سرديات الرحالة الغربيين العالقة بين الروح الاستعمارية وتزييف الظواهر السياسية والدينية للشعوب المستعمرة

حجم الخط
1

في المثل الشعبي عندنا: (لا تُصدّق مسافرا ولا رجلا مات جيله)، لن أتحدث عن الشطر الثاني من المثل وسأكتفي بشطره الأول، ومعناه أن المسافر يحدثك بغرائب لا يحق لك دفعها ويصعب في ذات الوقت تصديقها. وذات الأمر يحدث للقارئ الذي يطالع كتب الرحالة الأجانب.
وعذري لهم ينطلق من سببين الأول : أن الرحالة الأجانب تناولوا الكثير من المظاهر السياسية والاجتماعية والدينية في المنطقة إبان رحلتهم بشيء من التفصيل،والأمر الثاني: أن الرحالة العرب لم تطأ أرجلهم بلاد العرب الجنوبية وإنما يكتفون بنقل الأخبار عن طريق الرواة وفي بعض الأحيان تجد أن سند الرواية فيه شيء من الغموض الأمر الذي يتدعى لدى مخيلتك أن الرواة كانوا أداة لتبرير غرائبه وتمريرها وليس للعلم الصحيح. من خلال هاتين النافذتين نجد أن القارئ في الجنوب العربي يأخذ الكثير من الأحكام التي يوردها الرحالة الأجانب محمل الحكم الذي لا يراجع وهو أمر يحتاج منا إلى تريث ومراجعة للنصوص الواردة في كتبهم، وأين كان هذا الأمر فإنني أجد نفسي منساقا خلف هذه الأخبار التي أوردها أولئك الرحالة خاصة فيما يتعلق بوطني سلطنة عمان وما ذكر من عادات وتقاليد في تلك الفترة يضاف إلى ذلك بعضا من صور المنطقة إبان تلك الرحلة.
والحق أن الرحالة لا يلزمون بتدوين كل صغيرة وكبيرة، إنما يمر مرور الكرام وقد يكون ذلك المرور فيه من الدرر التي لا تعوض والحطب الذي يحوي العقارب والحيات وأظن القارئ المميز يقف عند تلك المخاطر ويناقشها إذا كان ممن يطلع على الواقع التاريخي لتلك الحقبة.
الرحالة إذن يسجل انطباعا يخالطه الكثير من الأهواء والرغبات، سواء أكانت سياسية، أم دينية، أم اجتماعية، وعليه فإن الرحالة سيكون في كثير من أحواله متعلق بتلك الرغبات حين تمر به لحظة الكتابة وعلى القارئ النفوذ إلى قرار الكاتب حتى يكون بمقربة من الواقع، بعيداً عن تلك اللحظات التي مرت بالرحالة، من هنا يطلب بعض من التغاضي عن بعض العبارات، كعبارات التمجيد للتاج البريطاني وأهله ،وعبارات الازدراء للآخر ؛ خاصة إذا كان الأمر مدفوعا بأمرين المقارنة بين العالم الغربي بكل حضارته ورقيه، والتخلف الذي كان يعم بلاد العرب الجنوبية بما تحمل هذه المقارنة من روح استعمارية والنظر إلى الرجل الأبيض أنه رحمة جاءت من السماء لتعم الكون المتخلف !!! ثانيا التقارير التي ترفع إلى القيادات العسكرية المتواجدة في المنطقة حيث تسهل أمر المرور في حالة مجد المندوبون في المنطقة وحط من الأقوام التي كانت ترزح تحت نير استعمارهم.
وبالإجمال فإن الرحالة الأجانب أضاؤا الكثير من الزوايا التي نجهلها، فوثقوها في كتبهم خاصة في ما يتعلق بالمظاهر الاجتماعية والدينية والسياسية، وعليه فإن القارئ في الجنوب العربي يدين بالفضل لهؤلاء الرحالة لما دونوه، ويثمن ذلك الجهد الذي بذلوه في رحلاتهم الاستكشافية ،وما عانوه في تلك الفترة من التعب والمشقة حتى أوصلونا كل تلك المعلومات التي قد تكون اندثرت بفعل عوادي الزمن والنقلة التي حدثت لتلك البلاد.
وهو ما وجدته في كتاب (جنوبي الجزيرة العربية) لمؤلفيه ثيودور ومابيل بنت وهو كتاب ضمن سلسلة رواد المشرق العربي الذي تبنته هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة. دار الكتب الوطنية .والكتاب يقع في 534صفحة من الحجم المتوسط ترجمة هناء خليفة طبعة عام 1434ه 2012م .
وبما أن الكاتبين مرا على كل من البحرين ومسقط وظفار وسقطرة والمكلأ وبلاد الفضلي فإنني سأدون ما يخص بلدي كما أسلفت وسأبدأ بالعاصمة مسقط ثم ظفار وسألتقط ما كتب بين الإشادة و الغرابة وهذا ما يلفت القارئ عادة .
