ستيفن سبيلبيرغ: انا طفل يحمل كاميرا

حجم الخط
0

ما زال ممتلئا بالحماس رغم بلوغه الخامسة والستينباريس من حسام عاصي: كانت تلك رحلة طويلة للقاء ستيفن سبيلبرغ، وكانت تلك المرة الأولى التي أسافر فيها جواً من لوس آنجلس إلى باريس. ركبت في صباح اليوم التالي لوصولي إلى باريس قطاراً متوجهاً إلى بروكسل حيث تم تقديمي لبطل الفلم الخيالي الجديد ‘تان تان’ وفي المساء ذاته عدت إلى باريس لحضور العرض الأول للفلم – حيث شهدت في نهايته كيف وقف الجمهور الفرنسي المأخوذ بالفلم على أقدامه وصفق للمخرج الذي يعتبر واحداً من ايقونات الإخراج السينمائي لما يزيد على عشر دقائق. أما هو فكان قد سافر بالحوامة من بروكسل لحضور العرض الأول للفلم.

إنه يومي الثالث في باريس وأنا مستعد للقاء مخرج الأفلام الأشهر والذي استقطع إجازة نهاية الأسبوع من فلم آخرهو’ لينكولن’ لكي يسوق لفلم مغامرات ‘تان تان’. بالاضافة لتصوير ‘لنكولن’ فإن صانع الافلام المعروف بوفرة انتاجه منشغل بانتاج الجزء الثاني من ‘تان تان’ واطلاق فلم ‘وورهورس’، وهو يدير أيضاً استوديو الافلام ‘دريم ووركز’ الذي أنتج هذا العام أفلاما حققت ايرادات عالية في شباك التذاكر ك ‘هيلب – ريال ستريت – ترانسفورمرز – آند سوبر 8’يلاحظ المرء أن سبيلبرغ يصافح الناس ويربت على أكتافهم عندما يمشي في الغرفة وكأن لا شيء يشغل تفكيره. إنه متواضع للغاية وغير مدع بحيث لا يشعر المرء بأنه برفقة أكثر المخرجين نجاحاً على قيد الحياة وقد حققت أفلامه أرقاماً قياسية في شبابيك التذاكر ونالت ما لا يحصى من الجوائز بما فيها عدد من جوائز الأوسكار. وقد حصدت أفلام سبيلبرغ لغاية اليوم ما يزيد على ثمانية ونصف بليون دولار.

بالرغم من كونه محظوظاً جداً فإن أستاذ صنعة السينما متفاجئ بنجاحه. يقول ضاحكاً ‘لو أخبرتني قبل 40 عاماً بأنني سأنجب سبعة أبناء وسأكون صاحب مهنة، كنت لأعتبرها نوعاً من المزاح بالطبع’، ثم يكمل ‘لو علمت ما كان ينتظرني حينها لما نهضت عن السرير. كانت معرفتي تلك لتثبط همتي لحد كبير، إنه حجم عمل كبير حيث أنني لا أستطيع القيام إلا بعمل واحد فقط في الآن نفسه وقد أمضيت عمري لا أقوم بأكثر من عمل واحد في وقت واحد مع أنك يمكن أن تظن أنني أقوم بعمل ثلاثة أعمال في الوقت نفسه. كنت لأشعر برعب وقلق كبيرين لو أنني عرفت ما ينتظرني حينها’. من ناحية أخرى وبالرغم من تفانيه الشديد في عمله، يصر سبيلبرغ بأن أطفاله يأتون في مقدمه اهتماماته تليهم الأفلام.’أستيقظ في السادسة صباحاً كل يوم وأحضر طعام الإفطار للأولاد وتساعدني زوجتي في ذلك وأقل الأولاد للمدرسة، ومن المدرسة الواقعة في ‘كلفر سيتي’ علي أن أقود سيارتي لمدة ساعة للوصول إلى مكتبي في ‘يونيفرسال لوت’ يقول مبتسماً.’الأولاد أولوية متقدمة على أي شيء. عندما أتلقى اتصالاً من واحد منهم وأنا في موقع التصوير فإني أوقف كل شيء وأجيب على المكالمة. يجري الأمر على هذا النحو دائماً ولا أعرف طريقة أخرى لأعيش حياتي غير هذه الطريقة’. لعب الأولاد دوراً فعالاً في جعله مهتما ب’تان تان’ حيث سمع سبيلبرغ ب’تان تان’ أول مرة في العام 1981 عندما قارن ناقد فرنسي بين الأشرار في ‘ذا لوست آرك’ مع الكتب الكوميدية المصورة للفنان البلجيكي ‘هيرغي’ والتي تدورحول صحفي شجاع.’لم يكن لدي أولاد في العام 1981 عندما قرأت ‘كريستال بولز’. كانت تلك قصة ‘تان تان’ الأولى التي أقرؤها. بعدها أنجبت أول طفل لي في العام 1985 وعندما كبروا بدأوا قراءة تلك القصص وبالتالي بقيت حية وحاضرة في حياتي. ولهذا تعلقت بها’. علقت صورة ذلك المراسل الصبياني ذي العيون الواسعة والمغامرات التي لا تنتهي بأذهان الملايين حول العالم، لكنه لم يكن معروفاً في أمريكا بشكل واسع إلا أن أفلام سبيلبرغ ‘مغامرات تان تان’ والتي اعتمدت على القصة السابعة ‘ذا سيكريت أوف ذا يونيكورم’ غيرت ذلك الواقع إلى حد ما.

في هذه المغامرة المتلفزة الأولى يشرع تان تان ‘جيم بيل’ برفقة كلبه ‘سنوي’ بمهمة محفوفة بالمخاطر لكشف سر نموذج مصغر لسفينة قام بشرائه من أحد الأسواق. تأخذه رحلته تلك إلى البحر وما ورائه حيث يلتقي القبطان ‘هدوك’ (آندي سيركس) الذي يقوم بمساعدته للتغلب على خصمه الخسيس ‘شاخارين ‘ (دانييل كريغ) وللعثور على ثروة هائلة مخبأة في حطام سفينة تدعى ‘يونيكورن’. في العام 1983 اتصل ‘هيرغي’ مع ‘سبيلبرغ’ بعد أن شاهد ‘رايدرز أوف ذا لوست آرك’ وطلب منه أن يحول قصص ‘تان تان’ إلى أفلام. وافق ‘سبيلبرغ’ على السفر إلى بروكسل للقاء ‘هيرغي’ شاعراً بالاطراء نتيجة العرض ولكن للأسف كان الأخير قد غادر بروكسل حينما وصلها ‘سبيلبرغ’. حصل ذلك بينما كان ‘سبيلبرغ’ يصور ‘أنديانا جونز وذا تيمبل أوف دووم’ في انكلترا.’تربطني صلة ما بتان تان وبالقصة نفسها، فقد أمضيت حياتي كاملة مثله أفتش حولي عن قصة جيدة. بهذا المعنى أعتقد أن كلينا يمتلك الشغف ذاته. لدي كاميرا ولديه قلم’ يقول ضاحكاً.

لذلك لم يقلل شغف ‘هيرجيي’ من شغف ‘سبيلبرغ’ لعرض ‘تان تان’ بحلة جديدة على الشاشة الكبيرة.’كنت أحاول الحصول على الاستديوهات لأمول ثلاثة أفلام بشكل متتابع لكنهم لم يكونوا ليقوموا بذلك’. إنما تمكن في نهاية المطاف رائد الانتاج الحديث الضخم في هوليود من إبرام اتفاق مع ‘بارامونت آند سوني بيكتشرز’. لكن سرعان ما ظهرت التحديات، حيث مثلت أمام ‘سبيلبرغ’ استحالة إيجاد ممثلين يشبهون الشخصيات الكرتونية التي رسمها ‘هيرغيي’. ولذلك كان عليه اللجوء لتقنية ال ‘سي جي آي’ للرسوم المتحركة.

وبالرغم من أنه أنتج أفلام رسوم متحركة في ما مضى فإن مخرج أفلام ‘جاوز و جوراسيك بارك’ لم يخرج فلم رسوم متحركة من قبل.’ لم أكن أظن أنني أعلم كيف يتم ذلك. اعتقدت أنني يجب أن أكون فناناً حركياً كي أكون قادراً على إخراج فلم رسوم متحركة. أنا لست فناناً. عليك أن ترى قصصي المصورة. إنها مثيرة للإحراج’ يقول ضاحكاً.

بعد أن ذهل سبيلبرغ بتقنية ‘الموشن كابتشر’ )تسجيل الحركة( في فلم ‘ذا لورد أوف ذا رينغز’ الفائز بأوسكار 2004، قام بطلب مساعدة مخرجه ‘بيتر جاكسون’ وأجاب الأخير هذا الطلب مسرعأ ووافق على إنتاج الفلم.

بدأ ‘سبيلبرغ’ والممثلون في العام 2009 بالعمل على المرحلة الصوتية والتي تعرف بتسجيل الأداء الصوتي كتلك التي استخدمها ‘جيمس كاميرون’ في فلمه ‘أفاتار’. وبشكل مغاير لتقنية ال 2D – حيث يستخدم مصممو الرسوم المتحركة أداء الممثلين لخلق الشخصيات -، تقوم أجهزة الكمبيوتر في تقنية تسجيل الأداء بمسح لمعظم الحركات الدقيقة كالرعشة أو طرفة العين التي يقوم بها الممثلون ثم يصار إلى نمذجة الشخصية.’أشعر براحة ومساحة حرية أكبر الآن باستخدام هذه التقنية قياساً للأيام التي كنت أستخدم فيها تقنية الصور المتحركة ذات الخلايا ثنائية البعد. لقد منحتني الفرصة لتوظيف كامل خبرتي في مجال صنع الأفلام وإضافة نوع جديد من الصور الرقمية المتحركة إليها’. لم تسمح هذه التقنية للمخرج الفائز بجائزة أوسكار ثلاث مرات بالعمل مع الممثلين وكأنه يقوم بصناعة فلم تقليدي حي فقط، بل أتاحت له أيضا أن يقوم بشكل رقمي بتعديل وتحسين أداء الممثلين فيما بعد الانتاج.’ما كنت معتاداً على القيام به دوماً مع أي ممثل هو أن أجعله مبادراً وأن أجعله شريكاً لي. لم أخبرهم ما يتوجب عليهم القيام به بل كنت أسألهم أسئلة من نوع: كيف تشعر حيال هذا الأمر؟ كيف تريد أداء ذلك؟ ما الذي قمت بتحضيره الليلة الفائتة؟ ما الذي كنت تفكر به؟’يشدد ‘سبيلبرغ’ القول بأن: ‘يفهم البعض معنى الإخراج بأن أوجهك للدوران يميناً أو يساراً ولكن هذا ليس هو الإخراج. الإخراج هو اتفاق مخرج مع ممثل للتعاون، حيث تقوم بالجلوس معه وتبحثان معاً كيفية إظهار فكرة ما أو شعور معين. لا تقوم بالاخراج عبر إخبار شخص ما ما الذي عليه القيام به’لقد استغرق الأمر سبيلبرغ ثلاث سنوات من العمل مع جيش مكون من ستين منمذجا للصور المتحركة، ثلاثمائة مصمم وممثل وكاتبين، وتبع ذلك ثلاث سنوات أخرى من التصوير لاخراج فلم ‘تان تان’ الى حيز الوجود.’ مع ذلك كان ذلك العمل أكثر ما استمتعت به بعد ‘إي تي’ ولا أستطيع تفسير ذلك’ يقول مبتسماً.

ومثل معظم أفلام سبيلبرغ، فإن فلم ‘تان تان’ يحتوي على صور رائعة ومشاهد تشويق، بحيث أنه يشد انتباه المشاهدين حتى اللحظة الأخيرة من الفلم. يقر خبير التشويق والإثارة بأن صورة المشاهدين تكون حاضرة في ذهنه أثناء تصوره للفلم وصناعته له.’عندما أقوم بصناعة دراما تاريخية، لا أفكر في الجمهور لأنني لا أتوقع من مشاهد واحد حضور الفلم’. يقول ضاحكاً. ‘تتوافر لي مساحة كافية من الحرية في هذا السياق، حيث يكون بإمكاني أن أعرض القصة بدقة بشكل محض دون داع للقلق بشأن القيام بمبالغات درامية تجعل المشاهدين يقفزون عن مقاعدهم لشدة الإثارة والتشويق. لكن عندما أقوم بصناعة فلم كتان تان فإنني أعتبر نفسي من الجمهور وأنني جالس في مقاعدهم’. خلال محادثتنا كشف سبيلبرغ أن لديه دعوة في السابعة صباحاً في ريتشموند فرجينيا في صباح اليوم التالي، وقد أصر على متابعة الحديث بالرغم من ضغط العمل ومن صراخ وكلائه الاعلاميين الذي لا يتوقف بضرورة التحرك. ومن الملاحظ أن سبيلبرغ البالغ من العمر خمساً وستين عاماً ما يزال ممتلئاً حماساً يشبه حماس الأطفال الذي غالباً ما صبغ أفلامه.’سمعت أناساً قد كتبوا عن حقيقة أن طفلاً ما يزال يعيش داخلي. أظن أن ذلك صحيح نوعاً ما، لكنني أستطيع فقط أن أكون ذلك الشخص الذي قام بصناعة ‘شوغر اكسبرس’ )فلمه الأول(. أعتقد أنني اليوم شخص أكثر حكمة منه وذو حضور أكبر وظاهر للعيان بشكل أكبر قليلاً فقط’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية