القاهرة ـ «القدس العربي»: مثّل كل من رئيس الوزراء المصري ونظيره الإثيوبي ومن ورائهما هيئة الإذاعة البريطانية ثلاثة أهداف مشروعة لصحف القاهرة أمس الخميس 24 أكتوبر/تشرين الأول، التي طالت نيرانها العديد من المسؤولين بسبب غرق القاهرة وعدد من المحافظات، نتيجة للأمطار الغزيرة التي أسفرت عن توقف وجه الحياة، وتسببت في فشل عودة الطلاب والموظفين لمنازلهم حتى منتصف الليل.
القاهرة غرقت في تسعين دقيقة والمصريون عاشوا ليلة غابت فيها الحكومة عن الساحة تماما
وبينما سعت الحكومة لتبرير فشلها في التصدي للأمطار بضيق الموارد المادية، وسبب البيان الصادر عنها حرجا بالغا أصاب كبار المسؤولين بسبب الحالة البائسة، التي أصبحت عليها القاهرة، بينما كل الإمكانات توجه نحو بناء مدن فارهة، لن يكون في وسع الأغلبية الفقيرة الاقتراب منها، بسبب أسعار وحداتها الخيالية.
وفيما ألقت تقارير صحف أمس الخميس ظلالها على المستجدات التي تواجهها البلاد، خاصة في ما له علاقة بأزمة سد النهضة، وتلميح رئيس الوزراء الإثيوبي بالاستعداد للحرب للدفاع عن السد، وهو التصريح الذي استقبله الرأي العام بغضب واسع في سائر محافظات مصر، إذ طالب كتاب ومن خلفهم الجماهير بضرورة الرد على تصريحات آبي أحمد على النحو الذي يليق بمصر وقوتها ومكانتها الإقليمية والدولية.. وعبثاً سعت الصحف الحكومية وكذلك المستقلة لمحاولة عدم الخروج عن الخطاب الرسمي للحكومة في هذه القضية الجوهرية، بالنسبة للمصريين، حيث جاء رد الخارجية المصرية بشأن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي بما لا يتفق وحجم الغضب الشعبي، إذ تخشى الجماهير على مختلف توجهاتها أن يسفر التراخي في مواجهة الصلف الإثيوبي عن ضياع الحقوق التاريخية لمصر في نهر النيل. واحتفت صحف القاهرة بزيارة الرئيس السيسي لروسيا ومساعيه للتوصل لحل في الخلاف المتزايد مع إثيوبيا، كما سعت الصحف في مجملها لطمأنة الجماهير والتذكير بوعود الرئيس بشأن الدفاع عن حقوق مصر وعدم التفريط فيها، وتذكيره في العديد من المواضع بقوة الجيش المصري.
الغدر الإثيوبي
البداية مع تداعيات ملف سد النهضة حيث: «يشجب جلال عارف في «الأخبار» التصريحات المنسوبة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام البرلمان حول تلميحه باللجوء لخيارات عسكرية في التعامل مع قضية السد، واستشهد الكاتب ببيان وزارة الخارجية المصرية، الذي كشف عن أن «القاهرة» كانت على الدوام مع الاعتماد على التفاوض، وفقاً لمبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.
وأنه مع الجمود الذي اكتنف المفاوضات، فإن مصر قبلت دعوة الولايات المتحدة لاجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) في واشنطن، اتساقاً مع سياستها الثابتة وثقة في المساعى الحميمة التي تبذلها الولايات المتحدة.
يرى الكاتب أن بيان الخارجية الحاسم لا يحتاج لأي تأويل. ومصالح مصر لا يمكن أن تحكمها مزايدات داخلية لأي طرف، أو مراوغات تحملتها مصر أكثر من اللازم. مصر لم تطلب إلا حقوقها ولم تعتمد إلا على قواعد القانون الدولى والاتفاقيات الملزمة للجميع.
لا تريد مصر التصعيد بل تسعى للتوافق الذي لا بديل عنه، والذي يضمن مصالح كل الأطراف، ويحقق لإثيوبيا التنمية المطلوبة، ويحفظ للسودان ومصر نصيبهما العادل والمستحق من مياه النيل. والحديث عن مصر هنا يعني الإجماع المصري على أن مياه النيل قضية حياة ووجود. ويعني أن مصالح الشعوب كلها لا يمكن أن تعتمد على الوعود المرسلة، ولا أن تخضع للمزايدات الداخلية بديلاً للقانون الدولي والاتفاقيات المنظمة لعلاقات الدول المتشاركة في الأنهار الدولية.
وشدد الكاتــب على أنه لا بديـــل عن الـــتوافق الذي يحفظ مصالح كل الأطراف، ولا مجــــال للمزيد من المراوغة أو المحاولات المحكومة بالفشل لفرض الأمر الواقع، ولا مكان للحديث الأجوف عن القوة العسكرية».
فليذهب للجحيم
شارك مجدي سرحان في «الوفد» الغاضبين من آبي أحمد: «التصريحات «الحنجورية» المنفلتة التي صدرت من رئيس الوزراء الإثيوبي حول استعداد دولته لحشد مليون مقاتل، إذا ما اضطرت للحرب.. ضد مصر طبعا.. لحماية مشروع سد النهضة.
هذا الكلام صدر بالفعل من آبي أحمد.. رجل السلام الحاصل على جائزة نوبل العالمية، ولا مجال هنا لكل محاولات التهويل التي يبديها بعض من يزعمون «العقلانية» ويختلقون للمسؤول الإثيوبي المبررات لحديثه الأخرق، مثل أنه يتحدث أمام برلمان بلده ويرد على الأسئلة، أو أنه من حقه أن يقول ذلك مثله مثل أي قائد دولة يدافع عن مصالح وأمن بلده، أو غير ذلك.
فكل هذه المحاولات البائسة لا تبرر للرجل حديثه العدائي هذا، خاصة أن مصر لم يصدر منها على جميع المستويات الرسمية، أي حديث عن حرب أو صدام أو عدوان، بل هي أكدت دوما دفاعها عن حقوقها المائية بكل السبل القانونية المتاحة، وبما يحافظ على حقوق جميع الأطراف.. وإذا كان هناك من تحدث عن حرب أو «هجوم صاروخي» أو نسف للسد الإثيوبي، فلم يحدث ذلك إلا من بعض الغوغاء أو الموتورين أو المغرضين من «مرضى الشبكة الزرقاء» وغيرها من منصات «التمزيق الاجتماعي». وهذا هو ما يهمنا تحديداً وهو مؤشر واضح لمدى خطورة ما يحدث على هذه المواقع.. وتأثيره الخطير الذي يمكن أن يؤدي إلى خلق أزمات سياسية أو إشعال حروب بين دول».
حب أزلي
العلاقة بين إسرائيل وإثيوبيا كما تصفها مي عزام في «المصري اليوم»علاقة خاصة، ملوك إثيوبيا القدامى كانوا يعتبرون أنفسهم من نسل سليمان عليه السلام، أساطـــيرهم تقــــول أن جدهم «منيلك الأول» هو ثمرة زواج الملك سليمان وملكة سبأ، التي يطلقون عليها اسم «مكدا».
ورغم تحول هؤلاء الملوك من اليهودية إلى المسيحية، فقد ظلوا يفتخرون بهذا النسب حتى أن آخرهم «هيلاسيلاسي» كان يطلق على نفسه لقب أسد يهوذا. ويذكر التاريخ أن بعض ملوك الحبشة هددوا بتعطيش مصر وقطع مياه النيل عنها في زمن المماليك، بعد هزائم الجيوش الصليبية، وكانت حجتهم اضطهاد المسيحيين في مصر، هذا التاريخ لا يمكن إهماله لكن يمكن التعامل معه، أي صراع مرهون بحقائقه، ولا يمكن إدارة أي قضية أو مشكلة بدون الإلمام بكل تفاصيلها ودخائلها، ولا يمكن أن نحل الصراعات بلغة العواطف أو الاستعطاف، اللغة المعترف بها عالميا هي لغة المصالح، وهي التي جعلت دولة الإمارات تقترب من الهند، وتبتعد عن باكستان وتختلف مع السعودية.
