سحابة شتاء ثقيلة

حجم الخط
0

سحابة شتاء ثقيلة

حسين سليمانسحابة شتاء ثقيلةواقفة هناك عند الباب، نافذتها في الشقة الخلفية عليها ستائر يرميها الهواء خلف القضبان، ويخفق في صدرها قلب أخضر لونه من لون الطحالب التي تملأ النهر، النهر هو نهر العاصي الذي يمشي بالعكس، أي أنه يعود إلي منبعه في كل مرة يبحث فيه عن المصب. نهر كان يريد لبنان لكنه أخفق. وكان وقتها شتاء بارد تسقط فيه ندف الثلج ويحل بين فترة وأخري الصقيع. والعسكر يهربون من ثكنة خالد بن الوليد يقفزون فوق السلك الشائك! باب بيتها الذي تقف فيه بالعادة قريب، بالكاد ألمسه، أفتح عيني علي بهوه الذي يمتد.وهي المرأة، تشبه البهو، طويلة مجوفة وفيها دخول أخضر. خصرها يأتي في الشتاء كل عام ليقوي صقيعها ويمنحه هبة ذلك كي يجمد الماء الذي صار بحكمة أرضية جسدا يخرج من نافورة يحركها سحر حار وغرام متأخر.قال فواز بن بركة: إنها هي هي، أي لا تتحول ولا تتغير، أبدية، ومنذ خلقني الله أراها عند الباب واقفة تطلب الحب والغرام والشباب يمر بها ولا يعيرها نظرة واحدة. شعرها الأسود الذي يعصف وعيناها اللتان تؤلفان القصص: تحكي عن سفر برلك وعن الوحدة وعن الانفصال، تحكي عن الهجر وعن أحداث الثمانينات حين تركها رجلها وغاص مع حصانه في ثلج أحمر. وقالت له ألا يذهب. ألا يتركها لأنها من بعده ستظل وحيدة. ونهر العاصي الذي يجرح ويجري، يدور علي نفسه ويعود من حيث أتي. لماذا لا يذهب إلي لبنان؟من فتحة حمص، يدفق هواء عطرها، ينسكب علي الساحة القديمة قبل أن ينشئوا المصفاة وقبل أن يعمروا معمل الغاز. ونحن مرة كنا في الطريق من دمشق إلي حلب مررنا بحمص في الليل ـ هي كانت نائمة، وشعرها يطرق الدروب الزجاجية التي منعتنا من الدخول إلي قلب المدينة حيث … حيث الأضواء التي عمرها مئة عام. نمر بالنهر. في الليل. والاستراحات علي الطرق مظلمة شاحبة يبررها الجبل المشرف القريب الذي تخلقه في العادة أشباح الليل. ونحن في الطريق، لم ندخل حمص. لكنها كانت حاضرة. سحابة شتاء. يدها ممدودة وتلمس نافذة الباص- سكانيا فابيس، أو فولفو كعادة باصات سورية حين تجري في الشتاء مسرعة نحو حلب في أربع ساعات كي تصل. المدينة الحلبية. أين هي ذكراها؟ سيأتي بعدين! ويجوز أنها غافية، فيها ضلع يتسلل عصبه خفيفا رقيقا تجره عند الباب مع آهات أن يعود. لماذا خلقنا المكان والزمان؟ لو أننا ظللنا في بقعة ضوء مثل فراشة تموت حين تولد؟! مدينة المكان. لم أذهب أبدا إليها. لا يدان في جسدها ولا قدمان، لبنان الحمصية، ساحلية المنشأ، فيها أرز وسكر، وفيها جبل واحد يخرج في النهار ويموت في الليل. فيه قليل من الثلج، الجبل. وشوارعها ممتدة تلتصق بالمياه بالغصب. نمر بها كأنها ليست هناك، لا تقف بالباب. امرأة مهملة، تركناها للسنين والعوادي، للزمان، لقد خلقنا الزمان من أجلها ذلك كي يعمرها ويجعلها شيخة عنوداً تزحف كل يوم مترا واحدا نحو أصلها. حين وقفنا عندها، لم نقل إننا عدنا بعد غربة سنين، لم نقل لها ان هناك اشتياقا ولوعة، لم نقل لها شيئا، إلا أنها قالت لنا، تطلب جوازات السفر وتطلب أرقام الهواتف والإقامة ونحن نعطيها ولا نعطيها شيئا، لا نمنحها ما حملناه معنا. كنا نمر بها ونعرف من أصله أن قلبها أخضر واقف عند الباب يبحث عن حبيب لا يعود، ونحن عدنا. نحن الشباب نمر من عندها ونحن في الأصل لا نمنحها نظرة واحدة. المرأة العجوز الشائبة عند الباب تمد يدها وتفكر بالحب وبالحبيب الضائع الذي يعيده الوهم كل شتاء. كاتب من سورية يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية