سرعة انتشار جماعة العدل والاحسان المغربية في اسبانيا تفاجئ مدريد والرباط وتقلقهما
مخاوف من ضياع الاندلس علي يد فاتحي الشيخ عبد السلام ياسين.. القلق من قوة الحضور يقابله ارتياح للخطاب غير العنفيسرعة انتشار جماعة العدل والاحسان المغربية في اسبانيا تفاجئ مدريد والرباط وتقلقهمامدريد ـ القدس العربي من حسين مجدوبي:شكل الثالث من تموز/يوليو الماضي منعطفا في تعاطي السلطات الاسبانية مع جماعة العدل والاحسان التي يرأسها الشيخ عبد السلام ياسين.في ذلك اليوم تجمهر أكثر من ألف من أنصار هذه الجماعة أمام السفارة المغربية في مدريد للاحتجاج علي الاعتقالات التي كانت تمس وقتها أعضاء التنظيم في مختلف المدن المغربية وتستمر حتي الوقت الراهن. وتتخوف مدريد من أن تصبح العدل والاحسان مستقبلا المؤطرة للهجرة المغربية والناطقة باسمها، مما يعني أسلمة الجالية المغربية في اسبانيا، بل والتخوف من استعادة العدل والاحسان للأندلس الضائعة ، كما قالت جريدة آ بي سي .ضعف اليسار المغربي قوّي العدل والاحسان الهجرة المغربية حديثة جدا في اسبانيا، تعود الي أواخر الثمانينات وإن كانت قد ارتفعت بقوة ابتداء من سنة 1995 ليصبح عدد أفرادها في الوقت الراهن أكثر من 550 ألف مغربي يقيمون بصورة قانونية وبضع عشرات الآلاف في وضعية غير قانونية. لم يتمكن اليسار المغربي من التواجد في اسبانيا لظروف تاريخية عكس تواجده في دول أوروبية أخري مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا التي كانت الوجهة الأولي للهجرة المغربية بعد الاستقلال وبعض المعارضين السياسيين خلال حقبة القمع والطلبة. وشهدت الدول الأوروبية تنظيمات قوية مثل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد الوطني للقوات الشعبية والي الأمام والاتحاد الاشتراكي. بينما الهجرة المغربية في اسبانيا أصبحت عرضة للاستقطاب من طرف الحركات والأحزاب السياسية ذات التوجه الديني أكثر بكثير من الأحزاب اليسارية واليمينية المغربية التي يكاد وجودها ينعدم. وتزامنت هذه الظاهرة مع ظاهرة موجة انتعاش الفكر السياسي الاسلامي التي يمر منها العالم العربي والاسلامي.التقارير الأمنية الاسبانية والمغربية اندهشت للحضور القوي لجماعة العدل والاحسان في مجموع اسبانيا والذي برز في وقت وجيز للغاية وكأن الجماعة كانت تعمل سرا أو أن خطابها السياسي والدعوي يروق المهاجرين المغاربة وانضموا اليه فجأة. حضور العدل والاحسان في اسبانيا اقتصر في التسعينات علي بعض جمعيات الطلبة في المدن الجامعية مثل غرناطة ومدريد وبرشلونة، وفجأة أصبح هذا التنظيم الذي يقوده عبد السلام ياسين يتغلغل بقوة في صفوف المهاجرين وبشكل ملفت للأنظار. وكانت جريدة البيريوديكو دي كاتالونيا سباقة الي التنبيه لتواجد العدل والاحسان في بعض المدن التي تشهد حضورا مكثفا للمهاجرين مثل مدريد ومورسيا وألمرية وغرناطة، لكن جريدة آ بي سي خصصت يوم الأحد ما قبل الماضي ملفا للموضوع، ومحذّرة من الانعكاسات السلبية لهذا التنظيم علي اسبانيا مستقبلا. جريدة آ بي سي اليمينية معروفة برصانتها واعتمادها علي التقارير الأمنية الرفيعة المستوي في تعاملها مع الحركات الاسلامية أو منظمة إيتا وعادة ما تعكس أمنيا انشغالات الأجهزة الأمنية. وعليه، فنشرها لتقارير حول العدل والاحسان يعني مباشرة أن الجماعة حاضرة في الأجندة الأمنية والاستخباراتية الاسبانية.واكتشفت اسبانيا أن العدل والاحسان بدأت تسيطر علي الكثير من المساجد وتقتني أخري بأموالها الخاصة. وتتساءل مدريد عن مصدر الأموال بحكم أنه لا يمكن نهائيا أن تكون بالكامل من المتعاطفين والأعضاء في اسبانيا، وفي الوقت نفسه تستبعد دول الخليج وأمراؤها كمصدر لهذه الأموال. ويبقي هناك احتمالين، الأول، إما أن هناك التزام قوي من طرف أعضاء الجماعة وأنصارها بدفع انخراط شهري مرتفع، أو تخصيص الجماعة من الأموال التي تحصل عليها من منخرطيها في المغرب والخارج لتقوية وجودها في اسبانيا.يركز تنظيم العدل والاحسان في الوقت الراهن علي فتح مساجد جديدة أو تسيير المساجد المتواجدة أصلا، وفشل أعضاؤه أن يجدوا لهم موقعا وسط الهيئات الفيدرالية الاسلامية الكبري في اسبانيا الأولي معروفة بـ الفيري والثانية لسيري بحكم أن الانضمام يتطلب موافقة مسبقة من المكتب الوطني. والأولي يسيطر عليها وافدون من المشرق العربي لا يتركون إلا الهامش للمغاربة، والثانية يسيرها الاسبان المسلمون رفقة جمعيات مغربية أخري لا علاقة لها بـ العدل والاحسان .مخاوف استعادة الاندلسظاهرة تغلغل العدل والاحسان في اسبانيا شكل خلال الشهور الأخيرة موضوع بحث في لقاءات بين المسؤولين الأمنيين في اسبانيا والمغرب، فمدريد والرباط تعتبران نفسيهما متضررتان من هذا التغلغل.فبالنسبة للرباط، تري في التواجد المكثف لجماعية العدل والاحسان في أقرب بلد أوروبي الي المغرب نوعا من الضغط بسبب القرب الجغرافي ينضاف الي الضغط الداخلي الذي يمارسه التنظيم بين الحين والآخر، ويكفي أنه من أكبر التظاهرات في أوروبا للتنديد بحملة اعتقالات الصيف التي مست أعضاء الجماعة في المغرب احتضنتها العاصمة مدريد.وبالنسبة لمدريد، فالمسؤولون السياسيون والأمنيون في هذا البلد يرون أن وجود العدل والاحسان وقوة خطابها الاستقطابي يعني أسلمة الهجرة المغربية التي تشكل أكبر جالية في البلاد والتي تعاني من مشاكل جمة. ويزداد تخوف السلطات الاسبانية من غياب طرف آخر قادر علي خلق توازن مع العدل والاحسان ينخرط في تأطير الهجرة المغربية. وتشير معطيات توفرت لدي القدس العربي الي الغياب الكلي لباقي الأحزاب السياسية المغربية باستثناء حضور باهت لليسار وضعف الجمعيات التي توصف بالتقدمية.واسبانيا حساسة دائما للوجود السياسي والجمعوي المغربي فوق أراضيها لأنها ترتاب من ظهور لوبي قوي يحاول التأثير علي العلاقات المغربية ـ الاسبانية. اسبانيا تري في أسلمة الهجرة المغربية بمثابة حدود سيكولوجية جديدة مع المجتمع الاسباني الذي مازال يعتقد في أن المسلمين القادمين من المغرب سيستعيدون الأندلس. ويكفي أن جريدة آ بي سي قالت يوم الأحد قبل الماضي ان المصادر التي استشارتها (الصحيفة) لا تستبعد أن ينتهي المطاف بأنصار العدل والاحسان علي المدي المتوسط أو البعيد بالمطالبة باستعادة الأندلس . ويبقي الارتياح النسبي الوحيد للإدارة الاسبانية في الوقت الراهن أن جماعة العدل والاحسان لا تدعو الي العنف وترفض طرق عمل الحركات الاسلامية المتطرفة، ولكنها لا تستبعد رهانها علي العنف مستقبلا كما أوردت آ بي سي نفسها.في غضون ذلك، تواجد العدل والاحسان في اسبانيا وباقي الدول الأوروبية هو جزء من المشاكل التي تعاني منها الدولة المغربية التي وجدت نفسها بعد تراجع اليسار في مواجهة الحركات الاسلامية التي ترغب في السيطرة علي الهجرة لاسيما وأن أبناء الجيل الثاني والثالث أكثر عرضة للإستقطاب. التغلغل الاسلامي وسط الجالية المغربية سواء حزب العدالة أو العدل والاحسان دفع بالنظام المغربي الي إلغاء مشاركة المهاجرين في الانتخابات التشريعية لسنة 2007 رغم الالتزام الملكي بهذه المشاركة كما أجل اختيار أعضاء المجلس الأعلي للهجرة الذي كان مرتقبا في عيد العرش الماضي خوفا من فوز الاسلاميين لأنه إضافة الي الأعضاء المعينين من طرف الملك محمد السادس سيكون هناك أعضاء منتخبون.