إثيوبيا مثل غيرها تسعى للتنمية، وهي دولة بلا موانئ، لذا تستخدم موانئ دول الجوار المطلة على البحر الأحمر، جيبوتي وإريتريا بصفة خاصة، في تعاملاتها التجارية، بدون هذه الموانئ تصبح إثيوبيا محاصرة داخل حدودها. موانئ القرن الإفريقى تزداد أهميتها يوما بعد يوم، خاصة بعد إعلان الصين عن مبادرة الحزام والطريق، الصين تستثمر أموالا طائلة في الموانئ المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر، وكذلك تفعل دبي وقطر وتركيا وغيرها».
أين أنت يا مدبولي؟
«الرئيس حين يسافر للخارج لأي سبب، لابد أنه يكلف رئيس الوزراء بإدارة شؤون البلاد، ويكون التكليف بقرار محدد المدة، يضيف محمد أمين في «المصري اليوم»، هذه مسالة بروتوكولية.
صحيح أن رئيس الوزراء لا يفعل شيئاً بالتكليف، إلا أنه إجراء رسمي، فهل صدر قرار جمهوري بتكليف مصطفى مدبولي، ماذا فعل بالتكليف؟ رئيس الوزراء نفسه لديه صلاحيات لمواجهة «غرق القاهرة». فما هي الإجراءات التي اتخذها مدبولي لإنقاذ القاهرة؟ وهل يمكن أن يمر الأمر بدون حساب؟ هل طلب من الأجهزة السيادية سرعة التدخل؟ هل طلب من وزير الداخلية تدخل رجال الأمن وفرق الإنقاذ؟ هل طلب من وزارة الدفاع نجدة القاهرة ومنطقة مصر الجديدة وصلاح سالم؟ أم أن الأمر اقتصر على تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات فقط؟ وبالتأكيد، فقد عاش المصريون ليلة، غابت فيها الحكومة تماماً عن الساحة، فالعائدون من المطار قضوا سبع ساعات في صلاح سالم.. بعد أن تم غلق أنفاق الثورة والعروبة والعبور.. طلاب المدارس تعذبوا عشر ساعات، وبعضهم دخلوا الأديرة والكنائس والمحطات لقضاء الحاجة، فأين كانت الحكومة كل هذا الوقت؟ التفسير الوحيد أن «الرئيس كان قد سافر». في العام الماضي، كان الرئيس موجوداً حين غرق التجمع، وهنا تدخلت كل أجهزة الدولة بأمر الرئيس، وعندما غرقت الإسكندرية تدخل الرئيس، وتحركت المنطقة الشمالية، وتمت السيطرة على الموقف.. الآن تحركت وزارة التنمية المحلية، وشركة الصرف الصحي.. لم يستخدم رئيس الوزراء صلاحياته، ربمــا على أساس أن القاهــــرة لها محافظ، وفيها أجهزة. يضيف الكاتب: كنت أنتظر من رئيــــس الوزراء، في الاجتماع الأسبوعي للحكومة، كنت أنتظر منه قرارات شديدة وجريئة.. لكنه لا اعتذر، ولا اتخذ قرارات».
فاشلون دائماً
نبقى مع غرق القاهرة حيث لم يصدق عماد الدين حسين كما يروي لنا في «الشروق» المشاهد التي رآها: «لا أعرف كيف دخلت المياه إلى مطار القاهرة.
فتيات يركبن على حقائبهن الجرارة للسير في المطار. الركاب والموظفون يخوضون في مياه عميقة في صالات المطار، وبعدها عرفنا أنه تم إغلاق صالة 2 للصيانة. هل يدرك المسؤولون تأثير هذه الفيديوهات على صورتنا وسمعتنا وسياحتنا، التي نجاهد ليل نهار كي تنتعش وتعود كما كانت؟ المشاهد نفسها تكررت في أماكن كثيرة، خصوصا مدينة نصر ومصر الجديدة والقاهرة الجديدة.