مسقط و مطرح …( 1894م)
‘وضواحي مسقط ممتعة على نحو خاص، وحالما تلج من إحدى البوابتين المبنيتين في الجدار واللتين تغلقان منفد المدينة عن العالم الخارجي، تجد نفسك مندفعا للتو إلى حياة جديدة متنوعة.. تابعنا المسير إلى وادي الجنة حيث رأينا الجانب المفضل من مسقط. أنعشنا هناك ضجيج الآبار الناعس وظل أشجار السنط والنخيل والخضرة الساطعة لحقول نبات الصفصفة، وشعرنا بأنه من الصعب علينا إدراك أننا كنا في جزيرة العرب المجدبة ‘.( ص 99- 100).
‘على بعد ثلاثة أميال من مسقط تقريبا تقع بلدة مطرح، وهي المركز التجاري لمملكة عمان .. تقوم بالمرور عبر الفحل أو صخرة الحصان في المرفأ، وهو اسم يطلقه العرب دائما على أي شيء كبير ذي مظهر غريب، وبالدوران حول زاوية صخرية تشاهد أمامك مَطْرَح.
يحكم المدينة الوالي، يقوم باختياره الإمام (السلطان)، وفي الأسواق من الممكن رؤية البانيان من الهند والعمانيين والبدو والعجم واليهود بهيئة اضطراب يائس، ويوجد لدى كل واحدة من هذه القوميات أحياؤها المنفصلة التي يعيشون فيها، وهي معزولة بجدران لتجعلهم بعيدين عن الشجار الدائم، وهم يجتمعون في الأسواق فقط وترقبهم عين سيد السوق المستعد لإنزال العقوبة الملائمة بحق معكري الأمن، وفي مثل الحالات يعاني الأبرياء أكثر من المذنبين ‘(ص 102- 103)
من الغرائب التي تحتمل المناقشة قولها:
‘وإذا كنت مغرما بالحلوى العربية المسماة (halwa ) فمن غير المستحسن تماما مشاهدة صناعتها في ذلك المكان؛ لأنه يتم استخدام أقدام الزنوج عادة لمزج الحلوى، ومعرفة هذه المعلومة جديرة بإفساد مذاقها ‘ ص 97 . والمعهود عندنا في عمان أن الحلوى لا تخضع لتلك الطريقة التي ذكرتها الكاتبة ويكفي القارئ الكريم أن يرى طريقة العمانيين في صناعتهم للحلوى وهي طريقة متوارثة ولا أدري أية حلوى هذه التي رأتها تدق بأقدام الزنوج والأصل أن تكون في مراجل تغلي بالزيت؟؟؟!!!….
‘أما الأقفال الحديدية المعروضة في الأسواق فغريبة جدا وقديمة النمط بمفاتيح حديدية كبيرة تدفع خارجا، وهي تصنع على شكل يشبه أسنان المشط. والأقفال مرهقة جدا ويبدو لي بأنها تطوير للأقفال الخشبية ذات شقوق المفاتيح الخشبية الموجودة بداخل جزيرة العرب، ويتجاوز طول بعضها القدم !!!. وشاهدت مرة صاحب بيت، بعد محاولته أن يدق المفتاح عن طريق إدخاله المتكرر بواسطة حجر، يتسلق في آخر المطاف بيأس جدار حديقة بيته’ ص 99 ولعمري أنه غير ملام مادام الأقفال بطول قدم !! فكيف تكون المفاتيح ؟!إذن على صاحب البيت أن يمتلك حمارا أو بغلا حتى يتكفل بحمل المفاتيح !!!
