‘سحر الكلام’ لإبراهيم سعيد: ماء الشعر حين يسري مخفورا بالجمال

حجم الخط
0

محمود الرحبي في الإصدار الثاني للشاعر ابراهيم سعيد (سحر الكلام) عن منشورات مجلة نزوى الفصلية، نقف أمام تتبع وفيّ لأحوال الشعر ومنابته وخلجاته والشعور به والسفر منه والركون بقربه، حديث عن ورشه وخياله وقلبه ومطره وطقوسه وقيثارته الشريدة وأعياده. لماذا لا أتحدث عن التخوم الذهبية للقرى الرملية لولاية بدية، حيث البذخ الحقيقي للطبيعة، وسخاء المتعة اللامحدود، وفيها يمكنك أن ترى تشكل القمر وسطوع الكواكب وتشعر وكأنك تلامس السماء، وخفقان الرمل الذي يشبه خفقان قلب فرح، لتقف أمام بذخ وكرم حقيقي للطبيعة يصعب إغفاله ونسيانه، فأجمل ليل في العالم يمر من هناك، وحين تكون في بدية فإنك تتمنى ألا تعود إلى المدن،حيث البيوت المنزوعة الروح، والتي ليست بأكثر من سجون فردية باذحة، وصور مجمّلة لعزلة الفرد، حيث يحدث أن لا ترى من يكلمك عبر ثقوب الهاتف سنة كاملة أو لا تراه إلى الأبد. في جو بدية الجميل يعيش ويقرأ الشاعر ابراهيم سعيد، غير بعيد عن مكتبة الإمام نور الدين السالمي، بستان كتب على تخوم الصحراء. يعكس كتاب (سحرالكلام) – ضمن ما يعكس – قراءات كثيرة تاه في عوالمها الكاتب، تأملها واستقرأها وتتبع واستكنه دلالاتها واحتمالاتها التأويلية ومقاصدها وسر خلودها، وهو ما تدلل عليه استشهاداته التصديرية التي جعلها مفتتحا للتأويل، وجلها استشهادات تدور حول الشعر والأساطير وتفضي إلى تأويلات تنم عن فراسة وتأمل استنباطي ينطلق من عين المعنى ويتمدد جارا القارىء معه في نشوة التأويل واستكناه الممكنات واحتمالات الدلالة وقوتها. تتوزع الكتاب عناوين تم اختيارها بعناية وهي في حدا ذاتها إبداع يضاف إلى الإبداع الأصلي الذي تتفرع منه ابداعات صغرى ـ إن صح التعبير- فبداية من إبداع اختيار العنوان ثم الاستشهادات الذكية ثم تأويل هذه الدلالات وخدمتها للمعنى العام. ومن أهم هذه العناوين (شعر في ثياب الأساطير، الطقوس، عيد الشعر، قيثارة شريدة، الأضحية الإلهة، شعر الدموع، ورشة شعرية، طعم الأعشاب الشعرية، خيال الشعراء إبر الشياطين،ليلة صيف مسحورة بالشعر، الشاعر والحجر، قلب الشعر البدوي، على هيئة الخاتمة). الكتاب مليء بسحر المعاني والجمل الأنيقة بالإضافة إلى الاستشهادات السردية الحكائية التي اختيرت من كتب الأساطير، و من أمثلة ذلك الحكاية التالية التي تتحدث عن الفيلسوف والشاعر الصيني كونفوشيوس، وهي حكاية تكتنز معنى جماليا بالإضافة إلى معناها الواقعي الصادم: (يحكي كتاب أعمال كونفوشيوس أنه كان مع تلميذه ين هوي حين سمعا صراخا وعويلا من بعيد، فتساءل كونفوشيوس عما إذا كان الصوت عويلا على ميت، فأجاب التلميذ بأنه سمع مثل هذا الصوت في فم طيور جبل مان شان حين تفقد صغارها، وحين عادوا للقرية وسألوا عن الخبر اتضح ان العائلة لا تملك نفقات دفن رب الأسرة الميت واضطرت لبيع أحد ابنائها في سوق العبيد وهم يصرخون لفراقه إلى الأبد). كما أن الكتاب يعكس مجهودا ليس على مستوى التأويل كما هو ظاهر في تفاصيل المتن، إنما كذلك يسجل خلاصات قرائية لأهم رموز الأدب العربي في تاريخه التليد، وهي خلاصات تعريفية بعيدة عن الهجائية المباشرة لسيرة الذوات الخالدة، بقدر ما تحاول أن تخرج بجديدها الخاص في سياق الحديث عن تجارب معروفة لها وزنها التاريخي الكبير كشخصية أبي الطيب المتنبي، الذي لخص الكاتب في عدة أسطر مسبريه، أهم دوافع القلق لدى أبي الطيب، وهي الدوافع نفسها التي حركت وحفزت السحابة الكبرى لشاعرية هذا الرمز العربي الخالد: ‘هكذا كان أبو الطيب ولايزال يسحرنا بمجرد الكلام، ولكن الشاعر يجد نفسه في واقع يابس وجاف، ووسط أحداث متقلبة تهين وجوده، ولاتقدر أهميته، يجد الشاعر نفسه في السوق، مدفوعا كي يبيع مالديه، كي يعرض بضاعته مهما كانت في سوق يحدد سلفا أسعار الأشياء لا بأهميتها وندرتها ودورها، بل يحددها بالعرض والسعر والترويج والدعم، والشاعر مضطر للوقوف في السوق اضطرارا وفي بلاط السلطان وفي مجلس الأمير، يتحرش به أهل السياسة وسماسرة السوق كي يخزوه ويسخروا منه ويتهموه بالسرقة والجبن والبخل، الشاعر الذي يصوغ من الكلام شعورا لاشيء شبهه ولا أمر يعادله يجد نفسه ينافس الباعة كي يحيا، يسافر من بلد إلى بلد كي ينجو من الدسائس، يهين نفسه مع عقول جدباء، ويضطر للاغتراب وللتعرض لسيوف قطاع القوافل ورماحهم الخائنة، ويموت شريدا في البرية’. كما أن مقالات الكتاب، والتي صيغت بالأساس لتسكب على آذان سامعي إذاعة سلطنة عمان كما ذكر الكاتب في مقدمته، ويتضح ذلك من خلال النبرات الصوتية الواضحة التي تنضح من رنين الجرس التوصيلي لبعض الجمل، ولكن كاتبها لم يقع في فخ المباشرة أو استمالة القارىء بأي عبارة توصيلة كانت، انما كان في كل ذلك محافظا على انسجامه الداخلي ككاتب يشعر ويتحسس عميقا ما يقوله ثم يبثه بنفس حرارته للقارىء الذي يتوقع منه أن يكون مستقبلا ذكيا. يقول مثلا في معرض حديثه عن عنترة العبسي في مقال حمل عنوان (الوقوف الشعري): (لأبي نواس الحسن بن هاني بيت يعترض فيه وينتقد عادة الشعراء في الوقوف على الأطلال وهو شاعرينتمي للفترة المتأخرة في عصر الشعراء المحدثين الأوائل في العصر الأموي في قوله، قل لمن يبكي على رسم درس واقفا ما ضر لوكان جلس. والسؤال يبطن السخرية من ذلك الوقوف، لكن أبا نواس ينسى أن الشعر هو الواقف على الرسم المتبقي والطلل المتردم والديار الخالية وهو الذي يجعل الشاعر يقف كما يظل الشعر واقفا والشعر لايمكنه الجلوس، إن استحضار الذكرى العزيزة لا يمكن دون الوقوف شعوريا في حضرتها). ونرى مثل ذلك في مكان آخر من نفس المقال في تحليل جميل للبيت الشهير لعنترة العبسي والذي يقول فيه (ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي /فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم)، البيت الذي يتذكر فيه عنترة محبوبته في معمعة الحرب والسيوف والرماح تقطر من دمه. عبلة المعشوقة الرائعة هي لها ابتسامة فاتنة كالضوء وانعكاساته يتذكرها عنترة وسط الحرب المشتعلة ويود تقبيل السيوف التي تلمع تحت ضوء الشمس كالتماعة أسنان عبلة في ثغرها المبتسم…إنه النبع الشعري الذي انبجس لعنترة في قصيدة شعرية، الصورة التي أسرت وخلبت، والكلام الذي سحر وغيّب، لمعة شعرية في السيف اللامع كبارق ثغر الحبيبة. ابراهيم سعيد الذي لم يصدر من قبل سوى مجموعة شعرية يتيمة صدرت له في القاهرة عام 2006 وحملت عنوان ‘معمار الماء’.كتابه الجديد هذا يدلل على اعتكافه الطويل على متعة القراءة،على البحث عن أسس الشعر ومنابعه الأصيلة ليس فقط عبر القصائد الشعرية إنما كذلك عبر حياة الشعراء ومواقفهم وكذلك عبر نوع أدبي آخر مجايل للشعر ومشاكس له، وهو السرد الذي يختطف هو الآخر من الشعر صوره الآسرة وذلك ليرصع بها المواقف التأملية، حيث أن الشعر هو من يضمن لها الخلود حين تمتح عميقا من ماء نسغه الأبدي. ومن أمثلة ذلك ما نقرأه في الفصل الذي يحمل عنوان (الأضحية الإلهية)، حيث القصة الآسرة التالية: ‘كان رجل الدين البراهمي فالميجي ذاهبا للاستحمام في نهر الغانج يرافقه تلميذه (فاراد واجا) وحين عبرا فرع تاماسا شاهد النهر الصافي، فقال فالميجي في بيت الماء الطاهر: انظر كم نقي هذا الماء كصفاء ذهن الرجل الطيب، سأستحم هنا اليوم. وبينما كان يستحم رأى طائري غرنوق، كان الطائران غارقين في عسل الحب، ذاهلين بشهوة الحب عن العالم من حولهما، فشعر فالميجي بالبهجة لكن فجأة أصيب الذكر بسهم قاتل فخر صريعا في مكانه، فطاش لب الأنثى من الصدمة وسقطت صريعة هي الأخرى، وفي رواية أخرى أنها هربت صارخة وزاعقة، بعد أن انقلبت فاكهة الحب اللذيذة في لحظة إلى سم موت مرير، وكان فالميجي يرى ماحدث مندهشا ومتأملا وغاضبا وبحث عن الصياد وحين لمحه من بعيد تحرك فمه بهذه الأبيات: لن تجد الراحة طوال سنين الأبدية/يامن قتلت الطير في اطمئنان حبه’. كتاب (سحر الكلام) للشاعر ابراهيم سعيد، إضافة جديدة لحقل التأويل الدلالي للتراث العربي،كما نجد ذلك بوضوح لدى الباحث العميق عبدالفتاح كيليطو في جل كتبه، ولدى باحثين عديدين لايكتفون بالرسالة الظاهرة للمعنى إنما يعملون ذكاءهم وفراستهم لاكتشاف المعاني المدفونة والتي لن يخلو منها أي عمل أدبي رفيع، وهي المعاني التي ضمنت لأعمالهم الخلود الزمني والبقاء الأبدي عبر الدلالات التوليدية للجمال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية