ليس غريبا أن يكون لعالم الصغار مكان في مخيال كتّاب الأدب عموما والسرد تحديدا، وبالمعنى الذي يكون فيه الطفل مقصودا قرائيا يتلقى بالسماع أو القراءة. وطبيعي أن يقدم القاص للطفولة نتاجا سرديا يبتغي عبره توصيل رسائل تربوية أو أخلاقية، توجه الصغار وتعلمهم، بما يمنحهم مزيدا من الوعي تجاه الحياة وتحدياتها وكيفية التعامل مع مختلف مواقفها وما تقتضيه المواجهة لضروب مشكلاتها.
لكن ما بالنا بالطفولة حين تكون هي نفسها فاعلا سرديا وبالشكل الذي يكون فيه عالم الصغار هو المهيمن على عالم الكبار، متمكنا منه بالقوة والاحتراف اللذين لا يحتاج معهما إلى وصاية أو كفالة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستضعنا في مواجهة إجناسية سردية تكشف لنا عن الفارق الإبداعي المهم بين نوعين من الأدب:
ـ أدب يوجه للطفل بوصفه كيانا صغيرا تابعا للكبار يحتاج إلى رعايتهم وإعانتهم واهتمامهم.
ـ أدب فاعله السردي طفل يوجه نقده لعالم الكبار بقصدية الوصف المؤسلب للحياة، وكيف أنها تلقي بالجميع صغارا وكبارا في دوامة ضغوطها، وبما يفقدهم حقيقة قوتهم ويجعلهم محنطين بروتينها وقد ضاعت النزعة النقية وتشوهت كينونة وجودهم.
وهذا الأدب الأخير يدخل في سرديات الطفولة التي تعد من أدبيات ما بعد الحداثة التي جاءت من أجل أن تعلي صوت المهمشين ومنهم الأطفال، وتلغي عنهم تابعيتهم وتخلصهم من الوصاية وتضع الثقة في نفوسهم من منطلق طبيعي، يرى أن النقاء سيظل حليفهم ما داموا يحافظون على براءتهم ولا يضيعون حقيقة وجودهم. وبهذا يكونون في منأى عما يسميه باومان الخوف السائل، متحصنين منه بالثقة وقادرين بالتخييل من تجسيد الأحلام كواقع معيش، لا وجود معه لما يسمى بـ(الفاعل التاريخي) كالأب والوصي والحكيم، لأن الطفل قادر على القيام بالمهمة المطلوبة منه بنفسه.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق ثقافة التعايش التي بها تصنع الثقافة بطريقة تشاركية بين الصغار والكبار حيث لا تمركز ولا تابعية، بما يعطي للذوات المغلوبة (الأطفال) مشروعية أن تصبح غالبة على مختلف المستويات اللغوية والميثولوجية والتاريخية والاجتماعية والسياسية. وإذا ما بحثنا في سرديات الكتابة القصصية القصيرة في مرحلتي التأسيس الكلاسيكي والتبلور الحداثي، فإننا سنجد في الغالب كتابة سردية توضع في خانة (أدب الطفل) بالوصف الذي قدمناه؛ بيد أن هناك قبسا إبداعيا ظهر في المرحلة الخمسينية في العراق ليبدو رياديا يشير إلى وجود سردية تخرج عن نطاق أدب الطفل لتدخل في نطاق سرديات الطفولة، بسبب توظيفه للطفولة بوصفها فاعلا سرديا وليس مسرودا أو مسرودا له أو متلقيا مفترضا أو قارئا فعليا.
وهذا القبس مثلته القاصة العراقية سافرة جميل حافظ في مجموعتها القصصية «دمى وأطفال» الصادرة عام 1954 وفيها جربت الكتابة عن الطفل بطريقة تختلف تماما عما فعله قصاصو هذه المرحلة من الذين جايلوها، كما تتغاير مع نهج قصاصي المرحلة السابقة، والسبب أن سافرة اتخذت من عالم الطفولة فاعلا سرديا جاعلة (الطفل والطفلة والصبي والصبية) أبطالا في قصصها القصيرة، فاتحة أمام الكتّاب الطريق للتعاطي مع سرديات الطفولة، من منظار يتبنى وجهة النظر الطفولية للعالم المادي الخارجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتعاطى التعامل مع الطفولة من منطلق خيالي داخلي، وبالشكل الذي يؤكد أن إجناسية القصة القصيرة قادرة على تجاوز مواضعات السرد الموجه للأطفال لتدخل في متاحات سرد الطفولة وعوالمها الخيالية الشاسعة.
وينبغي أن لا نفهم أن هذه الإجناسية القصصية تحاول أن تقلل من شأن الطفولة، وإنما هي الرغبة النستالوجية في جعل الطفولة موضوعا ككل الموضوعات المتناولة في القص عامة، بوصف الطفولة المنتج الذي فيه تكمن مختلف المعطيات الجمالية التي لها صلة بالزمان وسرعته والمكان وتنوعاته والحدث وتطوراته، وبما يسمح للطفولة أن تهيمن على عناصر السرد، وعندها لن يستطيع الزمان سرقة الطفولة من بين جنبات الإنسان، كما لن يتاح للمكان أن يترك أثره الغائر في الوعي الفردي بالحنين والاشتياق والوله، لأن فضاءات هذا الوعي ستكون رحبة ومداراته فسيحة، تحلق فيها الطفولة بتحرر تام، فلا مآل يفرض عليها نمطا حياتيا واقعيا معينا قد يغاير قناعاتها، كما لا التزامات توجب عليها التقييد بضروب شتى من التوجهات والمقاصد.
ولا غرو أن هذا المآل وذاك الالتزام هما العدوان اللدودان اللذان يهددان الطفولة ويجعلانها تذوي إلى مرحلة فيها يغادر الإنسان حريته مقيدا بالنضج والتزاماته الواقعية التي لن تخلو من الأسى والنستولوجيا. ولهذا بكى الشعراء والأدباء طفولتهم التي ذهبت إلى غير رجعة كما في الأغنية الفيروزية (طيري يا طيارة طيري يا ورق وخيطان / بدي أرجع طفلة صغيرة على سطح الجيران).
ولا خلاف في أن تمثيل الطفولة وما فيها من حرية وانفتاح سيجعل الطفل ساردا ومسرودا شأنه شأن الكبير، مغادرا دوره المعتاد كمسرود له، أو متلق يستهلك السرد، إلى منتج يصنع هذا السرد ويديره بقصدية التمركز مشتغلا عليه بإحساس مدرك ومتفاعل، وقد جعلت القاصة سافرة جميل حافظ الطفل كينونة مستقلة الوجود تنظر للعالم بمنظار خاص يجعل السارد العليم يتبنى وجهة نظرها الطفولية المائزة بالبراءة والنقاء والرهافة والعطف.
وقد ذهب القاص والكاتب هيثم بردى وهو يتتبع تاريخية الكتابة في أدب الطفل إلى أن محمود أحمد السيد، هو أول من نشر قصة تندرج في خانة أدب الطفل وعنوانها «ابن الدلال» عام 1922 في كتابه «كتّاب أدب الطفل عراقيون سريان في مسيرة أدب الطفل العراقي» إعداد وتقديم هيثم بردى إصدارات مجلة أنانا ط1 2016.
أما نحن فنذهب إلى أن سافرة جميل من أوائل من تناول الطفولة بوصفها كينونة سردية متخيلة، وليس بوصفها كينونة عمرية محددة تتلقى القص سماعا أو قراءة، ناقلة بذلك الطفولة من مرحلة التابعية والتهميش إلى منطقة التمركز والاستقطاب. ومعلوم أن النسوية مثل الطفولة في كونهما في نظر المؤسسة الثقافية البطرياركية مجرد تابعين لمتبوع واحد هو الرجل منزعا وهوى. وبهذا تكون سرديات الطفولة سرديات استعلاء وتمكين بها يصبح الطفل ـ سواء أكان ساردا أو مسرودا ـ ممتلكا رؤية صغيرة للعالم تصور الأشياء مكبرة بعين كاميراتية، توجهها روح طفولية تنزع صوب الخيال إلى أقصى مدى، جاعلة الواقعي مشوبا بالخيالي. وفي هذا النوع من السرديات تتأكد أهمية العناية بالطفولة من ناحية التعزيز لثقتها بنفسها وفاعلية هذه الثقة في فهم العالم بإدراكية تتعدى مقصدية التوجيه والإرشاد والإمتاع. ولهذا صار أثر الرواية والقصة أعظم من الأثر الذي تركه فرويد ودارون وماركس، كما يقول كولن ولسن في كتابه «فن الرواية» ترجمة محمد درويش دار المأمون للترجمة والنشر 1986. وعلى الرغم من أن العلم بحقوله المختلفة قطع أشواطا مهمة وبإمكانيات نظرية وتطبيقية هائلة، إلا إن منطقة المشاعر الإنسانية عموما والطفولية تحديدا ظلت حكرا على الأدب كونه هو وحده القادر على استجلاء تداعيات الوعي واللاوعي عند الكبار والصغار متعاملا بمخيال سردي مع مختلف الكيانات الإنسانية.
٭ أكاديمية عراقية