تسخين الصراع إلى درجة الاشتباكات المسلحة قد يعجل بالتدخل الخارجي
منذ فشل الجولة الأخيرة لمفاوضات سد النهضة في 10 كانون الثاني/يناير الماضي انتقل السودان من دبلوماسية التفاوض الهادئة إلى دبلوماسية ساخنة يتم من خلالها إطلاق التحذيرات من خطورة الملء الثاني لسد النهضة بدون اتفاق قانوني ملزم بشأن شروط الملء والتشغيل يضمن سلامة السودان، وعدم الإضرار بالمصالح الحياتية لمواطنيه، كما تؤكد هذه الدبلوماسية في الوقت نفسه على ضرورة وضع حد للتهديدات على خط الحدود مع إثيوبيا. وتجري هذه الدبلوماسية الساخنة بتنسيق كامل مع مصر على أعلى مستوى، وصل إلى تحقيق نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، بتوقيع اتفاق للتعاون العسكري بينهما، وزيارة وزيرة خارجية السودان لمصر، وزيارة الرئيس المصري للخرطوم، ثم أخيرا زيارة رئيس الوزراء السوداني للقاهرة. الموقف السوداني حاليا أصبح شديد الوضوح ولا يقبل الالتباس سواء فيما يتعلق بالسد، أو ما يتعلق بالحدود. لكن هذا الموقف يطرح عددا من علامات الاستفهام حول مدى قدرة الدبلوماسية الساخنة على تحقيق تقدم جوهري لصالح السودان.
السؤال الأول يتعلق بطبيعة المخاطر التي تهدد الأمن القومي السوداني من المرحلة الثانية لملء سد النهضة. السؤال الثاني يتعلق بمدى قدرة الدبلوماسية الساخنة على حل نزاعين في وقت واحد، السد والحدود. السؤال الثالث يتعلق بمدى مصداقية صيغة المفاوضات التي يطالب بها السودان، الصيغة الرباعية، وهي الصيغة التي تؤيدها مصر وترفضها إثيوبيا.
أولا: المخاطر التي تهدد الأمن القومي السوداني على العكس من الحال في مصر فإن التهديد الذي يتعرض له السودان من سد النهضة ليس بسبب النقص المتوقع في موارد المياه بسبب الملء الثاني للسد، وإنما هو بسبب المخاطر المحتملة من حدوث شروخ أو تصدعات في جسم السد تطلق مخزون المياه مرة واحدة، فتطيح بالسدود السودانية القريبة مثل الروصيرص وسنار، وتهدد حياة ما يقرب من نصف سكان السودان. ومع أن انخفاض تدفق المياه في النيل الأزرق عبر الحدود من إثيوبيا إلى السودان بسبب الملء سيصيب الزراعة ومحطات مياه الشرب بالضرر، إلا أن وزارة الري والموارد المائية استعدت بخطة طوارئ لتقليل تأثير هذه الأضرار، بما في ذلك تحويل نسبة أكبر من مياه النيل الأبيض إلى المجرى الرئيسي للنيل، وزيادة الاعتماد على المياه الجوفية، للتعويض عن انخفاض منسوب المياه بسبب احتجاز سد النهضة لموارد موسم الأمطار الصيفية، الذي يغذي نهر النيل بالقسم الأعظم من ايراداته.
وبالنظر إلى خريطة توزيع المياه في السودان، وطبقا لبيانات رسمية صادرة عن وزارة الري والموارد المائية، فإن نسبة تزيد عن أربعة أخماس السكان تعتمد على الأمطار والمياه الجوفية والبحيرات أكثر من اعتمادها على مياه نهر النيل. ويبلغ نصيب السودان من الإيراد السنوي للنيل حسب اتفاقية 1959 مع مصر 18.5 مليار متر مكعب سنويا يتم استخدام نسبة 66 في المئة منها فقط، بكمية تبلغ 12.2 مليار متر مكعب. وبذلك فإن النيل يسهم بنسبة 39 في المئة تقريبا من الموارد الكلية للمياه في السودان باستثناء الأمطار. ومن الملاحظ أن وزارة الري والموارد المائية في السودان تركز جهودها على تطوير استخدامات المياه الجوفية التي يعتمد عليها أكثرية السكان، وذلك على الرغم من أن السودان كان من أوائل الدول الأفريقية بعد مصر، التي بادرت إلى إقامة السدود لتنمية استخدامات مياه وتوليد الطاقة الكهرومائية. ويعتبر سد سنار (1926) أقدم السدود الـ 8 في السودان المقامة على النيل الأزرق والأبيض والمجرى الرئيسي للنيل ونهر عطبرة. لكن هذه السدود صغيرة الحجم وطاقتها التخزينية للمياه محدودة، وكذلك قدرتها على توليد الكهرباء. على سبيل المثال فإن سد الروصيرص على النيل الأزرق، الذي يقع على بعد 80 كم من سد النهضة، تبلغ طاقته التخزينية 7 مليارات متر مكعب مقارنة بحوالي 74 مليار متر مكعب لسد النهضة. وهو ما يعني أنه في حال تصدع أو انهيار سد النهضة، فإن المياه المتدفقة منه ستجرف السدود السودانية في طريقها كما ستجرف معها أيضا عشرات المدن ومئات القرى الرابضة على ضفتي النيل بدون أي وسائل ملائمة للحماية، مما يهدد حياة ما يقرب من 20 مليون من السودانيين.
ومن ثم فإنه من الضروري التمييز بين الموقف التفاوضي السوداني المبني على خطورة إقامة سد النهضة بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى، والموقف المصري المبني على خطورة سد النهضة الذي سيؤدي في كل الأحوال إلى تخفيض إمدادات المياه إلى مصر التي تعتمد على مياه النيل لتغطية احتياجاتها بنسبة 95 في المئة، بينما النسبة في السودان تصل إلى 39 في المئة فقط، مع وجود موارد وفيرة للمياه في الخزانات الجوفية، والبحيرات والأنهار الأخرى غير نهر النيل. وقد انعكس هذا على الموقف التفاوضي لكل من البلدين، حيث كانت كمية المياه هي أولوية مصر، بينما كان أمان التشغيل هو أولية السودان. وظهر تباين الأولويات بوضوح في جولة المفاوضات الأخيرة، حيث ذكر بيان أصدرته وزارة الخارجية المصرية في 10 كانون الثاني/يناير «وقد أخفق الاجتماع في تحقيق أي تقدم بسبب خلافات حول كيفية استئناف المفاوضات والجوانب الإجرائية ذات الصلة بإدارة العملية التفاوضية، حيث تمسك السودان بضرورة تكليف الخبراء المُعينين من قبل مفوضية الاتحاد الأفريقي بطرح حلول للقضايا الخلافية وبلورة اتفاق سد النهضة، وهو الطرح الذي تحفظت عليه كل من مصر وإثيوبيا وذلك تأكيداً على ملكية الدول الثلاث للعملية التفاوضية وللحفاظ على حقها في صياغة نصوص وأحكام اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، خاصةً وأن خبراء الاتحاد الأفريقي ليسوا من المتخصصين في المجالات الفنية والهندسية ذات الصلة بإدارة الموارد المائية وتشغيل السدود».
فض الاشتباكات بين القضايا المختلفة
ثانيا: تشابك نزاعي السد والحدود، وإحدى القواعد التي تستند إليها المفاوضات الناجحة هي فض الاشتباكات بين القضايا المختلفة، ومحاولة حل كل قضية على حدة بما لا يؤدي إلى تعقيد الموقف بالنسبة لغيرها من القضايا، أي باعتماد مبدأ الحلول المحايدة الأثر على غيرها من المشكلات أو القضايا. ولذلك فإن وضع الخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا جنبا إلى جنب مع الخلاف بشأن سد النهضة، من شأنه أن يعقد الأمور في محاولة حل كل منهما. وقد بلغ التصعيد العسكري بين البلدين منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي درجة خطيرة وصلت إلى حد الاشتباكات المسلحة ووقوع ضحايا، وهو أمر شائع في منطقة القرن الأفريقي.
ثم جاءت اتفاقية التعاون العسكري بين مصر والسودان في 2 اذار/مارس الحالي لتؤكد أن البلدين على استعداد للمضي إلى آخر الطريق في النزاع مع إثيوبيا. وفي حال تصعيد التوتر على الحدود من أي من الطرفين، السودان أو إثيوبيا، فإن ذلك سيكون اختبارا لحدود وقوة اتفاق التعاون العسكري بين مصر والسودان، ومدى قدرة هذا الاتفاق على الصمود أمام الضغوط من أجل إصلاح مسار العلاقات المصرية السودانية، وما أشار اليه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك من «ضرورة الحديث عن المسكوت عنه في العلاقات بين البلدين» وهي إشارة خفية إلى خلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية في البحر الأحمر، ومناطق امتيازات التنقيب عن النفط والغاز والمعادن، والخلاف على حلايب وشلاتين، وتعويضات بحيرة ناصر، وغير ذلك من القضايا العالقة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التورط في صراع عسكري مفتوح في القرن الأفريقي بين هذه الأطراف قد يفتح الباب على مصراعيه لتسوية حسابات سياسية عالقة بين دول الإقليم بشكل عام. وإذا وصلت الأمور إلى هذا الحد فإن قضية سد النهضة ستتراجع للخلف مفسحة الطريق للانشغال بصراعات الحدود. السيناريو الآخر الذي ربما يكون مطروحا في هذا السياق هو أن تسخين الصراع إلى درجة الاشتباكات المسلحة قد يعجل بالتدخل الخارجي الجاد لإعادة السلام والاستقرار إلى القرن الأفريقي والحدود السودانية-الإثيوبية. لكن مرة أخرى ستصبح مسألة سد النهضة هنا قضية ثانوية حتى يتم إقرار تسوية لمشكلة الحدود. الأخطر من ذلك هو الانعكاسات السلبية التي يمكن أن تقع نتيجة الانتقال من الدبلوماسية الساخنة إلى الحرب على عملية إعادة بناء الدولة في السودان. قضية سد النهضة ليست هي فقط التي ستتراجع، ولكن سيتراجع أيضا الطابع الديمقراطي لعملية إعادة بناء الدولة، لصالح تغليب الطابع العسكري، وتوسيع نطاق دور العسكريين بدلا من تقليصه.
قضايا تفاوضية تراوح في مكانها
ثالثا: هل تنجح المفاوضات فيما فشلت فيه من قبل؟ مفاوضات سد النهضة لم تحقق نجاحا يذكر منذ بدأت، وليست هناك أي أسباب على الإطلاق تبرر التفاؤل بإمكان التوصل، عبر الطرق نفسها، إلى حلول ناجحة لقضايا تفاوضية تراوح في مكانها منذ سنوات، بما فيها قضية ترسيم الحدود. في الوقت الحالي بدأ موسم أمطار الربيع على الهضبة الإثيوبية الذي يستمر حتى أواخر الشهر القادم، ولن يحصل النيل الأزرق على أي إيراد من أمطار الربيع. وفي ايار/مايو وحزيران/يونيو تشهد المنطقة جفافا نسبيا، وبعدها يبدأ موسم الأمطار الرئيسي. إن أحد أهم أسباب فشل المفاوضات حتى الآن هو غياب مرجعية قانونية دولية متفق عليها بين الأطراف، يتم الاحتكام إليها لتسوية الخلافات. وعلى الرغم من سعي كل من مصر والسودان إلى وضع المفاوضات تحت إشراف لجنة رباعية دولية تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، فإن عدم توقيع كل منهما على القوانين الدولية التي تنظم استخدامات الأنهار والبحيرات العذبة ومياه الأمطار والخزانات الجوفية العابرة للحدود يضعف دور الرباعية الدولية. إن أطراف الرباعية الدولية ليسوا غرباء عن القضية، فالولايات المتحدة شاركت مع البنك الدولي في مفاوضات فشلت في العام الماضي. والأمم المتحدة قررت في جلسة لمجلس الأمن في صيف العام الماضي بناء على طلب مصر، إحالة القضية للاتحاد الأفريقي، كما يشارك الاتحاد الأوروبي أيضا في محاولات لإيجاد حلول لقضية سد النهضة والخلاف الحدودي السوداني-الإثيوبي.
ضغوط عامل الوقت
ومن ثم فإن الخطوة الأولى التي يتعين على السودان، وكذلك مصر، اتخاذها بالنسبة لمفاوضات سد النهضة، يجب أن تكون في اتجاه تغيير قواعد التفاوض، وذلك بإعلان التوقيع على معاهدة الأمم المتحدة لاستخدامات المياه العابرة للحدود في غير الأغراض الملاحية لعام 1997. كما يتعين على الحكومتين السودانية والمصرية أن تعجلا بتوفير الظروف الملائمة للتوقيع على مبادرة دول حوض النيل «عنتيبي» وأن تستخدم السودان عضويتها في الهيئة الحكومية المتعددة الأطراف للتنمية «إيغاد» في المساعدة على تطوير إطار إقليمي للمفاوضات بشأن سد النهضة، ينطلق من المبادئ والأسس الواردة في القانون الدولي والاتفاقيات الإقليمية، وأن تنضم مصر إلى «إيغاد» التي تضم في عضويتها السودان واثيوبيا وكينيا واوغندا والصومال وجيبوتي واريتريا، فلا يوجد مبرر سياسي وقانوني لغيابها عنها. إذا نجحت مصر والسودان في ذلك فانها ستساعد على إعطاء دفعة للمفاوضات في الاتجاه الصحيح.
ومع ذلك فمن الواضح حاليا أن المساحة الزمنية المتاحة أمام أطراف مشكلة سد النهضة ليست كبيرة، من الآن وحتى بدء موسم الأمطار وملء السد في تموز/يوليو المقبل، نظرا لأن إثيوبيا ستشهد انتخابات عامة في حزيران/يونيو. وإذا خسر أبيي أحمد أو تراجعت قوته السياسية، في حال إجراء الانتخابات بالفعل، فإن المفاوضات ستتعرض لحالة من الجمود وغموض المصير، وربما يترافق ذلك مع ارتفاع نغمة المزايدات القومية الشعبوية. أما في السودان الذي يمر بمرحلة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، فإن الإدارة الانتقالية تواجه بالفعل مشكلات كبيرة على كل المستويات، مما يستنزف مجهودا سياسيا كبيرا بعيدا عن أزمة سد النهضة. وإذا فشلت الدبلوماسية الساخنة في وقف عملية الملء الثاني لسد النهضة، فهذا يعني تكرار سيناريو العام الماضي حيث تم الملء الأولي للخزان بدون موافقة مصر والسودان، وهو ما يمكن أن يسبب موجة جديدة من الضغوط السياسية في البلدين، نظرا للعجز عن تحقيق شيء بعد فترة من الحشد والتعبئة السياسية الداخلية، والتحركات الدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي. فهل يتكرر في الصيف المقبل سيناريو صيف العام الماضي، أم تنجح مصر والسودان في وقف المرحلة الثانية لملء خزان سد النهضة، أم تخلي الدبلوماسية الساخنة مكانها للحرب؟