مرباط عام 1894 م
في يوم 20/11/1894م وصلا الرحالة إلى بندر مرباط بعد المرور على جزر الحلانيات ‘إن مرباط …هي النقطة الأولى لإقليم ظُفار بعد اجتياز الامتداد الطويل للصحراء. وهي بقعة .. صغيرة تتألف من خمسين بيتا وقليل من أكواخ البدو بمئتي ساكن تقريبا. إنها مبنية على لسان اليابسة وتؤمن ملجأ لعرب مراكب الدّاو خلال الرياح الموسمية الشمالية الشرقية. ويتم المياه عن طريق بركة من المياه المالحة’. ص278 ( كان لدى السكان شعر مضفور وهراوات) ص280
سهل ظفار:
سهل ظفار الذي كنا نبحر بمحاذاة ساحله عبارة عن سمة شاذة تماما في هذا الساحل الجاف. إنه الامتداد الخصب الوحيد بين عدن ومسقط … هو استثناء كبير للامتداد القاحل الذي يشكل واجهة جزيرة العرب للمحيط الهندي … يزين نخيل جوز الهند المنبسط بسعفه، وتنعش الأنظار الامتدادات الطويلة من حقول ساطعة خضراء وعند فواصل مألوفة رأينا قرى مزدهرة جانب الشاطئ. يتم زرع التبغ والقطن والذرة الهندية ومختلف أنواع الحبوب في هذا المكان بغزارة كبيرة، ونجد في الحدائق العديد من منتجات الهند المزدهرة، أي نبات موز الجنة والبابايا وأشجار التوت والبطيخ والفلفل والباذنجان وفاكهة وخضار من الأوصاف كلها’ ص 281-282
بعضا من المظاهر الاجتماعية:
أحد الأشياء التي أمتعتنا جدا هو مشاهدة تحيات البدو: حيث أنهم يقومون بفرك راحة أياديهم فحسب عندما يتقابلون، ثم يقبّلون أطراف أصابعهم بشكل خاص وإذا كان الصديق حميما يقومون بضم الأيدي وتقبيل بعضهم البعض، ولكن إذا كان الشخص من الأقارب فإنهم لا يقومون بضمّ الأيدي فقط بل بفرك أنوفهم وأخيرا يقبلون كلا الخدين ‘ ص308 وكل هذه التحيات تغيرت مع مرور الوقت لم يعد إلا السلام بالوجه خاصة سكان الريف.
كثيرا ما زرنا ساكني الكهوف والأطفال الذين يعيشون مع أسرابهم وقطعانهم في انسجام سعيد. تتسم أرضية الكهوف بالنعومة والرطوبة وهي نتاج ودائع أجيال من القطعان في الأعماق المظلمة من الكهف، ويبقى الأطفال أثناء غياب أمهم للرعي، وعلى الرغم من أن هذه الكهوف ذات رائحة خفيفة، وجدنا بأنها باردة ونعشة بعد الحرارة الخارجية. تم إنشاء أكواخ في بعض منها من أجل العائلات، وفي أحد الكهوف وجدنا قرية بأكملها تقريبا من الأكواخ، لكن في الكهوف الأصغر’ ص310
الأرواح الخفية:
قال لنا البدو بأنه في هذه الوديان بجانب الصخور قرب الجداول وتحت الأشجار، تعيش تلك الأرواح نصف الإلهية التي يدعونها جني jinni حيث يبدو أن استعطاف أولئك الجنيين صيغة أساسية ملازمة للدّين بين البدو. في إحدى الصباحات بينما كنا نصعد ممرّاً ضيّقا تحت ظل جرف ناتئ بدأ مرشدونا بإنشاد ترنيمة أغنية واستمروا بها لشعر دقائق
‘ Aleik soubera,Aleik soubera’ وبالعربية ‘أعلاك بالصبروا، أعلاك بالصبروا’ أي اتخذت طريق أخر ليس طريق الجن … حيث رددوا الكلمات باستمرار والتي تخاطب كما يقولون لنا جان الصخور، وهي تضرع لهم من أجل أن يدعونا نمر بأمان’ص311 .
من المغالطات التي ذكرتها الكاتبة قولها:
‘لا يصوم البدوي أبدا أثنا رمضان ولا يعارض القيام بعمله أثناء شهر التقشف لكنه يذهب إلى المسجد ويؤدي صلواته عندما تقوده المناسبة إلى الشاطئ’ ص312
من الخطأ التعميم على كل سكان الجبال بهذا الحكم الظالم، لقد كان الريفيين يستقبلون رمضان بطقوس منها شراء المؤنة لهذا الشهر الفضيل وهو ما يسمى عندهم (أعانت إذ رضون) بمعنى عيون رمضان دلالة على الاستقبال والحفاوة على قلة ذات اليد وهذا يتساوى فيه القريب والبعيد كل حسب طاقته، والبعد عن كل ما يخدش هذه الفريضة من الخطايا وأما العيد فهم من أشد الناس حفاوة به من حيث المأكل والملبس. الأمر الثاني أن المناطق التي مرت بها الكاتبة تكاد لا تكمل أكثر من50كم من أجمالي الريف الظفاري الممتد من جبال سمحان شرقا إلى صرفيت غربا. قد يكون هناك من يجهل التعاليم الاسلامية فهذا يعذر بجهله وأما جعل سكان الجبل لا يعرفون تقاليد الاسلام إلا إذا نزلوا إلى الشاطئ أمر يحمل في طياته الظلم والإجحاف.
وفي الختام هذه نظرة الغريب لا تلتقط إلا ما كان بالنسبة إليها ذلك أن المنقول كلما ازداد في غرابته كان إلى القلوب أقرب وحظي بالشهرة لا بل إنه كلما ازداد نسبة الغرابة فيه ازداد حضوره في الكتابة علما أن كتابة الرحالة انتقاء لحظة الرؤية أما إذا كانت الكتابة بعدية فحتما ستكون انتقاء من المنتقى …. وهذا ما حدث للكاتبة …

*أكاديمي من سلطنة عمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية