سرقة المال العام فضيحة القرن تتفجر في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
4

بغداد ـ «القدس العربي»: أكبر فضيحة فساد مالي جديدة في العراق، تفجرت بعد الكشف عن نهب 3.7 تريليون دينار (نحو 2.5 مليار دولار) من أموال هيئة الضرائب، من قبل شركات وهمية مدعومة بجهات متنفذة، فيما تعد الفضيحة انعكاسا لمزيج الفساد والفوضى المالية السائدة في العراق.

وتفجرت الفضيحة بعد أن كشف وزير النفط إحسان عبد الجبار عن «السرقة المهولة» وقدم طلباً لرئيس الوزراء بإعفائه من شغل منصب وزارة المالية بالوكالة، كما أوضح كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب، ان المبلغ المسروق بلغ 2.5 مليار دولار، تم سحبه بين الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر 2021 وآب/اغسطس 2022. وتمت العملية من خلال تحرير صكوك مالية إلى خمس شركات خاصة وهمية، قامت بصرفها نقدا على شكل دفعات.
وعقب ذلك الإعلان، تفجرت ردود الأفعال الغاضبة على الفضيحة الجديدة من جهات شعبية وسياسية وإعلامية، التي قارنت بين الضائقة الاقتصادية التي يمر بها العراق وتفشي الفقر والبطالة وتدهور الخدمات، وبين استمرار حيتان الفساد بنهب أموال الدولة بكل يسر ومن دون رادع، وبالتزامن مع سعي بعض الأحزاب الحاكمة الفاسدة، لتشكيل حكومة جديدة بعد عام من الانتخابات الأخيرة.
ووسط دعوات لمنع سفر كبار المسؤولين في حكومة مصطفى الكاظمي خوفا من هروب المتورطين بالقضية إلى خارج العراق، طالبت لجنة النزاهة في مجلس النواب، بمنع سفر كبار موظفي هيئة الضرائب لحين إكمال التحقيق في حادثة سرقة أمانات الهيئة.
أما اللجنة المالية النيابية، فإنها وبعد إجراء تحقيقاتها، أعلنت إحالتها إلى القضاء الذي سيتكفل بالتحقيق في هذه الجريمة. وقالت رئيسة اللجنة النائبة محاسن حمدون، في تصريح، إن «الأموال تم صرفها إلى خمس شركات فقط، وأن اللجنة استضافت وزيرة المالية هيام نعمت، ووكيلة الوزارة طيف سامي ومدير عام الضرائب وكالة ومدير عام الدائرة القانونية في وزارة المالية ومدير عام مصرف الرافدين، للاطلاع على تفاصيل القضية».

تبريرات الحكومة

وضمن تبريرات الحكومة في التعامل مع القضية، وفي آخر خطاب له، تطرق رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي لقضية الأموال المسروقة من مديرية الضرائب، مؤكدا وجود «اعتراضات شديدة من قبل برلمانيبن وكتل سياسية لمنع الإصلاح في وزارة المالية والبقاء على آليات تقليدية لا تلائم العصر».
وإدعى الكاظمي أن «هذا الموضوع لايخص حكومته بل دائرة من دوائر وزارة المالية، وانه في عام 2021 وجه بالقيام بتحقيق، وفي ضوء التحقيق أصدر أمرا بمنع صرف أي أمانات بالضرائب بدون استحصال موافقة الوزير» إلا انه لم يوضح سبب استمرار نهب أموال الضرائب بعد ذلك التاريخ.
وأقر الكاظمي إن «ما تم الإعلان عنه بخصوص موضوع الضرائب هو واحد من التحديات الكبيرة» وان «البعض يستغل الظروف لخلق الفوضى والتغطية على الفاسدين الحقيقيين» مؤكدا وجود «الأصوات التي تحاول ان تبتز بذريعة المال العام وهي أكثر أصوات متورطة بحماية الفاسدين». وتابع ان «الدولة تعرف كل شيء، ولو كانت تريد أن تفتح الملفات فإنها ستتسبب بزلازل». وهو اعتراف صريح بعجز حكومته عن مواجهة حيتان الفساد.
أما وزارة المالية، فانها أعلنت عن إجراءاتها التي اتبعتها بعد توافر مؤشرات عن هدر في المال العام من حساب الهيئة العامة للضرائب، حيث وجهت الوزارة كتابا إلى مجلس النواب – هيئة النزاهة بتاريخ 10/10/2022 عن الجهات المسؤولة والتي استولت على المبلغ، طالبة التحقيق بالموضوع. كما أعلنت عن القيام بتشكيل لجنة تحقيق إداري، وأجرت تغييرات إدارية احترازية ومنها عزل رئيس الهيئة العامة للضرائب والكادر المتقدم معه.
وقضائيا، أعلن مجلس القضاء الأعلى في بيان رسمي صدور مذكرات استقدام بحق مدير عام الهيئة العامة للضرائب ومعاونه، والمشرف على القسم المالي والرقابي ووكيل القسم المالي ومدير القسم المالي.
وأضاف البيان، أن «القضاء أصدر مذكرات قبض بحق أصحاب الشركات المستفيدة ووضع الحجز الاحتياطي على حساباتها والتي حررت لصالحها صكوك الأمانات الضريبية».
فيما أشار إلى «تشكيل لجان تدقيقية مشتركة من وزارة المالية والهيئة العامة للضرائب ومصرف الرافدين وهيئة النزاهة لتدقيق المبالغ المصروفة».
ولأننا في عراق ما بعد 2003 كان طبيعيا خضوع القضية للابتزاز من قبل بعض السياسيين الذين زجوا أنفسهم في تفاصيل هذه القضية من أجل الضغط على المتورطين فيها وابتزازهم ماليا. ولذا حذر السياسي المقرب من أحزاب السلطة عزت الشابندر، في تغريدة على تويتر «من سياسيين وبرلمانيين وسماسرة، يتدخلون في القضاء ويتحركون لجمع المعلومات عن المتورطين بالقضية، بقصد المساومة وابتزاز المتهمين» داعيا «القضاء للوقوف بوجه أولئك السماسرة، ومنع تأثيرهم على التحقيق».

إهمال وثغرات مهدت للفضيحة

وحول أسباب الفضيحة، وجه وزير المالية السابق علي علاوي، رسالة عن سبب حصول ما وصفها بـ«بواحدة من أكبر الفضائح المالية في العصر الحديث» عازيا ذلك إلى عوامل منها تأخر وزارة المالية في مجال «اعتماد أنظمة المعلومات والمحاسبة وإعداد التقاریر الآلیة» و«عدم انصیاع بعض المدراء العامین وموظفي الدولة إلى الأنظمة والقوانین الحاكمة في مهامهم». وأضاف أن كل ذلك يعود إلى «الولاء إلى جهات سیاسیة متنفذة تسترزق من حیتان الفساد وتوفر الحصانة إلى الفاسدین».
وكشف علاوي، الذي استقال قبل أشهر، بسبب ما قال إنها «ضغوط من الكتل السياسية» انه أبلغ مكتب رئیس الوزراء الكاظمي مرارا عام 2021 عن مخاطر السماح باستمرار هذا الوضع، مؤكدا انه أبلغه عدم امكانيته في الاستمرار وهو يعلم «أن الوزارة تلتهم من الداخل ولا یمكنني فعل أي شيء حیال ذلك». مشددا ان «كل الدوائر مخترقة من الأحزاب والمتنفذین ولا یوجد أي شخص ذو قدرة وقابلیة مستعد ان یعمل في هذه الأجواء.»
وفي السياق ذاته، أكدت تسريبات لوثائق هذه القضية، وجود إجراءات منظمة مهدت لعملية السرقة، أبرزها توجيه اللجنة المالية بمجلس النواب السابق، كتابا في حزيران/يونيو 2021 إلى وزير المالية، اقترحت فيه أن يتم تدقيق معاملات إعادة مبالغ الأمانات من قبل الهيئة العامة للضرائب فقط بما يعني إلغاء دور ديوان الرقابة المالية، وهي مخالفة قانونية فتحت باب الفساد.
كما أشارت تقارير مختصة، إلى وجود تواطؤ في القضية من قسم الحسابات في الهيئة العامة للضرائب ودائرة المحاسبة في وزارة المالية ومصرف الرافدين الحكومي، لأنهم لم يتبعوا السياقات المالية المتعارف عليها في التعامل مع الصكوك.
إلا أن النائب المعارض هادي السلامي، طرح معلومات خطيرة عن القضية المذكورة خلال لقاء تلفزيوني تابعته «القدس العربي» حيث أشار إلى محاولات للطمس على القضية وانه «تم إحراق بعض الوثائق» المتعلقة بفضيحة سرقة أموال الضرائب، وان مدير الضرائب المتورط فيها، غادر العراق منذ الشهر الماضي. وأكد السلامي ان «هناك فسادا متنوعا غير منظور مثل منح الأراضي الغالية الثمن التابعة للدولة، مجانا إلى المستثمرين التابعين للأحزاب الحاكمة» وكرر «ان الفساد تقوده الأحزاب الحاكمة».
ونظرا لضخامة أموال الفساد الجديدة، فقد دخلت الأمم المتحدة على الخط، حيث تساءلت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جنينين بلاسخارت، عن ما يمكن إنجازه بـ«تريليونات الدنانير العراقية» التي سرقت من ودائع الضرائب العراقية.
وكتبت بلاسخارت في تغريدة عبر تويتر «ماذا يمكن للعراق فعله بمليارات الدولارات المفقودة منه؟ الاستثمار بالمدارس والمستشفيات والطاقة والمياه والطرق وغير ذلك؟».
وتابعت «استردوا هذه الأموال وأعيدوها لأصحابها الشرعيين، ادعموا الحكومة العراقية في تحقيقاتها، ووفروا الحماية لمن يكشفون الحقائق. اضمنوا المساءلة».
ويرى المراقبون انه بالرغم من ان ملفات الفساد ونهب المال العام ليست جديدة في المشهد العراقي، إلا هذه القضية حظيت باهتمام كبير، لأنها كشفت عدة حقائق مؤلمة، أبرزها ان العراقيين يعيشون في دولة «فرهود» عبر نهب الأموال العامة التي تسرقها حيتان الفساد منذ عقدين، وسكوت وتواطؤ وعجز الحكومة والقضاء عن التعامل مع المتورطين المدعومين بنفوذ سياسي وفصائل مسلحة، مع تعمد خلق الفوضى في المؤسسات المالية لتكون غطاء لعمليات النهب المنظم.
وما زاد الاهتمام بهذه القضية، انها تأتي في وقت يعاني فيه الشعب من أوضاع اقتصادية كارثية، وهو في امس الحاجة فيها إلى هذه المبالغ للتخفيف من أزماته الخانقة ومعاناته العميقة. وبالتالي فإن هذه القضية ستكون حتما أول اختبار لمصداقية رئيس الحكومة المكلف محمد السوداني، الذي تعهد في أول خطاب له بعد التكليف، بجعل مكافحة الفساد أول مهام حكومته المقبلة، وهي القضية التي تشكل بالتأكيد تحديا هائلا أمام أي حكومة في عراق ما بعد 2003.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية