التنوير» و»العلم» على اليمين من أي جدال أو صراع، في حين تم إلصاق كل فظاعات المئتي عام التي مضت على الجهل واللاعقلانية، والنزعات «المضادة للتنوير»
( William Davies: life is getting better. The guardian 14 Feb 2018).
إن العلموية، التي يبشر بها ستيفن بينكر ينتهي بها المآل إلى أن تُخرج من صفوفها حتى مؤسسيها، وإذا كان هيوم قد أيقظ فيلسوف التنوير كانط من سباته الدوغمائي، بوضعه علامة استفهام كبيرة على العقل المحيط بكل شيء، والنافذ إلى كل شيء، فإن ستيفن بينكر بكتابيه الأخيرين، كان ليعيد كانط ليس فقط إلى سباتٍ ولكن إلى غيبوبة طويلة الأمد.
* كاتب من المغرب