لأن منطق الشر مرفوض في الفكر الإنساني العالمي، فإنه لا يعلن عن نفسه بوضوح، بل يلتمس من الطرق الملتبسة طريقا له في التحرك في الخفاء، فهو لا يحدث إلا في الخفاء ولا يجرؤ على إعلان نفسه بكل وضوح وصراحة، لأن الشر لا منطق له.
قليل عدد الروايات التي ترسم منطق البطل الشرير وتعطيه صوتا لإعلان رؤيته ومنطق الشر الذي يتبناه، ربما لأن الأدب يبحث في كل القيم الجمالية، وينفر من تصوير الشر في عوالمه، أو لأن الشخصيات الروائية تدور في معركة لمحاربة الجهل والتخلف والشر والفساد وكل الآثام البشرية.
لا تزال صورة أبطال روايات مثل «الإرهابي 20» لعبدالله ثابت، ورواية «الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي» للطاهر وطار، عالقة في ذاكرتي، لفداحة الشر المعلن فيهما من منظور أيديولوجي ديني بحت، ولكن ثمة أعمال روائية قليلة تبنت منظور الشر من وجهة نظر شخصيات تقوم بأفعال شريرة ودنيئة سقوطا في دائرة الشر المفروض عليها. وهذا ما قدمته رواية «جزء مؤلم من حكاية» للروائي أمير تاج السر، ورواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يكون رجلا» للأديب فريد خدومة اللتان سأقوم بعرضهما في هذه القراءة.
تدور رواية «جزء مؤلم من حكاية» للروائي السوداني أمير تاج السر في القرن السابع عشر في مملكة قير ومملكة طير، وتتمركز حول شخصية محورية متحدثة وهي شخصية مجرم يدعى مرحلي امتهن القتل. يستذكر مرحلي في فصول الرواية المتعددة مجموعة من المهن التي امتهنها، وباستقراره أخيرا على مهنة قاتل يأخذ الأوامر من الشخص المسؤول عنه، من دون التفكير في سبب وحيثيات القتل، أو أن يبدي أي نوع من التعاطف مع الضحايا. وبذا نجد الرواية تعالج بشكل رئيسي فعل القتل الذي يتكرر بشكل مستمر، من دون البحث في الأسباب والخلفيات المعرفية التي تؤدي إلى ذلك، لأن الكاتب يريد أن يركز على بحث شخصية القاتل السيكوباثي، الذي ليس معنيا بأثر القتل على ضحاياه، لأنه سايكوباثي فتقل نسبة تأنيب الضمير عنده. لا يعني البطل شيئا من الدور الذي يقوم به، إلا أنه يقوم فقط بامتهان مهنة القتل والتكسب منها. وهذا يلقي ظلاله بشكل غير مباشر على الجرائم التي تقوم بها المؤسسات العسكرية والحربية في الحروب والمجازر الجماعية. اللافت هنا أن الرواية من الروايات القلائل التي تتبنى وجهة نظر القاتل أو الشخصيات الإجرامية، وتتمدد فيها وجهة نظر القاتل بشكل رئيسي في الرواية، وتوضح إن جاز التعبير منطق الشر، وهذه من الأمور التي لا تذكر كثيرا في الروايات العربية ربما لنفور الإنسان من موضوعات الشر.
من ناحية رؤية الخطاب، نجد الكاتب يتبنى بشكل واضح المدرسة «الواقعية السحرية» التي تمكن من إدخال العناصر الغرائبية التي تخترق الواقع وتعطينا رؤى مغايرة للحياة، التي نظن إنها مثقلة بوطأة الواقع، مثل دمجه للغرائبي اللافت المدهش بالواقعي، ومثل استثماره لقصص الجن والأساطير في فضاءات الرواية.
في ما يخص البناء الفني في الرواية، نجد أن الرواية من نوع الروايات الدائرية، إذ تبدأ وتنتهي بالنهاية نفسها، حيث يبدأ السارد باستذكار بعض التفاصيل والعلاقات الإنسانية التي مرّ فيها، من ثم ينتهي عند النقطة نفسها التي بدأ من عندها. كل ذلك من خلال دائرة السرد الداخلي وضمير المتكلم، الذي يساعد في انبثاق تيار التداعي الحر للتفاصيل والقصص والعلائق التي بنيت من خلالها الرواية.
تلتقي رواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يصبح رجلا» للأديب فريد خدومة مع الرواية السابقة في تسيد موضوع الشر، وتبني منطق الشر اضطراريا في هذه الحياة.
أما من ناحية عنوان الرواية «جزء مؤلم من حكاية»، فقد أحسن المؤلف اختيار العنوان غير المباشر المكثف في دلالته. جزء مؤلم يتماهى مع عدم إحساس البطل بالألم الكامل تجاه ضحاياه يتضح ذلك بقوله: «أتذكر مهنتي ولا أحس بأي إحساس مخز». وهو «البطل الذي لا يبحث إلا عن الشر، يستخرج الشوك من حديقة مليئة بالزهور». البطل الذي لا يستطع أن يكون صانع خير، فقرر أن يكون صانع أحداث الشر المتوالية لمن حوله. كل ذلك قدم بلغة سلسة وتشبيهات واستعارات لها وقعها على إدراك المتلقي، قامت على تقريب الأفكار المجردة إلى ذهن المتلقي.
رواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يصبح رجلا»:
تلتقي رواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يصبح رجلا» للأديب فريد خدومة مع الرواية السابقة في تسيد موضوع الشر، وتبني منطق الشر اضطراريا في هذه الحياة. تسلط رواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يصبح رجلا» الضوء على فئة من البشر تقوم بالأفعال الدنيا، البعيدة عن الأخلاق النبيلة، نجد الرواية تسرد تفاصيل الدناءة التي يقوم بها ترشيش مع أهل المدينة وأسيادها، بكل رضا وسرور حتى يصل إلى لحظة إدراك مختلفة تغير مصيره، وتجعله يشعر بمعاني الرجولة والكرامة الإنسانية. خلال ثلثي الرواية يعرض ترشيش كيف امتهن الكثير من المهن الدونية متبعا نصيحة والده ويسير على خطى آل الأعرج الكرام. كان ترشيش يقوم بالكثير من الأعمال الأخلاقية وغير الأخلاقية.. الشريفة والحقيرة من دون أن يتورع أو يتضايق أو يشعر بتأنيب ضمير، أو حتى إحساس الإهانة والذل، وكأنه امتطى وارتدى قناع التملق والنفاق وتقبل وضعيته بكل سعادة وسرور. كان يلبي كل ما يطلب منه، حتى إن كان الطلب خارجا عن المألوف أو منظومة القيم والأخلاق، ليعكس لنا بذلك تاريخ البشرية البديل وغير المعلن من انحطاط أخلاقي وتفسخ للقيم. يبدو أن الأعرج هذا أتى نتيجة لعاهة خلقية صاحبته وأفراد أسرته، وبذا نجد الكاتب يشير إلى عدم قدرة ذوي العاهات على التعايش في مجتمع يأبى أن يتعامل معهم من دون نسيان إنهم ذوو إعاقة لذلك نجد السارد يتحدث بمرارة عن فقد ذوي الإعاقة أي ذكر في التاريخ، رغم أن التاريخ لا يقوم من دونهم، فالتاريخ يذكر المنتصرين والأسياد، ولكن من يذكر العبيد؟ وكيف سيكونون أسيادا لو لم يوجد عبيد؟ إلى أن تأتي لحظة مفصلية في حياة ترشيش، عندما تقرر شادية أن تقترن به بعد أن أحبته واستشعرت بآدميته، وبذا تتضح قضية أن المهمشين ما إن يجدوا فضاء إنسانيا يتعامل معهم بالحب والاهتمام، يبدأون بالشعور بإنسانيتهم وبعض القيم المفقودة التي اعتادوا أن يعيشوا من دونها. بذلك، نجد ترشيش يتحول إلى رجل مؤمن بمبادئ وقيم إنسانية استطاع الحصول عليها من خلال تجربة الحب، الذي أعاد الأشياء إلى نصابها الحقيقي. وللمفارقة، أن من تعيد إليه إنسانيته ورجولته هي امرأة، بينما كان يحتقر المرأة سابقا، ويرى أحقيتها في العقوبة لأنها في الأصل، هي سبب اقتتال هابيل وقابيل. ومن أحد الأمثلة الدالة على امتهانه، تخليه عن أي إحساس بالكرامة أو الغيرة، وقيامه بتوزيع المشروبات في يوم زفاف طليقته.
يقدم ترشيش السرد بضمير المتكلم عاكسا بذلك إحساسه الشخصي بالذل والإهانة والمرارة، مساعدا على نقل رؤيته الشخصية لكل حادثة، حتى تحول رؤيته وتصوراته للحياة. بنيت الرواية على شكل أسئلة مجهولة من الناظر، ناظر مدرسة ترشيش، يقوم بالرد عليها ترشيش بإجابات وافية، يبدو فيها الناظر مسائلا لترشيش، ويقع الأخير في وضعية المدافع عن نفسه. من الواضح أن ترشيش لم يكن بطلا عاديا، بل حظي بوعي وإدراك إنساني كبير، ولغة أدبية تنهل من منابع التراث العربي، ولدى السارد قدرة عالية على الوصف والتعيين ورصد المفارقات الحادة الساخرة بلغته، كما أنه أيضا يربط الكثير من الحالات التي تحدث عنها بالقصص الديني والأبيات الشعرية القديمة التي كانت أكثر وقعا بالنسبة للمتلقي.
لقد نجحت الروايتان في تبني منطق الشر المفروض على المواطن العربي المهزوم بالفقر والجوع والفساد، الذي ينخر جسد الوطن العربي، وساعدت كل منهما على إسماعنا صوت الشر عندما يتحدث في داخل الإنسان الذي يفرض عليه هذا الأداء: كيف يتلبس هذه الرؤية ويقنع نفسه بها في رواية «يوم قرر ترشيش الأعرج أن يكون رجلا»، وكيف يتهرب من مواجهتها بطل رواية «جزء مؤلم من حكاية».
٭ كاتبة من الكويت