سجن المخيم وأحلامنا في دولة الحياة

حجم الخط
0

أيمن خالد أفهم تماماً أن الجريح وحده من يستشعر الألم، وأن المتفرج عليه يستطيع أن يطلب منه كثيراً، لكنه لا يزيده نبض ساعة، تماماً أعرف أن الوطــــــن يعني لكل خلق الله، من حجر وشجر وبشر، أنه المكان الذي يلوذ به في السراء والضراء، فيحمله، ويحن عليه، أي الوطن، الذي لا أزال أجهله تماماً، ولا أعرف لماذا في بلاد العرب أوطاني تصبح للوطن معان أُخرى، فهو المكان الذي تتعذب فيه، وتعاني، وتذوق مر العيش.

وهو المكان الذي تفقد فيه كل حق لك، وكل ما تحلم به، فمن فوقك الزعيم الذي لا يريد الموت، ومن حولك أجهزة المخابرات، والعسس والفاسدون المفسدون، وتمضي بك الأيام طوعاً أو كرهاً، تخاف من سرك، ومن الكلمة التي يمكن أن تفتك بك إذا همست بها، فلك أن تكون وطنياً، كما شاءوا، ولك أن تكون كيف شاءوا، حتى أن الله، الذي تريد أن تسر إليه، لا تملك أن تهمس اسمه بجانب اسم الزعيم، وذريته من بعده، إلا أن يكون استخدامك لكلمة الله بقصد تعظيم الزعيم جل شأنه.

تائه أنت تبحث عن القبيلة التي فتكوا بها، وربما عن أسرتك، وربما أحد أبنائك استطاعوا أن يجعلوه عدواً لك يراقبك في السراء والضراء، لأن مدارسهم المليئة بحب الوطن والوطنية، استطاعت أن تسلب منك قدرتك على تربية ولدك، فكل مفاتيح الكون معهم، من لقمة العيش التي أنت أسيرها، إلى الركوب في الحافلة، والشارع والطريق والمدرسة، وبقية تفاصيل الحياة التي بت عليها ضيفاً ثقيلا.

ما أسوأ الوطن الذي أنا فيه، وحتى أكون وطنياً، علي أن أكون عبداً، وإذا أردت الخروج من هذه العبودية، وأردت أن أكون حراً، أصبحت خائناً، أستجلب الاستعمار إلى بلادي، هذه الكلمة الاستعمار- التي ضحكوا بها علينا كثيراً، وعشنا نكره الاستعمار، ولكن أصحابنا الذين ذهبوا إلى ‘الاستعمار’ وسكنوا هناك، يبكيني سماع أخبارهم، فأولادهم يدرسون، وهم يأكلون الطعام، ويمشون في الطرقات، ويستظلون الفيء الطيب، وما قيل لهم أن يتركوا ما وراءهم نسياً منسيا، فإذا أرادوا أن يفعلوا لوطنهم شيئاً، كان أسهل عليهم من أن نفعل نحن، لأن العرب جعلوا من بلادهم حرساً علينا، وأمناء على قضيتنا، فإن أردنا الوطن، فنحن علينا أن نكون أكثر ولاءً للزعيم من شعبه، والذين أيضاً يستعبدهم باسمنا، ويفرض علينا وعليهم معادلة الناصر الأوحد، والمجاهد الأوحد، والممانع الأوحد، وبقية تفاصيل الإمبراطورية في جسم ما قبل التاريخ.

عندما كنا صغاراً، كانوا يقولون لنا إن ‘الاستعمار’ يقتل ويسلب ويعتدي على الأعراض، ويبيح ويفتك، ولما ذهب بعض أهلينا إلى الاستعمار، وتوالت السنون، وما نزال نأنس برائحة الشمس التي تتسرب عبر الهاتف، ونطمئن عليهم، وبمقابل ذلك ننظر من نافذة البيت إلى الوطن، ونخاف من كل هذا الذي كان يخيفنا منه الاستعمار، ففي الوطن ليس هناك وطن، ولا حتى يستقر الطائر على غصن، ويؤمن أن لا يؤكل بنيه أمام ناظره، وعليه أيضا أن لا يغرد، بل أن يهتف بما يقوله الزعيم وحزب الزعيم وجيش الزعيم، بالطبع الزعيم الذي لا يريد أن يموت.

كفلسطيني، تشدني قصة الدولة، والإعلان عنها هذا الشهر، ولعلي قبل الدولة، أفهم أن العرب منحوا جدي خيمة، وبعد عمر طويل من النكبة، استبدل العرب وطننا بالمخيم، الذي صنعوا منه وطناً لنا.

فعليك أن تحمل وثيقة لاجئ، وعندما تمر على حدود بلاد العرب أوطاني، تمر ولا تمر، وإذا وقفت في الطابور مهما طال فأنت بخير، لكن اغلب بلاد العرب أوطاني، لا تملك حتى حق الوقوف على الحدود، عليك أن ترجع إلى المخيم، وعندما تعود إليه، عليك أن تبقى فيه بهمومك ومعاناتك، فالمخيم الذي هو في عرف قوانين البشرية- المكان الذي يتم إيواء المحتاج فيه- هو بالنسبة لفلسطيني الشتات، الوطن، والسجن معاً، فالعرب سجنونا في المخيمات، ومنحونا وثقة سفر، تشهد بأننا سجناء فيها.

الفلسطيني الذي يذهب إلى ‘الاستعمار’ هذا القاتل والمجرم والمعتدي، يمنحه الاستعمار جوازاً للسفر، ويعطيه حق التجوال في بلاد الله، ويمنحه الحرية التي يمنحها لأهله، بنسب معينة، والفلسطيني الذي عند بلاد العرب أوطاني، مفوض أمره إلى الزعيم وأهله، فإن شاء رماهم في الصحراء، وإن شاء قتلهم، أو استعبدهم، أو مزقهم يفتك بعضهم رقاب بعض، والفلسطينيون لا يخافون كثيراً من إسرائيل، لأن هذه لن تأتي لتزيد البؤس عليهم في المخيمات، لكن إسرائيل هذه، عندها مليون ونصف فلسطيني، تمارس بحقهم شتى صنوف التمييز، لكن إسرائيل هذه، وحتى بعد قرن من الزمن، فإنها لن تتمكن رغم كل أدواتها في القمع، من ممارسة القهر على فلسطينيي الداخل بحجم الظلم والقهر والتمييز الذي يمارسه العرب علينا.

فالأنظمة العربية بإذلالها للفلسطينيين، نجحت بأن تجعل هم الفلسطيني الأول، هو الحصول على جواز للسفر،.. فقط، من أجل التمييز المفروض عليهم، هذا التمييز الذي بدلاً من أن يكون تكريما لهم كلاجئين من وطن عظيم، أصبح اليوم مجرد علامة للإذلال.

تعبنا من كلمة وطن،.. كرهنا كلمة وطن.. شبعنا من تنظير الشعراء والأدباء والسياسيين عن الوطن، كرهنا المخيم وحدود المخيم، وكرهنا كل تفاصيل الزمن الذي علينا أن نمنح فيه للزعماء شهادة براءة أمام شعوبهم بأنهم كل ما يفعلونه من أجل فلسطين وهم لا يفعلون ولا يفعلون.

أصبحنا في بلاد العرب أوطاني، فقط نريد جواز سفر، يسهل علينا الخروج من سجن المخيم إلى دولة الحياة، وإذا كانت الدولة التي يجري الحديث عنها ستمنحنا جوازا للسفر ‘فقط’ فنحن مع الدولة، لأننا المنفيون من الوطن، والسجناء في بلاد العرب.

وأما أخر الأسئلة، فكم عدد العرب الذين يفكرون بالهجرة إلى ‘الاستعمار’ والعمل والسكنى هناك، وكم عدد العرب الذين يتمنون لو أنهم ولدوا هناك، وكم عدد العرب الذين يكفرون بالساعة التي قاتل فيها الثوار ضد الاستعمار، وأخرجوه من بلادهم،.. ثم ذهبوا يعيشون هناك، لأن الاستعمار ظل أرحم من زعمائهم،.. هو سجن المخيم، وأحلامنا في دولة الحياة.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية