المخرج الفائز بثلاث اوسكارات ما زال طفلا من الداخلهوليوود ـ من حسام عاصي: رحلتي لمقابلة ستيفن سبيلبرغ كانت طويلة. طرت اولا من لوس انجلس الى باريس. في الصباح التالي، سافرت على متن قطار الى بروكسل حيث تعرفت الى بطل فيلمه الاخير، تان تان. اسم على مسمى. وفي المساء كانت عودتي الى باريس لحضور العرض الافتتاحي للفيلم، حيث تعرفت الى جمهور فرنسي منتش وهم يقفون على اقدامهم ويصفقون للمخرج الايقونة لما يقارب 10 دقائق. كان قد حضر من بروكسل بطائرة هيلوكوبتر، حيث حضر عرضا أولا آخر للفيلم.في يومي الثالث بباريس كنت جاهزا لمقابلة المخرج السينمائي الأشهر في العالم، الذي كان عمليا في استراحة نهاية الأسبوع من تصوير فيلم آخر له ‘لينكولن’، وكان موجودا للتسويق لفيلمه ‘مغامرات تان تان’.اضافة الى تصوير لينكولن، كان المخرج الشهير بكثرة اعماله يخرج الطبعة الثانية من تان تان ويطلق فيلم ‘حصان الحرب’. اضافة الى انه يدير ستديوهات ‘دريم وورك’، التي انتجت اعمالا ناجحة كثيرة خلال هذا العام مثل ‘المساعدة’، ‘فولاذ حقيقي’، ‘ترانسفورمرز’ و’العظماء الثمانية’.ومع ذلك كان مدهشا بالنسبة لي، حين رأيت سبيلبرغ يدخل الغرفة، يصافح ويربّت على الأكتاف، ان لا أعمال تشغل باله. انه متواضع جدا وبعيد عن الادعاء الى حد ان لا تلاحظ حقيقة انك في حضرة اكثر المخرجين السينمائيين نجاحا في العالم، الذي كسّرت افلامه الأرقام القياسية للمبيعات عدة مرات وفاز عددا من المرات بجوائز اوسكار. الى هذه اللحظة، حصلت افلام سبيلبرغ اكثر من 8.5 مليار دولار.رغم انه يعتبر نفسه محظوظا كثيرا، فان المعلم السينمائي مدهوش بهذا النجاح. ‘لو انك اخبرتني قبل 40 عاما سيكون لدي 7 اطفال وتاريخ طويل من الاعمال، لقلت لك ‘بالطبع انك تمزح’ يقول ضاحكا. ‘لو كنت اعلم القادم لي أيامذاك، لما خرجت من سريري. لكان ذلك قامعا لي، كان ذلك الكثير من العمل لأنني استطيع ان افعل شيئا واحدا في وقت واحد وقد قضيت حياتي اقوم بشيء واحد فقط خلال وقت واحد رغم انك قد تظن انني اقوم بثلاثة اعمال في الوقت نفسه. كان ذلك ليكون مرعبا جدا ومقلقا لي لو كنت اعلم انه سيحصل.’على الرغم من اخلاصه المتعصب للافلام، فان سبيلبرغ يصر ان اولاده أهم اولوياته ثم تأتي السينما بعدهم.’انا استيقظ في السادسة صباحا وأحضر الفطور لاولادي، بمساعدة زوجتي، ثم اضع الاولاد في السيارة واذهب بهم للمدرسة. بعد ذلك اترك المدرسة اسوق لمدة ساعة الى مكتبي’ يقول مبتسما.’اولادي قادرون على اجهاض اي شيء. عندما اتلقى اتصالا من اولادي خلال عملية الاخراج كل شيء يتوقف. لا ارفض الاتصال. كان الأمر هكذا دائما ولا اعرف كيف اعيش حياتي بطريقة اخرى’.كان اولاد المخرج ضروريين في الحفاظ على رغبته في عمل تان تان. سمع سبيلبرغ بتان تان عام 1981، حين قارن ناقد فرنسي بين فيلمه ‘غزاة السفينة الضائعة’ بكتب الفنان البليجي هيرجيه الكوميدية عن صحافي شجاع.’لم يكن لدي اولاد عام 1981 حين قرأت ‘7 كرات زجاجية’. كان هذا اول كتاب عن تان تان اقرأه. ثم قرأت كل كتب تان تان، وبدأت ابنائي بالولادة منذ عام 1985 ثم بدأوا يقرأون الكتب وهو ما أبقى الفكرة حية ونشطة في حياتي. لهذا التصق الموضوع بي’.المراسل الطفولي ذو العينين الواسعتين ومغامراته الأوسع من الحياة استولت على مخيلة الملايين في العالم، لكنه غير معروف ابدا في امريكا. فيلم سبيلبرغ، مغامرات تان تان، التي استخدم فيها الكتاب السابع لهيرجيه ‘سر وحيد القرن’، غيّرت هذا الواقع.في هذا المغامرة المقتبسة الأولى للشاشة، تان تان (جيمي بيل)، مع كلبه سنوي، يباشر مهمة خطرة لكشف لغز نموذج سفينة اشتراها من السوق. تأخذ الرحلة به الى البحر وما بعده، حيث يلتقي الكابتن هاوك (اندي سركيس)، الذي يساعده في الانتصار على عدوه الانتقامي ساخارين (دانييل كريغ) وليجد كنزا مخبأ في حطام سفينة تدعى وحيد القرن.عام 1983، اتصل هيرجيه بسبيلبرغ بعد ان شاهد فيلمه ‘غزاة السفينة الضائعة’ وطلب منه اقتباس كتب تان تان. معجبا بهذا العرض، وافق سبيلبرغ الذي كان يصور فيلمه ‘انديانا جونز ومعبد الموت’ في انجلترا، على السفر الى بروكسل للقاء هيرجيه، لكن من المؤسف ان الأخير توفي قبل وصول سبيلبرغ.’لقد ارتبطت بتان تان وبالقصة لأنني مثله قضيت حياتي كلها احفر للبحث عن قصة جيدة. لذلك بهذه الحالة اعتقد اننا كلانا لدينا العاطفة الجياشة نفسها. انا لدي كاميرا وهو لديه قلم’ يقول ضاحكا.وهكذا فان وفاة هيرجيه لم توقف عاطفة سبيلبرغ لمنح تان تان حياة جديدة على الشاشة.’كنت احاول دائما ان اقنع الستديوهات بتمويل 3 افلام لكنهم لم يقتنعوا’ في النهاية، تمكن الفنان الرائد من ابرام صفقة مع باراماونت وسوني بكتشرز.وبسرعة ظهرت مصاعب جديدة. واجهت سبيلبرغ المشكلة المستحيلة الحل في ايجاد ممثلين يشبهون الأبطال الايقونيين التي رسمهم هيرجيه. ولذلك فقد اضطر للجوء الى الرسوم المتحركة.رغم انه أنتج افلام رسوم متحركة من قبل، فان مخرج ‘الفك المفترس’ و’حديقة الديناصورات’ لم يخرج فيلم رسوم متحركة من قبل. ‘لم اكن اعتقد انني اعرف كيف اخرجها. اعتقدت انني بحاجة لأكون فنانا تصويريا لأتمكن من اخراج فيلم رسوم متحركة. لكنني لست فنانا. ولو رأيت قصصي المصورة فسأشعر بالخجل’. يقول ضاحكا. بعد انذهاله بالفيلم الحائز على الاوسكار عام 2004 ‘سيد الخواتم’، طلب سبيلبرغ مساعدة مخرجه بيتر جاكسون، الذي سارع الى الموافقة على انتاج الفيلم.عام 2009، سبيلبرغ وممثلوه بدأوا بالعمل على الحلبة الصوتية المعروفة بالتقاط ‘صوت’ الأداء التي استخدمها جيمس كاميرون في فيلمه افاتار.على عكس الافلام الثنائية الابعاد، حيث يقوم رسامو الصور المتحركة باستخدام اداء الممثلين كدليل لاختراع الشخصيات، فانه في اسلوب التقاط الاداء، يقوم الكومبيوتر بمسح انسب الحركات، مثل غمزة العين او انقباضها، التي يقوم بها الممثل ثم يتم عكسها على الشخصية.’كنت في منطقة مريحة نسبيا مع هذا الوسيط الذي كان يمكنني استخدامه في ايام الرسوم المتحركة ذات البعدين القديمة. اعطاني هذا فرصة لأخذ كل ما اعرفه عن صناعة السينما ومزجه بنوع جديد من الرسوم المتحركة الرقمية’.لم تسمح هذه التكنولوجيا للمخرج الفائز بجائزة الاوسكار ثلاث مرات بالاستمرار بالعمل مع الممثلين كما لو كان يخرج فيلم اكشن، بل انها ايضا أعطته امكانية لتحسين اداء الممثلين رقميا بعد انتهاء عملية الانتاج.’ما فعلته دائما مع الممثلين هو ان اجعلهم متعاونين. احولهم الى شركاء لي. لا أقول لهم ماذا يفعلون. انا اسألهم اسئلة. كيف تحس بالنسبة لهذا الموضوع؟ اين تريد ان تذهب من هنا؟ ما الذي حضرته مساء أمس؟ ما الذي كنت تفكر فيه؟’الاخراج يعني هو ان أوجهك لتتصرف بشكل صحيح لكن هذا ليس معنى الاخراج حقا. الاخراج هو اقامة اتفاق بين المخرج والممثل للتعاون حيث تجلس معه وتقرر فورا كيف تصنع احساسا من فكرة ما، وليس بأن تقول لشخص ما يفعله’ يقول مؤكدا.لقد استغرقت سبيلبرغ 3 اعوام من التحضير مع جيش من رسامي الرسوم المتحركة، 300 رسام وفنان وكاتبين، تبع ذلك 3 سنين من التصوير لتمكين تان تان من الحياة.’ رغم ذلك، فان هذه كانت اكثر تجربة مسلية منذ فيلم آي. تي ولا استطيع ان اشرح هذا الأمر،’ يقول مبتسما.مثل اغلب افلام سبيلبرغ، تان تان مليء بمناظر أخاذة ومشاهد حركة مثيرة، واضعا المشاهد كعادته على طرف كرسيه طوال الفيلم. سيد الاثارة يشير الى انه في بعض الاحيان يتخيل صورة الجمهور وهو يصنع الفيلم.’عندما اصنع دراما تاريخية، لا أفكر بالمشاهدين لأنني لا أتوقع حتى ان يحضر مشاهدون للفيلم..’ يقول ضاحكا. ‘انه شعور محرر بهذا المعنى حيث يمكنني ببساطة ان اروي القصة بدقة دون ان انشغل بأنني اصنع أمرا دراماتيكيا بشكل زائد، لأنني سوف اجعل المشاهدين يقفزون عن كراسيهم. لكن عندما اصنع فيلما مثل تان تان، فانا المشاهد وانا صانع الفيلم لنفسي والجالس مع الجمهور’.خلال حديثنا، باح لي سبيلبرغ ان لديه مشوارا في السابعة من صباح الغد في ريتشموند بفرجينيا، رغم ضغط اشغاله ودعوات مدير علاقاته العامة له ليتحرك، فانه يستمر بالحديث. امر رائع، ان المخرج ذو ال65 عاما ما زال مفعما بالحماسة الطفولية التي تميز افلامه.’سمعت عن اشخاص يكتبون عن حقيقة انني ما أزال احتفظ بالطفل في داخلي حيا. اعتقد ان هذا صحيح، لكنني لا استطيع الا ان اكون ما انا عليه عندما اخرجت فيلم ‘سوغرلاند اكسبرس’ (فيلمه الأول). اعتقد انني طبعة محسنة من ذلك الشخص الآن ولو انني مشوه قليلا’.