يضيف عماد: شاهدت فيديو لمواطنين يسبحون فعليا في بعض أنفاق هذه المنطقة ــ خلعوا معظم ملابسهم وسبحوا. وبعضهم كان يمسك بإطار سيارة، كي يساعده على العبور وعدم الغرق بعد أن كاد النفق يمتلئ عن آخره! بعض الأنفاق لا تبعد أمتارا عن العديد من المنشآت الحيوية أمنيا وسياسيا. وكالعادة قام المصريون بالتنكيت وكتب أحدهم يقول: «عدد 2 كرسى مع شمسية على نفق العروبة بـ70 جنيها»! أما النكتة الأكثر تداولا فكانت محاكاة حوار لأبطال فيلم «الطريق إلى إيلات» وهم يتحدثون عن خطة التنفيذ: «نقطة الإنزال هتكون أول عباس العقاد، هتغطسوا وتتقابلوا عند الشباك قدام بنزينة كالتكس، هتنفذوا مهمتكم، وترجعوا عكس البوصلة في اتجاه نقطة التجمع عند أول عباس العقاد تاني، لو ملقتونيش عند نقطة التجمع هتعوموا لغاية أول مكرم عبيد وتسلموا نفسكم لأي مركب معدية طالعة على ألف مسكن».
ويذكرنا الكاتب بما حدث في القاهرة الجديدة، خصوصا التجمع الخامس، قبل نحو العامين: يومها انتفض الجميع وقالوا إنها ستكون المرة الأخيرة التي يحدث فيها ذلك».
حكومة عاجزة
من بين الغاضبين بسبب فشل الحكومة في مواجهة أزمة الأمطار عماد رحيم في «الأهرام: «أن تغرق الشوارع، فتتوقف السيارات لساعات طويلة جدًا، بدون حراك، والناس محصورون لا يستطيعون التحرك، أمر مُحبط ومُربك ومُحزن للغاية. أن تتوقف أتوبيسات المدارس، لا تستطيع الفكاك، مدة وصلت في بعض الشوارع لـ 10 ساعات، فيها أطفال ومشرفون وسائقون، يريدون قضاء حاجتهم، والأهل الذين توترت مشاعرهم خوفًا على أبنائهم، ولا يستطيعون الوصول إليهم، أضف إلى ذلك انقطاع التواصل معهم بسبب فصل هواتفهم المحمولة، أمر مخزٍ، ومؤلم، ولا يوجد من الكلمات ما تصفه بالدقة السليمة، وما يمكن أن يُحكى في هذه الحالة تحديدًا كثير وكثير جدًا، فأولياء أمور هؤلاء الأبناء المحصورين في الشوارع، أصابهم الهلع والذعر، وهم مكتوفو الأيدي لا يستطيعون التصرف، وهم مصريون مهمومون ببلدهم، ومقتنعون بكل ما تبذله من جهود مضنية في البناء، ولكن كيف يستقيم شعورهم بالخوف على أبنائهم، مع رعونة بعض المسؤولين، كيف يمكن أن تمر مصر بأزمات سابقة مشابهة، استدعت تدخل كل الأجهزة، حتى نجحت في احتوائها، ثم نتفاجأ بما حدث يوم الثلاثاء الماضي.
من يدفع ثمن تلك الإحباطات، ولماذا تتكرر النتائج نفسها مرة أخرى، فنحن نملك من الإمكانات ما يؤهلنا للتعامل المحترف مع تلك الأزمات، ومع ذلك نشاهد إخفاقًا عجيبًا، وكأن المفاجأة تصدمنا! وإن لم نتعلم من أزمتين طاحنتين سابقتين، فمتى نتعلم؟ هل مصالح الناس وآدميتهم، باتت محكًا للتعامل السلبي مع بعض المسؤولين؟».
«يا خيبتك يا حكومة»
نواصل المعارك ضد الحكومة، ومن أبرز خصومها علاء عريبي في «الوفد»: «الأمطار التي سقطت على القاهرة، وبعض المحافظات كشفت عورة الحكومة، وضربت تصريحات وزرائها ومحافظيها في مقتل، وأكدت عدم صحة وكذب جميع التصريحات التي سبق وقالوها حول الاستعدادات الكافية لامتصاص مياه الأمطار.
يعدد الكاتب الأخطاء: لن أتحدث عن ارتباك حركة المرور، ولن أتعرض للأنفاق التي امتلأت بالمياه: الثورة، والعروبة، ولا عن الشوارع التي تحولت إلى برك، ولا إلى بعض المدن الجديدة التي دخلت فيها مياه الأمطار إلى البيوت، لن أتحدث عن حي مصر الجديدة، وحى النزهة، ومدينة نصر، ومدينة العبور، والتجمع الخامس، ولن أذكر طرق: المحور، السويس، الإسماعيلية، صلاح سالم، ولن أتحدث عن مطار القاهرة الدولي، ولا عن المياه التي أغرقت إحدى صالات السفر، لن أسأل كيف دخلت المياه إلى الصالة؟ يضيف عريبي: سوف أتحدث فقط في مقالي هذا عن أطفال المدارس، الذين تمت محاصرتهم داخل باص المدرسة، حبس الأطفال في الباص منذ الساعة الواحدة والنصف أو الثانية بعد الظهر إلى منتصف الليل، بعضهم عاد إلى أهله في العاشرة مساء بعد ثماني ساعات داخل الباص، وبعضهم عاد بعد منتصف الليل، بعد أكثر من 10 ساعات محتجزا في الباص.
سمعت العديد من الحكايات عن هؤلاء الأطفال، الأم والأب عجزا عن إنقاذ أولادهما، فشلوا في الوصول إلى الباص، الشوارع مغلقة وتسبح في مياه الأمطار، المشرفة تنزل كل خمس دقائق بطفل إلى نهر الشارع لكي يقضي حاجته، بعض المشرفات استغاثت بأصحاب السيارات المتوقفة بجوار الباص لكى تغيثها بزجاجة مياه ليشرب الأطفال».
وجود الحكومة في الشارع ليس المعيار
عبد اللطيف المناوي في «المصري اليوم» يقول: «لا نحتاج إلى شواهد أو استطلاعات أو دراسات حالة أو جولات ميدانية، لنؤكد أن الدولة المصرية بتاريخها الكبير والضارب في جذور الحضارة فشلت فى مواجهة «تسعين دقيقة من الأمطار»، نعم، ساعة ونصف الساعة فقط، كانت كفيلة بأن تكشف هلاك البنية التحتية فى القاهرة، ومناطق أخرى من الجمهورية. ساعة ونصف الساعة فقط غرقت فيها الشوارع، وشُلت طرقات وميادين العاصمة. صار نفق العروبة، الكائن إلى جوار كبرى القصور الرئاسية ومؤسسات حساسة في الدولة، إلى ما يشبه بحيرة ماء كبيرة. تأخرت حافلات المدارس التي تقل صغارنا لمدة أكثر من خمس ساعات. تقطع التيار الكهربائي فى عدة مناطق، واهتزت شبكات المحمول والإنترنت. المدينة بأكملها عادت قرنًا كاملًا إلى الوراء.
ما زاد الأمر كارثية هو خروج الحكومة بالأمس للاعتراف بفشلها في مواجهة «ساعة ونصف الساعة من الأمطار» رغم التحذيرات التي أطلقتها هيئة الأرصاد قبلها بأيام، وكان التبرير غزارة حجم الأمطار، وتكلفة شبكات الصرف الخاصة بالمياه، ما شكّل صدمة للرأي العام، خصوصًا أن ما قالته الحكومة يتناقض كلية مع التصريحات المتوالية من بعض أعضائها بالإنجازات الإعجازية في مجال البنى التحتية.
ولعلنا نذكر تجارب المسؤولين واستعراضهم قدرة نفق العروبة على مواجهة الأمطار قبل أسابيع قليلة، وهو النفق الذي تحول إلى حمام سباحة، أمس الأول.
هذه الكارثة تعيدني مرة أخرى إلى الحديث عن فكرة غياب مجموعات «إدارة الأزمة» في كل مؤسساتنا تقريبًا، وهي الفكرة التي لم أتوانَ لحظة في المناداة بأخذها فى الاعتبار. من جديد أطالب بوجودها، لعل أحدًا يسمعني في هذا الأمر، ولا سيما أن كارثة الأمطار لم تكن الأولى خلال السنوات القليلة الماضية، ولنا في أزمة منطقة «التجمع» والإسكندرية من قبلها أمثلة صارخة. من العيب أن حكومة دولة بحجم مصر تخرج لتبرر فشلها في مواجهة «ساعة ونصف الساعة من الأمطار»، مثلما من العيب أن تتكرر الأزمة كل سنة.
وفي كل سنة ننتظرها في السنة التي تليها. قد يكون ما تحججت به الحكومة بالأمس صحيحًا حول اقتصاديات إنشاء صرف خاص بالأمطار في مدن معظمها جافة بشكل عام، وبالتالي تظل جدواها الاقتصادية محل شك. ولكن هذا لا يخلص من مسؤولية الاستعداد الكافي لمثل هذه الأزمة، التي تَفاجأنا بها تمامًا كما يفاجئنا شهر رمضان. في اجتماع تحرير الجريدة بالأمس، دار النقاش حول مدى دقة استخدام تعبير «الحكومة في الشارع» في العنوان الرئيسي، أظن أن المنطق الأقرب للاقتناع به أن وجود الحكومة في الشارع ليس المعيار، ولكن المعيار هو ما الفائدة؟ وهل كان هناك فرق؟».
ترشيد الاستهلاك
أما عاصم حنفي في «المصري اليوم» فشارك بقوله: «صارت مصر قطعة من أوروبا.. بدليل وجود آلاف البحيرات الصناعية في منتجعات وعزب الأغنياء الجدد، تستهلك كميات مهولة من المياه، في حين نشكو الفقر المائي.. ناهيك عن آلالاف من حمامات السباحة وملاعب الجولف الخاصة التي يمتلكها كبار الكبار.. ثم بعد ذلك يطالبون بترشيد استهلاك المياه.. ويلومون الست سنية اللي سايبه الميه ترخ ترخ من الحنفية».
مؤامرة تلو أخرى
ننتقل إلى الهجوم على إذاعة «بي بي سي» الشهيرة بصحبة دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «الـ«بي بي سي» إذاعة وتلفزيون ومواقع إلكترونية، تعمل ضد مصر، ولا تبث خبرا أو تستضيف شخصا إلا وهدفه إثارة البلبلة، في الشارع المصري، ودعم كل ما يثير الفوضى، والخراب والدمار! وهل ننسى دور الـ«بي بي سي» في دعم خراب 25 يناير/كانون الثاني 2011، وهل ننسى انحيازها الكامل لجماعة الإخوان الإرهابية، وخلع برقع الحياء، ليظهر وجهها القبيح، وهل ننسى ما بذلته من جهد وبشكل فاجر، وعُهر مهني، لا مثيل له، باعتبار ثورة 30 يونيو/حزيران انقلابا عسكريا، لمجرد أنها أزاحت الجماعة الإرهابية من الحكم وصدارة المشهد.
وهل ننسى اختلاق تلفزيون الـ«بي بي سي» لقصة اختفاء زبيدة، عندما عرضت القناة تقريراً استضافت فيه سيدة، قالت إن ابنتها، وتدعى «زبيدة» مختفية قسريا وإنها تعرضت للاغتصاب والتعذيب على يد «عناصر أمنية مصرية»، مطالبةً السلطات بكشف مصير ابنتها، وفي أي سجن تقبع؟ وتبين كذب وفضيحة القصة، وأنها مجرد سيناريو من تأليف وإخراج القناة الخبيثة! وهل ننسى الدور الذي لعبته الـ«بي بي سي» في قضية مقتل الشاب الإيطالي ريجيني بنشر الأكاذيب والافتراءات عن تورط الأمن المصري في مقتله لضرب العلاقات القوية بين إيطاليا ومصر، واختلاق وقائع كاذبة من أن ريجيني، بأنه تم تعذيبه في قسم شرطة الأزبكية، ثم تم نقله إلى مقر الأمن الوطني في لاظوغلي، ولقي حتفه هناك، وهو كذب أشر، إذ علمنا أن ريجيني لم يدخل قسم الأزبكية من الأصل، وأن دائرة تحركاته المرصودة من خلال اتصالات هاتفه، والفيديو المصور له مع بائع صحف، كانت في منطقة الدقي».
مشكلة العرب
يسأل عماد الدين أديب في «الوطن» عن العرب قائلا: «لماذا يتقدم غيرهم وهم يتخلفون؟ من الممكن كتابة موسوعات ومجلدات في تحليل هذه الظاهرة الكونية بدون الوصول إلى تشخيص العلة وفهم أسباب التخلف واستخلاص الدروس والعبر. وفي يقين الكاتب أن ما نحن فيه، بدون تنظير وبدون فلسفة وراءه 3 أسباب، أولها أن كل مجتمع منقسم على نفسه بمعنى أنه يتمسك بما يفرقه، أكثر من الاستمساك بما يجمعه.
ثانياً: إن عداء العرب لأنفسهم أكثر من عدائهم لخصومهم، بمعنى أن مشكلتي مع «جاري شقيقي» أكثر خصومة من «عدوى الأكيد البعيد». ثالثاً: إن دول الإقليم غير العربية، والقوى الكبرى لديها مشروعات قديمة متجددة مرسومة بإتقان، يتم تنفيذها بدقة على خريطة المنطقة العربية، بينما العرب – أصحاب المصلحة – لا يوجد لديهم مشروع مضاد خاص بهم.
لا يمكن لـ350 مليون مواطن عربى لديهم 3 من أقوى صناديق سيادية في العالم، يمتلكون نصف ثروة الطاقة، يطلون على بحرين ويتحكمون في 4 ممرات استراتيجية في مرور التجارة، لديهم حضارة منذ 2500 عام قبل الميلاد، بلادهم هي مهبط الوحي لأهم 3 ديانات في العالم، يملكون سوقاً من أكبر أسواق العالم، يخرجون 12 مليون طالب وتلميذ من كافة مراحل التعليم، ولديهم 300 ألف مبتعث في أهم جامعات العالم، ويعتبرون أكبر مشترٍ للسلاح في العالم، لديهم أقوى قوة بحرية في البحر المتوسط وافريقيا، وأكبر عدد من طائرات الفانتوم المقاتلة خارج الولايات المتحدة، ولديهم 40٪ من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، ليست لديهم القدرة على إدراك مصالحهم، والدفاع عنها، وفهم حقيقة قوتهم وممارسة دور يليق بهم. شىء محزن ومخجل ومخيف».
وداعاً عم صابر
وحدها تذكرت عبلة الرويني في «الأخبار» أحد نجوم الظل: «هل اكتشف عم صابر البهجة عندما اختار قبل 60 عاما أن يعمل «أراجوزا» يطوف في الموالد والأسواق والأحياء الشعبية لينشر الفرح والضحكات؟ أم كانت البهجة هي ملامحه الشخصية وهويته ورسالته التي عاش من أجلها طوال عمره؟ عندما فقد بصره تماما بعد أن قارب الثمانين من عمره، أعلن (سأستمر في نشر السعادة والضحك لكل الناس، فلم أفقد الأمل يوما في قدرتنا على صنع عالم سعيد).
عم صابر شيخ لاعبي «الأراجوز» في مصر والعالم، وأكبر ذاكرة حافظة لفن الأراجوز وعروضه المختلفة (حددها بـ 24 نمرة). عم صابر المصري، هو أحد صناع البهجة الحقيقيين في مصر (عندما تتأمل ملامح وجهه لا ترى إلا الوطن.. عندما تسمع صوت «أمانته» تحيط المكان فتشرق في وجوه الأطفال بالضحك) هكذا وصفه الدكتور نبيل بهجت أستاذ المسرح في جامعة حلوان ومؤسس فرقة «ومضة» لإحياء فنون الأراجوز وخيال الظل 2003 لخلق مسرح يعتمد على العناصر الشعبية العربية في تشكيل لغته.. عم صابر أحد المؤسسين لفرقة «ومضة».. المعلم الأول داخل الفرقة، والمرشد في كل مشاريعها وورشها المختلفة (إعادة الأراجوز إلى الشارع)، (دراما في الفصل المدرسي)، (خروج للناس.. مسرح ببلاش) وهو أيضا المشارك بعروضه في (الأرشيف القومي للأراجوز المصري) الذي أصدره المجلس الأعلى للثقافة 2012 باعتباره (آخر الكنوز البشرية الحية) وهي الجائزة التي حصل عليها من الشيخ القاسمي حاكم الشارقة عام 2016، وهو أيضا أحد المناضلين وراء أدراج اليونسكو (قبل عام) تراث الأراجوز، ضمن قائمة أهم الفنون البشرية التي يجب الحفاظ عليها.. ليرحل عم صابر بعد أن أكمل دروس البهجة كاملة».
ثورة لبنان
يهتم عبد الله السناوي في «الشروق» على نحو خاص بالحراك اللبناني فيقول: «كانت الاحتجاجات بزخمها الاستثنائي واتساع نطاقها إلى كل المناطق اللبنانية، أقرب إلى إعلان وفاة متأخر للنظام الطائفي، الذي يخاصم عصره ويحول دون تكافؤ الفرص، وفق معايير الكفاءة وحدها في تقلد المناصب والوظائف.
لم يكن الضجر بالنظام الطائفي شرارة الاحتجاجات، فقد اندلعت واتسعت على خلفية فرض ضرائب جديدة، على شعب يعاني ويتوجع من تبعات الأزمة الاقتصادية، فيما الفساد يطل برأسه وهدر المال العام يعلن عن نفسه في السياسات المتبعة. في الوجع الاجتماعي المشترك، اكتشف اللبنانيون مجددا، أنهم شعب واحد ومعاناة واحدة ومصير واحد، يتجاوز الطوائف والمذاهب، وأن وحدتهم في الميادين شرط ضروري لنجاح الاحتجاجات في تحسين أحوالهم المعيشية، والدفع بالبلد كله إلى مسار يلتحق بعصره في الحقوق الأساسية لشعبه، كمواطنين لا كرعايا في دولة الطوائف.
لم يكن الضجر بالنظام الطائفي أمرا طارئا اكتشف فجأة في الاحتجاجات اللبنانية، فقد دأب عدد كبير من المثقفين والمفكرين اللبنانيين لعقود طويلة، ربمـــا منذ تأسيس الجمهورية أربعينيات القرن الماضي، على نقد ذلك النوع من الحكم والدعوة إلى تجاوزه. الجديد ــ هذه المرة ــ أن ما كان يتردد في نطاق محدود، وداخل نخب بعينها، بات موضوع إجماع وطني، صوته مدو في ميادين الاحتجاج، ورسالته واصلة إلى المستقبل. بغض النظر عن قدر النجاح الذي يمكن أن يحققه الحراك اللبناني، فإن ما حدث يؤسس لما بعده بقدر ما يستقر إلهامه في الوجدان العام لأجياله الجديدة. ويرى السناوي أنه إذا نجحت الاحتجاجات في تجاوز ذلك السيناريو فإننا سوف نكون أمام ثورة حقيقية متكاملة الأركان».
ربيع مختلف
من بين المهتمين بلبنان طه الشريف في «الشبكة العربية»: «رأيت مشهد الحراك في الشارع اللبناني بعينٍ مختلفة عن تلك التي رأيت فيها بقية التظاهرات الثورية المعبرة عن غضب الشعوب في بلادنا العربية، بسبب بلادة الحكومات والأنظمة في التفاعل مع حق مواطنيها في الحياة، فباتت الحكومات تحكم وكأنها إمبراطوريات نصف آلهة، لا أحد يحاسبهم أو يراجعهم، وعلى الشعوب أن تقدم قربان الحب والعرفان للآلهة حتى ترضى وحتى لا تصب جام غضبها عليهم.
نعم كان من أسباب خروج اللبنانيين معاناتهم من إهمال الحكومات المتعاقبة، ومن ترهل أجهزة الدولة في تأدية وظائفها، من أجل الرفاهية للمواطن صاحب الحق في ثروة بلاده، وفي العيش الكريم بدون مِنة من الحكومة عليه، تماما كما هو الحق بالنسبة لبقية الأقطار العربية، لكنني أجد للبنان خصوصية لا أجدها في بقية البلاد العربية، ولا أجده مع حراك الشعوب في الجزائر أو في تونس أو في مصر والسودان.. والخصوصية التي أشير إليها في الحالة اللبنانية قد تحققت بفعل المحتل الفرنسي، منذ تقرر خروجه من لبنان بعد فترة الانتداب التي اقتطعت بموجبها لبنان من جسد الدولة العثمانية، وهي دسترة الطائفية، وتوزيع المناصب الوزارية والحكومية بموجب المحاصصة المبنية على تعداد كل طائفة، ويبدو الأمر في ظاهره قد جاء لتحقيق العدالة، حسب تعداد كل طائفة ما بين سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، مارون وكاثوليك، دروز وموحدين كما يطلقون على أنفسهم، ولو كانت فرنسا بتدخلها تبغي العدالة من خلال تأصيل الطائفية، وتوزيع المناصب الوزارية بالمحاصصة، لو كانت تبغيه حقاً فما الذي أخرس لسانها عن المظالم التي يتعرض له الكثير من الطوائف والأقليات في قارات العالم».