كتاب الطائرة الشبح يكتسب اهمية كبري في ضوء الهجوم الذي شنه مدير الاستخبارات الامريكي السابق ضد ادارة بوش
لندن ـ “القدس العربي” ـ من سمير ناصيف: يتساءل الخبراء في الشؤون الامريكية السياسية عن مسؤولية وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (CIA) امام المحاكم الدولية في مرحلة فضح فيها مدير الوكالة السابق جورج تينيت الادارة الامريكية بالنسبة لقرارها شن الحرب علي العراق من دون دراسة وافية لانعكاسات هذا التوجه، ومن دون الاستماع الكافي الي آراء الاختصاصيين في الشأن الاستخباراتي، وبعد ذلك تحميلهم المسؤولية عن الفشل وتحويلهم الي اكباش محرقة.
وهذا الامر مفيد طبعا للديمقراطية من اجل انكشاف الحقيقة عن نظام بوش الابن، ولكن يجب ألا يغطي علي حقيقة اخري، وهي ان مسؤولي وكالة الاستخبارات الامريكية قاموا باعمال خلال ما سمي الحرب علي الارهاب في السنوات الماضية لا تبرئ ساحاتهم حتي بحجة ان نظام بوش الابن وقادته كانوا اسوأ منهم.
ويُظهر كتاب الطائرة الشبح (Ghost Plane) لكاتبه ستيفن غراي، الصادر عن دار هيرست في لندن بعض هذه الحقائق التي قد تدعم دعوة النائب البارز في الكونغرس الامريكي جون ميرثا (احد قادة الحزب الديمقراطي) الي اقالة الرئيس بوش الابن بتهمة التقصير والتشكيك بالجدارة (Impeachment) وهي دعوة صدرت اخيرا. وقد استند غراي في بحثه المعمق الذي ادي الي تكوين عناصر الكتاب علي مقابلات مع مسؤولين دبلوماسيين سابقين وموظفين بارزين في وكالة الاستخبارات الامريكية وعلي مقابلات مطولة مع اشخاص اختطفوا من بلدان اوروبية وافريقية واسيوية ونقلوا الي سجون متعددة في العالم الثالث، حيث مورس ضدهم التعذيب الوحشي للحصول علي المعلومات الاستخباراتية. وقام بهذه المهمات مسؤولون في الوكالة نفذوا عملياتهم في ظل التواطؤ من جانب القيادات الامنية والسياسية في عدد من هذه البلدان، التي تدعي الايمان بالديمقراطية والانتماء الي العالم المتمدن.
ويروي غراي في الكتاب قصة الكندي السوري الاصل ماهر عرار الذي اختطف عام 2002 اثناء انتقاله من كندا الي امريكا ونقل الي سجن في سورية حيث خضع للتعذيب قبل الافراج عنه بعد ثبوت براءته، وبنيام محمد وهو طالب اثيوبي في لندن، واحمد عجيزة ومحمد الزري وهما طالبا لجوء في السويد، واسامة نصر، المعروف بأبي عمر وهو مصري اختطف من ميلانو (ايطاليا) واحمد المعاطي وهو سائق شاحنة كندي وعبد الله المالكي وهو رجل اعمال كندي وغيرهم.
ويصف غراي بالتفصيل قصة كل منهم والجهات التي تواطأت مع الوكالة الامريكية بدرامية وتسلسل قصصي يشبه افلام الاثارة الامريكية، مؤكدا ان كبار المتعاونين مع الـ سي آي ايه كانوا مسؤولي الاستخبارات في هذه البلدان، ويذكرهم الكاتب بالاسم، كما يذكر اسماء الاشخاص الجلادين الذين مارسوا التعذيب في السجون التي نقلوا اليها. ويوجه انتقادات لاذعة الي زعماء عرب كانوا يزورون اوروبا وامريكا ويدعون انهم يمارسون سياسة الانفتاح في وقت كانت عمليات التعذيب تجري في سجون بلدانهم. كما يوجه اصابع الاتهام الي شخصيات بريطانية بارزة من مستشاري جورج بوش الابن وتوني بلير كانت تساهم في تحويل الانظار عما يجري بالفعل بحيث يجري التعتيم علي الحقائق.
ويقول في احد المقاطع: المشكلة مع ماهر عرار انه لم يملك معلومات مفيدة لكي يتم تمريرها عبر سورية الي امريكا ولذلك استمر اعتقاله في (فرع فلسطين) في السجون السورية.
ومن الشخصيات الامريكية البارزة التي زودت غراي بمعلوماته المدير السابق لوكالة الاستخبارات الامريكية بورتر غوس الذي كان نائبا في الكونغرس قبل تعيينه في منصبه بعد استقالة جورج تينيت.
ويؤكد غراي بان الآلاف من الاشخاص خضعوا لعمليات تسليم من بلد الي اخر ليتم استجوابهم ثم استعادتهم الي سجون الدول التي تشن الحرب علي الارهاب، والسبب هو ان سجون العالم الثالث بامكانها ممارسة وسائل اكثر عنفا لاستخراج المعلومات.
ويبدو مما نقرأه في الصحف هذه الايام ان هذه العمليات مستمرة. ففي الايام الاخيرة سمعنا عن اعتقال مسؤول كبير في منظمة القاعدة يقال انه قبض عليه في اواخر العام الماضي فيما انتشر الخبر بعد اشهر علي عمليات استجوابه في اماكن مختلفة قبل نقله الي سجن غوانتانامو قرب كوبا.
ويؤكد غراي وجود فروع خاصة في السجون المصرية والمغربية وغيرها شبيهة لفرع فلسطين في السجون السورية، حيث تتم الاستجوابات العنيفة التي يتم خلالها تخطي الشرائع الدولية. ويذكر في هذا المجال سجن العقرب في مصر وسجون مشابهة في المغرب. ويصف الكاتب بالتفصيل كيف كانت عمليات النقل الي هذه السجون تنطلق من بلدان اوروبية بواسطة طائرات غالف ستريم وهي طائرات من نوع جيت مدنية تبدو وكأنها تنقل رجال اعمال، وكيف كانت هذه العمليات تتم في بعض الاحيان امام اعين الناس وتبدو وكأنها عمليات طبيعية.
ونجح غراي في الحصول علي لوائح بتنقل هذه الطائرات بعدما حصل علي رقم احداها ومكان انطلاقها الاساسي. وبالتالي تبينت له الخريطة الجغرافية لهذه الانتقالات التي كانت تفرض قسرا وتشكل اختطافا خطيرا فيما تبدو وكأنها رحلات عادية لرجال الاعمال.
وبالطبع السؤال الذي يطرح هنا هو: من يجب ان يحاسب علي هذه العمليات المخالفة للشرائع الدولية؟ جورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات السابق، قال في تصريحاته الاسبوع الماضي الشاجبة لادارة بوش الابن انه يعتبر هذه المبادرات ناجحة لكونها ساهمت في انقاذ حياة عدد كبير من الابرياء في العالم مع انها نفذت بطريقة سرية غريبة من نوعها.
ولكن اهم ما سأله غراي هو التالي: اما كان المسؤولون في وكالة الاستخبارات يدركون بان هؤلاء المعتقلين الذين يرسلونهم الي سجون العالم الثالث سيخضعون لتعذيب مخالف للشرائع الدولية؟ وجوابه هو: نعم. وهل كان البيت الابيض يعلم بهذه العمليات؟ وهنا الجواب برأيه، نعم. وهل تواطأ معهما قادة الاستخبارات في البلدان التي ارسلوا اليها؟ وهنا ايضا الجواب نعم.. اذن فجميع هؤلاء المسؤولين معرضين للمثول امام المحاكم الدولية في المستقبل.