سجون مصر: وفيات بسبب الإهمال الطبي… وإضرابات احتجاجا على سوء المعاملة

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس «العربي»: رغم إعلان السلطات المصرية إطلاق استراتيجية لحقوق الإنسان قبل ما يقرب من عامين، إلا أن الأوضاع التي ترصدها منظمات حقوقية داخل السجون تبدو شديدة البؤس، وفيما يحصد الإهمال الصحي المتعمد حياة عدد من السجناء، تتواصل احتجاجات المعتقلين على سوء المعاملة ومنع الزيارات.
وشهد سجن أبو زعبل وفاة المعتقل إبراهيم السيد عبد المطلب الشيخ، البالغ من العمر 56 عاما، حسب «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» موضحة في بيان أن المعلومات الأولية تشير إلى أن الشيخ «كان يعيش في مدينة بسيون في محافظة الغربية، وكان يعمل طبيب تخدير قبل أن يجري اعتقاله بسبب قضية سياسية تعود الى ثلاث سنوات مضت».
وطبقاً لها، فإن الشيخ لديه ثلاثة أبناء، وسبق وأن اعتقل خمس مرات متتالية منذ عام 2013، وآخر تلك المرات كانت في سبتمبر/أيلول 2020، حتى تاريخ وفاته.
وبذلك يعد الشيخ ثالث حالة وفاة في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة في سبتمبر/أيلول. كما أن بوفاته يرتفع عدد حالات الوفاة في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة منذ مطلع العام إلى 27 حالة وفاة، نتيجة الإهمال الطبي، وسوء أوضاع الاحتجاز، والتعذيب أو الوفاة الطبيعية في ظروف حبس مزرية.
والسبت الماضي، أعلنت منظمات حقوقية وفاة المهندس جمعة هشهش داخل سجن طوخ، بعد اعتقاله لمدة قصيرة.
وحسب مركز «الشهاب لحقوق الإنسان» فإن هشهش «كان مهندساً زراعياً على المعاش، عمره 63 سنة، وتوفي بعد القبض عليه بأيام قليلة وقبل التحقيق معه أو عرضه على النيابة، ما يرجح تعرضه للتعذيب بعد القبض عليه».
وطالب النيابة العامة بفتح تحقيق في الواقعة مع مسبّب الوفاة، وبوقف الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء داخل مقارّ الاحتجاز.
وتتهم منظمات حقوقية إدارات السجون بممارسة الإهمال الطبي المتعمد بحق المعتقلين.
في الموازاة، تواصلت الاحتجاجات في السجون على سياسات منع الزيارات والتضييق على المعتقلين.
وأعلن 30 معتقلا سياسيا الإضراب عن الطعام في مركز تأهيل وادي النطرون 2، حسب رسالة مسربة من السجن نشرتها «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان».
وقال المعتقلون في رسالتهم، إنهم رفضوا استلام «التعيين الميري» منذ السبت 9 سبتمبر/ أيلول الجاري.

إضراب معتقلين

وبينوا أن قرار الإضراب عن الطعام يأتي تعبيرا عن رفضهم لقرار إدارة السجن بمنعهم من الزيارات، والذي جاء بأوامر من ضابط الأمن الوطني المسؤول عن السجن، لتستمر معاناتهم لسنوات، حيث حرمت هذه المجموعة وغيرها من الزيارات لسنوات عديدة أثناء حبسهم في سجن العقرب شديد الحراسة 1.
وحسب الرسالة، فقد تم ترحيلهم إلى سجن وادي النطرون الجديد تأهيل 2، لتستمر سياسة المنع من الزيارات وحرمان أسرهم منهم، وسط السماح لعدد منهم بإدخال بعض الأغراض البسيطة جدا فيما تعرف بـ (زيارة الطبلية).
وأكد المعتقلون المضربون عن الطعام تمسكهم بحقهم في الزيارات أسوة بالمعتقلين في مركز تأهيل بدر 3 وبدر 1، المسموح لهم بالزيارة رغم كونهم محبوسين على ذمة القضايا نفسها.
يذكر أن إدارة السجن قد سمحت للسجناء مؤخرا بالتريض انفراديا لمدة 10 دقائق، وذلك بعد شكواهم واعتراضهم بسبب عدم تعرضهم للشمس والتهوية، وقلة أدوات النظافة، ومنعهم من إدخال الكثير من الأدوات اللازمة والضرورية، وهو ما أدى إلى إصابة العديد منهم بعدد من الأمراض الجلدية المعدية، والتي تنتشر بين المعتقلين بشكل سريع، وخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في غرف الحبس.
يذكر أن اللائحة الداخلية للسجون قد أعطت الحق للمحكوم عليهم بزيارة شهرية لمدة ساعة، فضلا عن الحق في الاتصال التليفوني بمقابل مادي، وإرسال خطابين شهريا.
في السياق، طالب عدد من المنظمات الحقوقية بتنظيم زيارات أممية وحقوقية إلى مجمع سجون بدر، للوقوف على حقيقة الانتهاكات التي تشهدها السجون، خاصة بعد التسريبات الأخيرة التي نفتها وزارة الداخلية.

واقع ينافي ادعاءات السلطة عن التحسن في ملف حقوق الإنسان

وكان الناشط المعارض علي حسين المهدي، نشر مقاطع فيديو عبر قناته عبر «يوتيوب» قال فيها إنه يوثق أوضاع تحركات قيادات من جماعة «الإخوان» داخل الزنازين الانفرادية في مجمع سجون بدر، على رأسهم القيادي محمود عزت، الذي كان قائما بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان، والداعية المعتقل صلاح سلطان، وشخص آخر، على حد تعبيره.
وقالت المنظمات المنضوية في تحالف يحمل اسم «المادة 55» إن «السجون في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي أصبحت مقابر لكل من يعارضه القول، فما بين أوضاع احتجاز مزرية وتعمد الإهمال الطبي، يعيش المحتجز سياسياً لينتظر الموت في كل لحظة، في اعتداء سافر على الحقوق والقواعد التي اعتمدتها المنظمات الأممية للمحرومين من الحرية».
ولفتت إلى «التسريبات التي ظهرت مؤخراً، وأظهرت واقع ما يحدث داخل أسوار مجمع سجون بدر، الذي تفتخر به السلطات المصرية باعتباره مثالاً على تغير استراتيجية المؤسسات العقابية في البلاد».
وزادت: «التسرييات أظهرت حجم الانتهاكات الواقع على المحتجزين لمعارضتهم نظام السيسي في مصر، ومدى المعاناة التي يعانيها هؤلاء وسط صمت دولي عن التفاعل مع معاناتهم».
وأوضحت: «بغض النظر عن مدى صحة هذه التسريبات من عدمها أو صحة أسماء الأشخاص الواردة فيها، حيث لم يتسن لنا التأكد من صحتها نتيجة لافتقار السلطات المصرية للشفافية، فإن الواقع المرصود وكم الحقائق الخارجة من داخل المؤسسات العقابية ومقار الاحتجاز في مصر، تؤكد حقيقة الانتهاكات التي ذكرتها تلك التسريبات».
وواصلت: «ازدياد أعداد الوفيات لمحتجزين داخل مقرات الاحتجاز، يؤكد الحديث عن الاهمال الطبي المتعمد وسوء أوضاع الاحتجاز التي بدت واضحة من خلال هذه التسريبات، رغم أن الدستور المصري في مادتيه الـ 55 و 56 تجرمان الحرمان من الرعاية الصحية للمساجين، وتضع مسؤولية على القضاء في التأكد من هذا الأمر، باعتبار أنّ كل السجون تخضع للإشراف القضائي من الناحية القانونية».

الحبس الانفرادي

وتابعت: «كذلك الحديث حول الحبس الانفرادي الذي قد يمتد لسنوات عدة بحق محتجزين سياسيين، يؤكد مخالفة السلطات في مصر للمادة 43 من لائحة السجون المصرية رقم 396 لسنة 1956، والمعدلة في 20 مارس(آذار) 2022، والتي تنص على أن الحبس الانفرادي لا يزيد عن ثلاثين يومًا، بينما مثلاً قضى الرئيس الراحل محمد مرسي 6 سنوات في الحبس الانفرادي قبل وفاته داخل محبسه»..
وواصلت: «يُحرم المحبوس انفرادياً من أي اتصال لفترات غير قصيرة، ما يلقي بظلاله على مؤثراته الحسية والسمعية والبصرية، من جراء عدم التواصل مع البشر أو لمس الأشياء، فضلاً عن معاناته من نقص الأوكسجين نتيجة لقلة فترات التريض أو انعدامها، وانتشار البكتيريا حيث يوجد، وتعرّضه للإغماء في كثير من الأوقات».
وتناول البيان مجمع «سجون بدر» الذي افتتحته السلطات بنهاية عام 2021، في منطقة بدر شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة، و«اشتهر عنه أنه سلخانة بشرية للمحتجزين سياسياً، وسط حديث عن حالات انتحار كثيرة بين صفوفهم بسبب ما يرتكب بحقهم من انتهاكات فجة، بداية من الأضواء الساطعة في الزنازين على مدار الـ 24 ساعة، وكاميرات المراقبة التي تنتهك الخصوصية، وحتى تقييد السجناء داخل الزنزانة دون طعام أو شراب لأيام».
وحسب البيان «أبلغ بعض السجناء عن تعرضهم للصعق بالصدمات الكهربائية عقابًا على مطالبتهم بتحسين هذه المعاملة أو تغيرها، كذلك تعرض أحد السجناء للتحرش الجنسي من قبل أفراد الأمن داخل السجن، والزيارات التي تتم بشكل انتقائي وتعسفي في الوقت ذاته، ورهن تنفيذها برغبة وتقدير مسؤولين أمنيين، وفي بعض الحالات يتم حرمان السجناء من الزيارات لسنوات».
كما تستمر سلطات السجون «في منع إدخال الأدوية والاحتياجات الشخصية المرسلة من الأهالي للمحتجزين، وعدم السماح بحضور السجناء لجلسات تجديد حبسهم إلا عبر الإنترنت، وحرمانهم حق التواصل مع محاميهم وذويهم» وفق البيان.
وأوضحت المنظمات أنه مع تلك «الحقائق المرصودة» فإن «أي نفي أو حديث عن عدم صحة تلك الوقائع من قبل وزارة الداخلية سيكون من باب البروباغندا المفضوحة التي تهوى السلطات المصرية تنفيذها لدفن انتهاكاتها ومحاولة إخفائها عن المجتمع الدولي، في محاولة لعدم تحمل المسؤولية وإفلات مرتكبي تلك الانتهاكات من العقاب، كما وعد الرئيس السيسي في أحد تسريباته المصورة قبل توليه منصب الرئاسة».
وطالبت المنظمات السلطات بـ «الشفافية في التعامل مع تلك التسريبات، فبدلاً من النفي عليها أن تسمح بزيارات أممية وحقوقية دولية لهؤلاء المحتجزين الذين ظهروا في التسريبات، للوقوف على مستوى حالتهم الصحية، والرعاية الصحية المقدمة لهم على اعتبار أنهم من كبار السن، وللتثبت من أوضاع الاحتجاز التي يعيشون فيها، ومدى توافقها مع المعايير والقواعد الدنيا في التعامل مع المحرومين من الحرية». كذلك دعت النيابة الـى «أخذ دورها والتعامل مع ملف الانتهاكات داخل مجمع سجون بدر بشكل أكثر جدية، وتنفيذ حملات تفتيش ومتابعة عليه باعتباره مقر احتجاز خاضعا لرقابتها مع الوضع في الحسبان أن المجمع مراقب بالكامل من الكاميرات التي يتم تخزين تسجيلاتها، مما يعني أن بإمكان النيابة التحقق بشكل فعال من كل الانتهاكات التي ترصدها المنظمات الحقوقية».
وفيما يتعلق بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي أصدرتها اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان في 13 ديسمبر/ كانون الأول 2022، قال مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» إنها «تثبت للعام الثاني غياب أي إرادة سياسية حقيقية لدى السلطات لتغيير نهجها في التعامل مع ملف الحقوق والحريات».

القبضة الأمنية

وفي ورقة بعنوان «الاستراتيجية الوطنية ـ عامان من إنكار أزمة حقوق الإنسان المستمرة» أوضح المركز أنه «رغم مرور عامين تتواصل الوفيات في السجون نتيجة الإهمال وسوء المعاملة، وتتصاعد ممارسات الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي وتدوير القضايا، وتباشر المحاكم الاستثنائية البت في قضايا مختلقة، تستند فقط لتحريات الأمن الوطني، وتنطوي على اعترافات منتزعة تحت التعذيب، تفتقر إجراءاتها لكل ضمانات المحاكمات العادلة، وتسفر عن أحكام مجحفة تصل للإعدام».
وزاد: «تبقى القبضة الأمنية محكمة على المجال العام بمختلف روافده، تدفع بمصر لذيل القائمة بين البلدان التي تتمتع بحرية الصحافة، وتواصل حجب المواقع، وتجبر المنظمات الحقوقية على الغلق أو تجميد النشاط، وتلقي بأعضاء أحزاب المعارضة في السجون، بل وتصادر حتى حقوق المواطنين في التعبير عن آرائهم على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تارة بقوانين تصادر حرية الإنترنت وأخرى بسجن صناع المحتوى الرقمي بتهم وهمية».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية